الجمعة الماضية، لم تكن الكويت وحدها من ابتليت بالإرهاب... فتونس وفرنسا كانت على موعد مع العمليات الإرهابية التي مارسها المتطرفون ضد المدنيين في تلك الدول... العالم فوجئ بتنوع الأهداف وتوزعها على "ثلاث قارات"... مثلما فوجئ بقسوة المتطرفين على اختيار أهدافهم الأكثر ضعفا... مصلين في مساجد... سواح في منتجعات ترفيهية... وذبح مدير شركة في الخمسين من العمر، بالسكين، واخذ "سيلفي" مع رأس الضحية للذكرى، إضافة الى كل هذه الصورة الدامية... كانت هناك صور اكثر دموية في العراق وسوريا واليمن وليبيا وأفغانستان... لكن لم يركز عليها الاعلام بالشكل الكافي... باعتبارها "اخبار تقليدية"... ففي هذه المناطق تسيل دماء المدنيين والعسكريين في كل ساعة بفعل العمليات الإرهابية التي تشنها نفس الجماعات المتطرفة والمتعاطفين معها.

المجتمع الدولي، والغرب تحديدا، أدرك ان ما حدث من اعتداءات، يوم الجمعة، في اوربا واسيا وافريقيا... جزء من "الإرهاب العالمي" الذي يمارسه تنظيم "داعش"، وهو امر يحتاج الى إعادة النظر في طريقة "التفكير" و"التعامل" مع المسلمين أنفسهم... مسلمو اوربا، ومسلمو العالم، اذ ينبغي التفريق بين "الإرهاب" كأيديولوجية وبين "الإسلام" كدين سماوي يعتنقه الملايين حول العالم، على الرغم من محاولة تنظيم "داعش" الدمج بينهما في واجهة واحدة... لكن حقيقة الحال تخالف تماما ما يذهب اليه المتطرفون في ايديولوجياتهم الفكرية العنيفة وربطها بالإسلام من خلال أفكار منحرفة لا يؤمن بها او يتعاطف معها الا القليل... كما ان طريقة التعامل الغربي او المجتمع الدولي مع ظاهرة الإرهاب العالمي وربطها بالإسلام... أدت الى الكثير من ردود الأفعال الغاضبة والمشجعة للجنوح الى العنف والتعاطف مع التكفيريين... هذه الحقيقة اشارت اليها صحيفة "الاندبندنت" بمقالها الافتتاحي بعنوان "جمعة دامية"... حيث نبهت الى عدم "الخلط بين هذه الأعمال البشعة والإسلام، أحد أعظم الديانات في العالم، فهناك الكثيرون من غير المسلمين يقتلون باسم الدين، وباسم أيديولوجيات أخرى، مثل قاتل المصلين في كنيسة تشارلستون، في الولايات المتحدة... فعناصر تنظيم "الدولة الإسلامية" ربما يعتقدون أنهم وحدهم المؤمنون الحقيقيون، ولكن هناك الملايين من المسلمين في العالم لا علاقة لهم بهذا التنظيم القاتل".

الغرب تقع على عاتقة مسؤولية كبير في محاربة التطرف... سيما الدول المؤثرة على مستوى العالم... منها الولايات المتحدة الامريكية... بريطانيا، فرنسا، المانيا...الخ، وجميعها دول تم استهدافها من قبل الإرهاب وفوق أراضيها... كما هاجر الاف الشبان من مواطنيها او رعاياها... ليلتحقوا في صفوف تنظيم "داعش" للقتال في سوريا والعراق... وهناك مئات التغريدات وعشرات الحسابات من المعجبين بأفعال التنظيم... ومن المتعاطفين مع "دولة الخلافة" المفترضة للتنظيم... إضافة الى اعداد غير معلومة من الراغبين بالانضمام اليها في أقرب وقت... وهم كما يرى الخبراء... عبارة عن قنابل موقوته قد تمارس نفس الأفعال الإرهابية الفردية التي وقعت سابقا في اوربا والولايات المتحدة الامريكية... ولكي يتم تجنب المزيد من الهجمات المحتملة التي قد يشنها متطرفون ضد مصالح واهداف مدنية في هذه الدول وغيرها... ينبغي التحرك سريعا لمحاصرة توسع التنظيم واحتواء خطره... ولا يتم ذلك الا بسلب "مفاتيح القوة" التي يتمتع بها التنظيم... ويعتمد عليها كثيرا في إدارة توسعه وتمدده:

- الأفكار والكتب والمناهج الدينية التي تدرس من قبل جهات رسمية وأخرى أهلية... ويتم فيها التحريض على قتل او اسر او الاعتداء (باي شكل كان)، على "الانسان" الذي لا تتفق "عقيدته" او "ديانته" مع ما يدرس في هذه المناهج.

- التمويل (الأموال)، من مصادر "خليجية" او "إسلامية" او "غربية"... والتي يعتمد عليها التنظيم في تغذيه عملياته "العسكرية" و"الإعلامية"... لاستقطاب المتعاطفين مع التنظيم من المغرور بهم.

- الالاف من الراغبين بالالتحاق بصفوف التنظيم... وهم يشكلون المادة الأساس للعمليات العسكرية والانتحارية التي مكنت التنظيم من السيطرة على مساحات واسعة من سوريا والعراق... إضافة الى اعتبارهم نموذج لترغيب غيرهم من المترددين... كما تعكس فشل "المجتمع الدولي" ومنظومته الأمنية في إيقاف زحف الالاف منهم... ودخولهم بسهولة الى الأراضي السورية او العراقية.

- مساعدة الدول، (وحكوماتها)، التي تقف في الصف الأول في مكافحة الإرهاب، سياسيا وعسكريا... ومضاعفة الجهود الاستخبارية والدعم اللوجستي... حتى يتسنى لها الصمود... فالعراق... على سبيل المثال، استنزف الكثير من أمواله وأبنائه في مواجهة التطرف على مدار عقد من الزمن... وما زال يواجه تنظيم "داعش"... مقابل استهانة غربية واضحة بما يقدمه في سبيل ذلك... وبطء في مد يد العون او تعزيز التعاون معه... طبعا استمرار الصراع العسكري مع التنظيمات المتطرفة في العراق وسوريا... بهذه الطريقة، سوف لن يصل الى أي نتيجة... وسوف لن يحسم النصر لجهة على حساب أخرى... والمطلوب من "المجتمع الدولي" خنق تنظيم "داعش" والتنظيمات الأخرى... بسلب "مفاتيح القوة" المتوفرة له... بما تملكه من وسائل ضغط سياسية ودبلوماسية واقتصادية وعسكرية كبيرة... على من يوفر هذه "المفاتيح" ويضعها تحت تصرف التنظيم... وهي مهمة لا يستطيع القيام بها سوى من يملك قوة التأثير في العالم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1