نشأ السيد الشهيد حسن الشيرازي في حاضنة فكرية متفرّدة، يسمو فيها الإنسان، ويحوزُ رجاحة العقل بحكمة الأفكار الصانعة للحرية، تلك التي تدفع بالإنسان نحو النضال، ومقارعة الشر بكل أشكاله، بغضّ النظر عن جبروت صنَاع الظلم، فالسيد حسن الشيرازي حمل روح المثابرة والصبر والمطاولة والإصرار في كيانه، وانطلق في عالم الصراع المتأجج ضد الدكتاتورية.

في ريعان شبابه وتطور فكره وتوقّد قريحته الشعرية، (كان الشهيد ينتقل بين بيروت ودمشق، عالماً عاملاً، يزرع ويرعى زرعه، ويتعهده وينميه، يزرع الشباب المؤمن ويبني لهم حصون العلم والتقوى، ويؤسس لغد مشرق). فقد أسس في بيروت مكتب جماعة العلماء وترأسه، وكان يشكل انطلاقة مهمة نحو عالم الحرية في الفكر والمبادئ المتوقدة في صميم كيان السيد الشهيد حسن الشيرازي.

ولأنه آثر الفكر الحيّ، وتوهج خياله في عالم الإبداع، خلف وراءه إرثاً علمياً وفكرياً وأدبياً ضخماً، يقول أحد النقاد المهتمين بتجربته المتفرّدة، بأن هذا المنجز الإبداعي: (لم يأخذ حقه من الدراسة والاعتناء)، وهذه تكاد تشكل ظاهرة في النقد الأدبي الذي يُعاب عليه عدم مواكبته للتجارب المختلفة أو المائزة، حيث انطلقت رحلة الشهيد حسن الشيرازي من نظرة ثاقبة تفحّصت ماضي الأمة في حلقاتها المشرقة في التاريخ،، فقد كان ينظر إلى ماضي الأمة على أنه التراث الضخم، الزاخر بالكنوز والدفائن الثمينة؛ فهو السفر الذي يعج بالدروس والعبر، وهو الفكر (الركن) الذي إليه يكون الاستناد، وعليه ينبغي الاعتماد، ومنه يكون الانبثاق والانطلاق إلى الحاضر.

في منجزه الإبداعي، في مجال الشعر، ترك لنا السيد الشهيد حسن الشيرازي، إرثا شعريا يثير الإعجاب، فهو لم يكن إبداعاً منفصلا عن مبادئ وأهداف صاحبها نفسه، فشعرهُ بمثابة أفكار متدفقة متأججة وهي تحثّ أفراد الأمة على الإصرار ومواصلة الثورة على الطغيان والدكتاتورية، وغالبا ما قارنَ بين من يشتعل قلبه رغبة بالنضال بعيدا عن الخوف، وبين من يحبّذ النوم مستكينا في مهجع الخذلان والخمول.

منجز إبداعي شعريّ مائز

ترك السيد الشهيد حسن الشيرازي ما يقارب تسع مجاميع شعرية تتوهج بالمعاني الثورية والمشاعر الإنسانية الراقية، وهي عبارة عن مجموعات صغيرة وهي: (منابع الكلمة/ جذور الشرق/ الطغاة/ رسالة الصاروخ/ أنا عندي/ قلت اعمل/ قصة البدء/ يا طموحي/ أنت المظفر).

ولكي يؤكّد ثوريته التي تشكّل جزءاً من شخصيته وحياته، نظمَ قصائد شعرية تعارض الحكام الطغاة، وتقض مضاجعهم، وجمع هذه القصائد الثائرة في إحدى مجاميعه الشعرية ووضع لها عنوان لا يماري ولا يهادن الظالمين، فقد حملت عنوان (الطغاة)، وضمت قصائد ثورة قارعت القمع وفضحت أساليب التنمّر، وعرَّت الطغاة وأربكتهم، وجعلتهم أمام سيل من شلال الكلمات الثورية التي تؤكد إصرار المبدع الشيرازي على مواصلة طريق النضال.

يقول السيد الشهيد حسن الشيرازي في إحدى قصائده الثائرة:

شعري نفيرُ أشعةٍ سوداءِ

وتمزقاتُ مبادئٍ شمطاءِ

أنا لذة الحرمانِ

فوق قصائدي ترتاح ألف جهنمٍ خضراءِ

لا تقرئيني قبل أن تتعذبي

وتُراقصي الجلاّدَ كالأفياءِ

فأنا حروقٌ في الرياح تبددت

وبكل محرقةٍ هوى أشلائي.

هكذا يُفصح السيد الشهيد عن مكنون أفكاره ومشاعره وقوة الرفض المتأججة في أعماقه، وكما علّمنا التاريخ وأخبرتنا تجارب المبدعين الأفذاذ، أن الثوّار تتقاذفهم مطامحهم الكبيرة بين النجاحات والإخفاقات، وإذا عرفنا أن مبدعنا الثائر يعتمر بموهبة متوقدة ومشاعر غاية في الحساسية، فإننا سوف نقدّر مدى تأثرهِ بالمواقف والنتائج الموجعة التي أزهرت قصائد متميزة جمعها الشاعر السيد الشهيد حسن الشيرازي في مجموعة شعرية أسماها: (انهيار المرايا) نقرأ منها:

( كل شيء من حواليَّ حبيبٌ... ومريبْ

مثل موَّالٍ رتيبٍ... وغريبْ

مثل عصفورٍ رقيبْ

يا أساطيل البحار الناضبهْ

يا مواويل العروس التائبهْ

يا جماهير الكرات الغائبهْ

أين أفلاكُكِ في كفِّ الأثيرْ؟

أين زفَّاتُ الزئيرْ؟).

ماذا كان يتنبّأ الشاعر الشهيد؟

وكان مبدعنا الثائر يتنبّأ بما ستؤول له رحلته وهو في خضمّ معارضة الطاغية وتعرية الظالمين، فالصراع لن يتوقف ولن ينتهي مع القمعيين المتجبرين، وقد توقّع السيد الشهيد حادثة اغتياله اللئيمة قبل وقوعها، وكتب عن ذلك قصائد تجسّد هواجسه هذه وتؤكّد إصراره على مواصلة الكفاح المؤمن ضد الطغاة، نقرأ في إحدى قصائده:

(صرخةُ الحقِّ تنادي صرختي

وشهيدٌ مات صبراً قِبلتي

حربتي حقي وحقي حربتي

دولتي ديني وديني دولتي

والنبيون سرايا ثورتي!).

وفي قصيدة أخرى ينادي الجراح التي امتلأت بها روحه وقلبه، وهو يأمل ساعة بعد أخرى بزوال الطغيان، وعودة دولة الإيمان، فقال فيها:

(أيها الجرح انفجرْ

وتعمَّدْ بلهيبٍ مستعرْ

وابتلع طاغية النار... بسيلٍ منهمرْ

من جحيم البرعم الصاخب... في صمتٍ حَذِرْ).

وفي مجموعته الرائعة (جـــذور الشــــرق)، نطالع قصائد من نوع آخر، تحاكي روح الإنسان بشكل عام، وتهامس وجدانه، وتسعى لفتح حوار معه، كي يكون على معرفة بما يدور حوله، قدّم المبدع السيد الشهيد حسن الشيرازي قصائد هذه المجموعة من خلال رؤيته الخاصة وعبر أحاسيسه، وما كان يحتك به في الواقع ويلمسه ويراه من مشكلات وهموم تغص فيها صدور الناس وهم يخوضون في غمار الدنيا ووحلها وامتلائها بالمغريات والتناقضات التي تدفع إلى تضارب الآراء وتصادم المصالح واختلاق الأزمات بين الناس كأفراد أو كجماعات.

ولأن السيد الشهيد جُبِلَ على النضال، ولم يهادن الدنيا، وكل أنوع الظلم والظالمين، فإنه كان يطمح أن يكون الإنسان ثوريا لا يهادن أيضا، وأن لا يركن إلى الكسل أو الخمول والتلكّؤ في مقارعة الطغاة أو مواقف الحياة المبدئية التي ترفض الاستسلام أو الخنوع.

يقول في إحدى قصائده المؤثّرة:

(ليست الأرض للكسالى سريــــراً بل بساطاً على الرياح طحاها

ولمــــاذا هذي المعاناة بالشرِّ؟ ومــــــا يجتنيــــــــــه من تقواهـــــــــــــــــــا

كلُّ هذي تجــــاربٌ توسِــــــعُ النفـ سَ وتزكي القُـــــــوَى لمن زكاها

وتــــــــؤدي لنكســــــةٍ تتوالـــــى في مهاوي الردى لمن دسَّاها).

ولأنه كان ماضيا في طريق النضال بشكل حثيث، كان يتوقّع استشهاده في أية لحظة قادمة، وكان خاطر الموت يمر في ذهنه، يتأمّله كثيرا ويسعى لاستغوار ماهيته، فكتب عنه مستجليا إياه، داحراً له غير عابئٍ به، فنظمَ فيه قصيدته التي يقول فيها:

(دعني أموت ففي الممات حياتي دعني فخيــــــر للحياة مماتـي

فالموت أروع قفزةٍ ثوريــــــــــــــــــــــــــــــــةٍ نحو الكمــــــال وأعمقِ اللّذّاتِ).

الخوض في معاناة الإنسان وتقلّباتهِ

وهكذا هي تحولات الشاعر، يتنقّل من الثورة والتصادم المستمر مع الطغاة، إلى سعيه في فهم لغز الحياة، ولغزها الأكبر الإنسان، ويبحث في تقلّبات الإنسان بين التأجّج والانطفاء، بين الإقدام والتراجع، بين الصحوة والضياع، بين الخير والشر، بين المهادنة وحماسة المبادئ الثابتة، هكذا هو الشاعر الشهيد يسعى دائما إلى بث روح الديمومة في قلوب الناس ويحثّهم على الرفض والمواجهة واللا انكسار، حتى لكأن روحه وقلبه تحاربان جنبا إلى جنب لإيقاظ الجميع وحثّهم على الثورة وردع الطغاة الظالمين، ومواصلة النضال بقوة وإصرار وإيمان لن يتوانى ولا يتراجع ولا يخفت أو يصمت أواره.

السيد الشهيد المبدع حسن الشيرازي يخاطب الإنسان فيقول في إحدى قصائده الرائعة المتوهجة من مجموعته المائزة: (أنت المظـــفر).

( أنتَ.. يا أنتَ، تَفَجَّرْ

أنتَ.. يا أنتَ المظفرْ

فإلى مَ الفجر يغفو؟

وإلى مَ الليل يثأر؟‍

***

موجةٌ أنتَ... فإن لم تَكْسِرِ الأمواجَ تُكْسَرْ

منكَ قَدِّرْ كلَّ ما تهوى... مِنَ اللهِ يُقَدَّرْ

لا تَوَرَّعْ... ورعُ المظلومِ ذنبٌ ليس يُغْفَرْ

***

عد إلى نفسك... كن أنتَ

فلا شيءَ - من الإنسان - أكبرْ

***

فإذا كان من الذَّرَّةِ قد تُبْنَى مَجَرَّهْ

ومن البذرة سِدْرَهْ

ومن القطرةِ بحرهْ

أ وَهل أنت من الذَّرَّةِ

والبذرةِ

والقطرةِ

أصغرْ؟‍!

***

مِمَّ تحذرْ؟

أين آماُلكَ.. هلاّ تتبلورْ؟

أين آلامُكَ... هلاّ تتفجَّرْ؟

أين إنسانُكَ... هل في ذاتك الإنسان يُقْبَرْ؟‍

جوهراً كنت.. فهل جوهرك الفرد تخثّرْ؟

وم‍َعينَ الماسِ قد كنتَ

فهل في ذاتك الماسُ تبخَّرْ؟‍!).

هذه سطور متواضعة حاولنا أن نسبر من خلالها بعض الأسرار الإبداعية التي تركها لنا السيد الشهيد حسن الشيرازي الذي طالتهُ يد الغدر واغتالته زمرة ضالة من زمر النظام البعثي المقبور، حدث ذلك في بيروت في مطالع ثمانينيات القرن الفائت، وبذلك انتهت رحلة الشهيد الشيرازي، لكنّ تأثيره الثوري وحضوره الفكري الإبداعي ظل يضيء الطريق لمن يسعى لدحر الطغاة في أي زمانٍ ومكان.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0