المادية بحسب المختصين هي نوع من الفلسفة الأحادية، تتبنى أن المادة هي المكون الأساسي للطبيعة، وأن كل الأشياء، بما فيها الجوانب العقلانية كالوعي، هي نتاج لتفاعلات مادية. بمعنى أن المادة هي أساس التكوينات الأخرى، وهذا يعني إلغاء للفلسفات الأخرى كالمثالية والروحانية، وبهذا يحدث التعارض التام بين ما هو مادي وما هو روحي.

ينتقل هذا المفهوم إلى السلوك المجتمعي، فهناك من يجعل المادة أساسا وهدفا ومحرّكا لحياته، ما يعني ترك زمام القيادة للنزعة المادية وهو ما يلغي الجوانب المثالية أو الروحية في كينونة الإنسان وسلوكه، فينعكس ذلك على القيم والمبادئ التي تحكم تفكيره ومبادئه، وفي حالة إيمانه بالمادية واتخاذها طريقا لإدارة شؤون حياته، فهذا يعني تغليب الشراهة في تحصيل الأشياء، وحصر التفكير والعقل بطبيعة الأرباح المادية بعيدا عن القيم الأخرى.

في المجتمع العراقي لوحظ في مرحلة الانفتاح المادي، أو الانفتاح على العالم، نزوع مادي هيمن على الشخصية العراقية، فبات الإنسان الفرد والعائلة تحت رحمة الحاجة المادية والعمل الحثيث للوصول إليها بشتى الطرق والأساليب، وهو ما أضفى تغييرا واضحا في السلوك الفردي، وانتعاش الشراهة المادية مدفوعا بالخوف من المستقبل، فترى الناس مندفعين دون رادع أخلاقي أو إنساني نحو أهدافهم.

هذه الظاهرة التي هي انعكاس للنزوع المادي عند الناس، أدخل الكثير من القيم الوافدة في العلاقات المتبادلة، إذ يقول ذوو الشأن - ويوجد من يتفق معهم- أن نزعة الاستحواذ المستشرية باتت تتلبس الشخصية العراقية، منذ عقد أو أكثر من السنوات، وهناك لهاث مسموع ومرئي نحو جمع المال والحصول على المكاسب ذات الطبيعة المادية.

لماذا تعاظمت ظاهرة الاستحواذ؟

يمكن أن نضع المتغيّر السياسي في العراق، كنقطة شروع لانطلاق ظاهرة الاستحواذ بصورة مثيرة للاستغراب، بالتزامن مع أجواء الانفتاح التي تزامنت وتضاعفت مع التحوّلات الكبرى في العراق، حتى بات الناس يتسابقون ويعتمدون طرقا غير مشروعة، نحو تحقيق المكاسب المادية وكأن العالم يوشك على نهايته.

ثم ما لبثت أن تزايدت هذه الظاهرة، لنرى العراقيين يخشون مستقبلهم، فيندفعون بقوة نحو تأمين حاضرهم بدفع من النزوع المادي، لاسيما بعد أن ازداد الانفتاح على العالم، والتدخّل المفاجئ والسريع لوسائل العولمة، خصوصا في مجالات الاتصال والميديا التي جعلت سكان الأرض في بوتقة واحدة مكشوفين لبعضهم البعض.

لكننا نتفق على أن الاستحواذ المعتدل، يعدّ من قبل المختصين غريزة طبيعية تدخل في الطبيعة التكوينية للإنسان، ولا غضاضة فيها عندما تتميز بالاعتدال، فهذا يدخل في طبيعة كينونة الإنسان لحماية استمرارية وديمومة الحياة، بمعنى إذا كان الميل المادي متسقا مع الروحي، فحينئذ تتولّد درجة من التوازن تتيح للإنسان حياة متوازنة أيضا.

لكننا نعني بالدرجة الأولى ذلك الخوف الغريب للعراقيين أو معظمهم، من كيفية تأمين مستقبلهم، وتذبذب وثوقهم من إنجاز هذا الهدف، وهذا يؤثر سلبا عليهم، فيجعل منهم عبيدا للمادة، يلهثون لتحقيق المكاسب بغض النظر عن القيم، متأثرين بالفورة المادية التي عصفت بهم، بعد الانفتاح الإلكتروني المباغت، الذي جعل العالم كلّه بثقافاته وسلوكياته مكشوفا لهم، وهذا صنع نوعا من الرغبة في التشبّه بالعالم المادي دون مراعاة للقيم.

مما أدى إلى اندفاع غير مبرر نحو ظاهرة الاكتناز، وازدياد الاندفاع الجماعي نحو تحقيق المكاسب المادية بشتى الطرق، حتى لو كانت مخالفة للقانون الوضعي أو الأعراف أو حتى الأحكام الدينية. وهذا ما يوضّح نزعة الخوف المستقبلية لدى الناس، ومحاولاتهم الحثيثة نحو الصراع المادي في حاضرهم، وعدم الشعور بالآخرين، مما ولَّد نسبة فقر تقارب أو تفوق ثلث عدد سكان العراق.

لا يصح تبرير النزعة المادية

هناك من يقرّ بوجود ظاهرة الاكتناز والاستحواذ، ومنهم بعض علماء الاجتماع، حيث أكد بعضهم أنها تقف وراء حالة الخوف والقلق التي يعيشها العراقي في حياته اليومية ونظرته إلى المستقبل، وقد يقف هذا النوع من الخوف، وراء تفضيل الانتماء القبلي أو العائلي أو الفئوي، وجعله الأقرب إلى الفرد العراقي من سواه.

وقد تعزى ظاهرة انبثاق جماعات صغيرة وكثيرة توزعت على امتداد العراق، إلى الأسباب المذكورة في أعلاه، ويؤكد ذلك ظهور عشرات التجمعات المجتمعية والسياسية التي أعلنت تشكيلها، وتأسيسها تحت غطاء قبلي، عشائري، أو ديني، حتى صار الفرد العراقي يجد فيها ملاذا يحتمي به، بدلا من الاحتماء (بالوطن/ القانون)، وهو ما أدى بالنتيجة إلى إضعاف الدولة، في حين ظلت ظاهرة الخشية المستقبلية لدى الأفراد مستمرة.

قد يرفض بعض من يهمهم الأمر هذا الاستنتاج، وقد يرونه معمَّدا بالمبالغة وتضخيم الواقع، ولكن يمكننا أن نتأكد من صحة هذا الكلام حين نوجّه السؤال التالي للفرد العراقي: هل أنت قلق على حاضرك ومستقبلك، وهل تخشى المستقبل؟ ثم لماذا هذا الهلع والركض وراء تحصيل المال؟ وعند الإجابة بصدق وأمانة ووضوح، سنلاحظ أن الدافع الأول لحالة الاستحواذ واستشرائها، هي الخوف من المستقبل واللجوء إلى النزعة المادية كسبيل لكبح المخاطر المحتملة.

هناك من يعزو هذا الخوف المستقبلي إلى الإرث الدكتاتوري القمعي الذي عاشه العراقيون، حيث عانى عقودا متواصلة من البطش وسحق الهوية الفردية وحتى الوطنية، ليجد في أجواء الانفتاح مبررا نفسيا لتفعيل ظاهرة الاستحواذ، التي فرضت نفسها عليه بقوة، فدفعته إلى تحصيل المال (ظنا منه انه يحمي مستقبله)، وقد يكون معه الحق أحياناً، لكن الغاية لا يمكن أن تبرر الوسيلة، فالنزعة المادية بعيدة عن أخلاقيات وقيم مراعاة الآخر.

بالنتيجة لا يمكن تبرير الشراهة المادية، لكي يتم تحقيق المكاسب بطرق معظمها غير مشروعة، تعتمد الاحتيال والمراوغة والتبرير وما إلى ذلك من أعذار، تبرر التجاوز على المال العام، والتجاوز على حقوق الآخرين، لتصبح ظاهرة سلوك مجتمعي مبرَّر وهنا تكمن الطامة الكبرى، إذ من الطبيعي أن يتزايد الغلوّ المادي في مقابل التراجع الروحي الأخلاقي، في حين ما يحتاجه العراقيون في هذه المرحلة بالذات، استنهاض تام للقيم التي تحافظ على حرمة الإنسان وكرامته، وهذا لن يُنجَز في ظل الشراهة المادية المتفشية.

اضف تعليق