الكثيرون جربوا الهجرة وذاقوا مراراتها قبل العام 2003، منهم من توجه الى سوريا او ايران او الأردن او لبنان، وبعضا من بلدان المغرب العربي، ومنهم من هاجر الى جغرافيات ليست عربية، اوربية وامريكية، الا ان التجربة واحدة، رغم المشتركات والمفترقات بين هوية البلدان التي احتوت المهاجرين.

كاتب السطور واحد من الذين عاشوا التجربة في سوريا قبل العام 2003، وحتى بعده في سنوات الاقتتال الطائفي، وعاش مرارات الغربة والبعد القسري عن الوطن ، العراق. وكثيرا ما كان يهزني الحنين اليه، لكنه يعود – الحنين - خائبا من عدم الاشباع، صحيح هي ساعات قليلة واكون في الوطن، لكن الخوف مما يحدث لي في الداخل يتغلب على هذا الحنين ويقهره الى حين.

وكانت الكثير من الصور او الذكريات تستفز هذا الحنين ليعاود الظهور، الحديث مع الاخرين عن العراق، سماع قصائد مظفر النواب:

الدنيا غربة بلا وطن

الناس غربة بلا اهل

الدنيا غربة بلا ولف..

التجربة العراقية في الهجرة قبل العام 2003، شكلت العدد الاضخم للهجرات العربية، وجاءت في المرتبة الثانية بعد الهجرة الفلسطينية، وهي حاليا تتنافس مع هجرات جديدة لهويات أخرى كالسورية او الافريقية، رغم زوال المسبب الأول للهجرة العراقية وهو نظام صدام حسين.

لماذا يهاجر العراقي الان؟

لأنه لا يرى افقا مفتوحا امامه، يمكن ان يجعله يقاوم الوضع الحالي بكل خرابه وفساده ولعنته، وان هذا الأفق المغلق يضيق من حلقاته الدائرة حول عنقه، كحبل المشنقة كلما انزلق أكثر الى الأسفل ضاق على رقبته.

كتاب (التحليل النفسي للمهجر والمنفى) للزوجين ليون وربيكا غرينبرغ، يبحث في الحالة النفسية للمهاجرين والمنفيين، ويختار حالات عيادية متعددة.

يبتكر غرينبرغ تعبيرا عميقا عندما يطلق على المهاجرين والمنفيين والمغتربين تعبير (اشقاء الزورق الواحد) هؤلاء الذين يجمعهم الزورق وقد تفرقهم المصائر.

بالإمكان مقارنة عملية الهجرة بمرحلة المراهقة العاصفة والقلقة التي تنقل الفرد من الطفولة الى النضج، مثل المهاجرين القابعين في زورق تتلاطمه الأمواج والعواصف وهو في طريقه الى سبر اغوار عالم جديد. فالمهاجرون تركوا عالمهم المعروف، باتجاه العالم الاخر، الذي لا يستطيعون تقييمه واقعيا. وبعيدا عن أي ضفاف، يعيشون ظرفا وهميا، لا يثبت واقعيته الا رفقاء الرحلة، اذ يتحولون الى عائلة جديدة. وعبارة (اشقاء الزورق الواحد) برهنت على مصداقيتها وظلت سارية المفعول حتى لو سافر المهاجر على متن الطائرة.

الكتاب كما يصفه الشاعر العراقي عواد ناصر في المقدمة التي كتبها له، انه كتاب المرايا: مرايا يضعها الباحث امام وجوهنا القلقة وارواحنا اللائبة ونحن نبحث عن زاوية امينة تؤمن الحد الأدنى للبشر الهاربين من ممرات النيران والحروب والاقبية المظلمة.

انه كتاب المرايا لأنه يوضح لنا كيف ينظر المواطنون (جماعة الداخل) الى المنفيين (جماعة الخارج) وكيف يطلقون بشأنهم شتى النعوت والتهم والارتيابات: انهم خونة وناكرون للجميل ومتهورون.

وعن سبب عدم وجود جهود عربية رصينة لهذه الظاهرة المقلقة، يرى الشاعر، ان مقاربة المنفى العربي هي تماس كهربائي عالي الفولتية مع اخطر اقداس العرب المعاصرين: السلطة الحاكمة باعتبارها السبب الرئيس في المنفى العربي، سواء اكان هذا المنفى لأسباب اقتصادية او ثقافية او حتى خيارا فرديا، متبطرا، يجعل جون برجر معترفا (عندما أتطلع حولي واشاهد ما هو المنفى الحقيقي، أقول انا لست واحدا من أولئك المنفيين. لقد اخترت المنفى اختيارا، فانا أستطيع العودة الى بلدي متى اشاء، مما يجعل الامر يبدو عبثيا).

ينتمي اللاجئون للجماعات المهاجرة الملفتة للانتباه، وهم حسب الوصف (النفسي – الاجتماعي) مهاجرون رغما عنهم. هذا ما جاء في تقرير الأمم المتحدة لعام 1951 (اللاجئ هو بالضرورة من لا يملك وطنا، ضحية ضعيفة ومحزنة وبريئة، لأحداث لا يمكن ان يتحمل اللاجئ مسؤوليتها).

والهجرة في اشتقاقها من اللغة الاغريقية تعني الجرح النازف. وقد نقل مضمون هذا المصطلح الى التحليل النفسي: صدمة عنيفة تترك اثارها على الشخصية.

يتحدث الكتاب عن ردود فعل الباقين في الوطن، والتي تعتمد على نوعية العلاقة وعمقها مع الراحلين.

فالأقرباء والمقربون سيعانون حتما من مشاعر الفقدان وحالات من الكآبة والحزن، وشيء من العداء تجاه الذين غادروا، لانهم يعانون بسببهم. أحيانا ينظر الى الفراق كالموت، خاصة في ظروف قسرية أدت الى الهجرة، ومعرفة انه ما من عودة قريبة، أي فراق حكم عليه منذ البدء بالنهائي. كما جاء في الحكمة الشعبية: (الرحيل هو قليل من الموت). وينطبق على الراحلين والباقين على حد سواء. والحزن الذي يواجهون فيه الفراق، يشبه الحداد على انسان عزيز. وهذه المقارنة بين الرحيل والموت يمكن ان تتخذ شكلا أكثر كثافة، فيعامل الراحل كالميت.

كيف هو شكل الوطن في المنفى؟.

(الوطن يصبح في المنفى، حقاً أو وهماً، هو الحلم/ اليوتوبيا حسب لعبة الإحلال، على طريقة ناظم حكمت: وضعوا الشاعر في الجنة فصاح: آه يا وطني ومات. وكأنه ليس الوطن نفسه الذي كنا نشكو منه ليل نهار حين كنا في أحضانه!

ولكن لماذا لا يعود الإنسان قط؟

العودة، بعد سنوات في المنفى أو المهجر، هي هجرة جديدة. وقرار العودة مؤلم بقدر قرار الرحيل.

فالوطن «المستعاد» سرعان ما يتكشف أنه ليس ذلك «الوطن/ الحلم»، كما كان في المنفى، بل الوطن الواقعي إلى درجة الجرح، و«إن الناس الأحباء لم يكونوا يغطون في سبات طويل ، لقد تغير كل شيء: البشر والأشياء والشوارع والعلاقات والعادات، حتى اللهجة اليومية الدارجة لم تعد تلك اللهجة التي كان يعرفها، فقد اكتسبت مفردات ومصطلحات جديدة بفعل التغيرات الاجتماعية والسياسية». «كل شيء يجب أن يبنى من جديد كمنزل هدته العواصف، لا بد من إعادة بناء خرابه.. ولكن المنزل لن يعود كما كان في الماضي، سيصبح منزلاً مختلفاً، وسيعمه واقع آخر ورغبات أخرى، وستنجم عنه أحزان جديدة..» كما يكتب فاضل السلطاني في عرضه للكتاب / المنفى والمهجر في عيادة التحليل النفسي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1