الثقافة كما هو متعارَف، لها دور ايجابي في رفع الوعي المجتمعي، ولها مساهمة واضحة في بناء اركان الدولة، من خلال تطوير المجتمع وتأهيله كي يكون مواكبا للمجتمعات المتقدمة، وما تحققه من آفاق واسعة في مجال التطور والاكتشافات الجيدة، فعندما تكون الثقافة جيدة يكون المجتمع بخير، وينعكس هذا على حالة الاستقرار والتفرغ للابداع والانتاج، كل هذا وسواه يمكن أن تحققه الثقافة اذا كانت ذا طابع متطور ومحايث للواقع العالمي المتقدم، فمن دون ثقافة متقدمة لا يمكن صناعة دولة متقدمة.

هذه المعادلة التي ترهن تقدم الدولة والمجتمع بالثقافة ليست جديدة، لذلك يذهب العارفون الى الرأي الذي يقول (اذا هزلت ثقافة أمة ما، هزلت تلك الأمة)، فهناك رابط جوهري لا فكاك منه بين الثقافة والتقدم، شرط ايجابية الثقافة، بمعنى اذا كانت الثقافة عكس ذلك، أي قد تكون ذات طابع سلبي، عند ذاك سوف يتحول تأثيرها الايجابي بالقوة نفسها الى جانب سلبي، وفي هذا الحالة بدلا من ان تكون الثقافة تقدمية حضارية، سوف تذهب في المسار المناقض، وتصبح ثقافة تدميرية بمعنى الكلمة!.

فما هو الدور السلبي للثقافة، وما هو تأثيرها على الفرد والمجتمع والدولة ايضا؟، نحن نركّز وأعني الكتاب والمثقفين عموما ومن يهمهم امر الثقافة، على الجانب الجيد والتأثير المفيد للثقافة والمثقف في الاوساط المجتمعية المختلفة، ولكننا في الحقيقة لم نتحدث عن الثقافة فيما لو تحوّلت الى مطرقة للتهديم بدلا من البناء، إننا لا شك نحتاج الى إلقاء الضوء على الثقافة التدميرية، ومتى يمكن أن تكون كذلك، وما هي الاسباب التي تجرد الثقافة من دورها الايجابي البنّاء؟.

إن المسؤول الأول عن تحويل الثقافة من مسارها الجيد الى المسار الضار، هو المثقف بالدرجة الاولى، والبيئة الحاضنة له، لذلك بمعادلة بسيطة نستطيع ان نتوصل الى الاستنتاج المذكور، فالمثقف كما يقول اصحاب الشأن هو ابن لحاضنته وبيئته، ويقول العارفون ايضا، هناك تأثير متبادَل بين الجانبين (المثقف والثقافة)، أي أن أحدهما يؤثر في الاخر سلبا وايجابا، لهذا لو كانت الثقافة ذات منحى تدميري، فإن المثقف هو المسؤول الاول عن ذلك، وعلى العكس اذا كان تأثيرها بنّاء فإن الامر يعود الى المثقف ايضا.

انطلاقا من هذا الاستنتاجات والتصورات، لابد أن يسعى المثقف ويجدّ ويكدّ ويبذل ما يكفي من افكار وانشطة وفعاليات، لكي يحصّن الثقافة من التحول الى مطرقة للتهديم، وهو امر ليس ببعيد، إذ يمكن للثقافة عندما تكون منتجة للتطرف والتعصّب والانانية وما شابه من قيم رديئة، ان تصبح مطرقة للتهديم، ولا يمكن لهذا النوع من الثقافة ان يبني مجتمعا ناجحا او دولة مستقرة متطورة.

هنا يبرز بقوة دور المثقف الواعي الايجابي، إنه يستطيع (اذا اراد وذلك وقرر في سريرته) أن يكون فاعلا بأفكاره واقواله وافعاله باتجاه التأثير الجيد للثقافة في الاوساط المجتمعية، بمعنى على المثقف أن يستعد تمام الاستعداد لنبذ ثقافة التدمير، وعليه في الوقت نفسه الشروع في تعضيد ثقافة البناء، وهذا في حقيقة الامر هدف صعب وكبير، لا يمكن ان يتحقق بصورة فردية او بأفعال وافكار عشوائية، في حين هناك مثقفون لا يؤدون دورهم كما يجب، بل هم اصلا في معزل عما يدور في مجتمعاتهم، والأمثلة على تهرّب المثقف من القيام بدوره الحقيقي الصحيح، كثيرة وملموسة تماما، لأن واقعنا الثقافي يضج بمثل هؤلاء المثقفين اللذين لا يقيمون وزنا لدورهم التثقيفي، ولا تعنيهم أهمية هذا الدور في رفع مستوى وعي الناس، بل ما يهمهم في الغالب مصالح مادية منفعية سرعان ما تؤول الى الزوال.

هنا يتدخل التخطيط السليم، والتنفيذ الدقيق والارادة الثقافية الفردية والجمعية المؤمنة الفاعلة، لكي يتحول الفعل الثقافي من حالته السلبية التدميرية، الى عنصر بناء ايجابي، يضع الحلول اللازمة لمكافحة التطرف والتشدد والافكار والعادات الدخيلة الوافدة، او تلك الموروثة التي لم تعد تتناسب واجواء المعاصرة والارتقاء، وهذا كله جهد ثقافي يتصدى له المثقفون والمفكرون القادرون على تحويل التأثير الثقافي من نزعته السلبية الى ايجابية الفعل والفكر والتأثير، لذلك مطلوب من المثقف أن يستثمر كل المزايا الثقافية المتوافرة، من اجل العودة الى الدور المميز للمثقف والذي يبتعد عن السطحية، وعلى المثقف أن يستقل بفكره وآرائه عن الافكار التي تروج للافكار السلبية التي تعطي دورا سلبيا للثقافة بصورة عامة، لذا على المثقف أن يسهم بقوة في تعميق وتطوير الوعي الجمعي، الذي يهدف الى توعية السواد الاعظم من المجتمع لكي تفهم الغالبية العظمى حقوقها وتحمي حرياتها المدنية والفردية كافة.

أما الكيفية التي يتمكن من خلالها المثقف على تحويل الثقافة من نزعتها المدمِّرة، الى منحى متفاعل ومتفائل في وقت واحد، فهي تعود الى خزينه الفكري المعرفي، ومرجعياته التي يعتمد عليها ويؤمن بها، ذلك أن الاساس الثقافي الذي يرتكز عليه المثقف، هو الذي يشكل منطلقاته الثقافية والفكرية التي تنعكس على افعاله ونشاطاته المادية، لذلك عندما يكون المثقف منتجا للافكار الايجابية الانسانية المتميزة، فهو بذلك انما يبعد الثقافة عن مخاطر النزعات التدميرية التي قد تنطوي عليها بسبب تأثيرات التطرف والتشدد وما شابه.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0