تقدير الذات أو التصالح والتوافق معها، يعني أن يكون الإنسان راضيا بنشاطاته ودوره في مختلف المجالات، داخل العائلة أو المحيط الاجتماعي الأكبر، على أن يأتي هذا القبول والتراضي عن قناعة تامة، لأن الحكم هنا ذاتيا فرديا بالدرجة الأولى، إذ لا فائدة من تقدير الذات الخارجي القادم من المحيط الجمعي أو الخارجي (الناس)، إذا لم تكن أنت راضياً عن ذاتك ومقدِّرا لها، فالأمر الذي يجب أن يكون محسوما هنا، هو أن تكون متصالحاً وراضيا عن ذاتك، بخلاف ذلك حتى لو أشاد بك الآخرون، هذا لا يكفي كي تعيش مرتاحاً!.

في كتاب عنوانه (تقدير الذات) يشترك في تأليفه كاتبان هما، د. ماثيو ماكاي، وباتريك فانينج نقرأ: يعدّ تقدير الذات self- esteem أمرا ضروريا من أجل سلامة الإنسان من الناحية النفسية، إضافة إلى كونه ضرورة عاطفية. فبدون وجود قدر معين من تقدير الذات، من الممكن أن تكون الحياة شاقة ومؤلمة إلى حدّ كبير، مع عدم إشباع كثير من الحاجات الأساسية.

ماذا يعني ما ورد في أعلاه وهو رأي لكاتبين متخصصين أجريا آلاف التجارب العملية والميدانية على فئات عمرية مختلفة، كي يتوصلا إلى نتائج ونصائح من الممكن تقديمها للقراء حتى يتمكنوا من تحقيق قدر معقول من تقدير ذواتهم، على أمل الوصول إلى درجة مقبولة من العيش في عالم كثير التناقضات، والصراعات، وتضارب المصالح سواءً على مستوى الأفراد أو صعودا إلى مستوى الدول!.

إننا في واقع الحال ربما لا نتمكن من فهم أو وعي ما يعنيه (تقدير الذات) لأنفسنا، لدرجة أن الكثير من الناس ربما لم يخطر في باله هذا الأمر، أما بسطاء الناس، فقضية عدم اهتمامهم أو انتباههم لأهمية التقدير أمر مفروغ منه، فمنْ يسعى طيلة ساعات النهار في ركض وحركة شاقة من أجل إشباع حاجاته الأساسية كالطعام والدواء والسكن والملبس، من المحال تتوافر له فرصة معرفة دور تقدير الذات في تطوير وتحسين حياته.

طرُقٌ متاحة لتحسين الحياة

لكنّ كلامنا هنا موجّه لمن يمتلك وعيا كافيا بهذا المجال، ونعني بهم الأناس الواعين المثقفين والشرائح الأخرى كالطلاب وغيرهم، إذ هناك نسبة مهمة من المجتمع تدرك كلامنا هذا، وهي مطالَبة بالإطلاع على (تقدير الذات) وفهمه، والتعامل معه على أساس كونه طريقة متاحة لتحسين الحياة بعد فهمها، فليس جميع الناس ولِدوا في بيئة مثالية تجعلهم لا يعانون من نقص فكري أو مادي كالأموال والثقافة وسواها.

هناك بشر عاشوا في بيئات غير سليمة أصلا، وهؤلاء بحاجة إلى تقدير الذات حتى تتوافر لهم فرص تحسين وتغيير حياتهم نحو الأفضل، بل حتى الذين عاشوا في بيئة جيدة فكريا أو ماديا، هؤلاء أنفسهم يمكن أن يعانوا من مشكلة عدم تقدير الذات، فهناك من يولد وتولد معه عاهة جسمية، كأن يكون قصيرا أو بدينا أو فاقدا للنطق والسمع أو لأحدهما، وغير ذلك الكثير من النواقص والعاهات التي يمكن أن ترافق الإنسان بالولادة، أو قد تصيبه نتيجة لحادث سير أو حادث في العمل كأن يتم بتر يده مثلا.

هذه العاهات تتسبب في نظرة دونية للذات، فنقصان الجسد يمكن أن يشكل ثقلا نفسيا هائلا على الإنسان، كذلك ربما الإنسان القصير ينظر إلى نفسه ضئيلا أو قاصرا أو غير مرغوب به من النساء أو الرجال على حد سواء، هذه المشكلة لا يمكن الحد من تأثيراتها النفسية وحتى العملية ما لم يتوافق الإنسان مع ذاته ويقدّرها وينظر إليها على أنها غير منقوصة، بالطبع هنالك طرق مهمة يقدمها كتاب (تقدير الذات)، يمكنها أن تساعد القراء على تجاوز محنة النقص الجسدي.

وجلّ هذه النصائح تتركّز على الجانب الفكري، فمن خلال تغيير وتطوير أفكار الإنسان يمكنه أن يصبح قادرا على تقدير ذاته، ويتوافق معها، ويتخلَّص من أصعب العقُد التي يمكن أن تحد من عطائه ومواهبه في مختلف المجالات، لكنهُ إذا نظر إلى واقعه وفكّر فيه وفق تفكير مثمر متميز مغاير، فإنه سوف يكون ناجحا في تقديره لذاته، وبالتالي سوف تكون المحصلة إنسان قادر على التعامل مع محيطه الاجتماعي الواقعي بما يؤكد تفرّده وإمكانياته وتميزه سواءً في عمله المختلف أو عموم منجزاته المتنوعة.

الأذى الجسدي والنفسي لا يختلفان

قد لا يدرك الإنسان الذي لا يقدّر ذاته بأنه يُسهم بطريقة أو أخرى في تدمير شخصيته والحدّ من تطورها، فالأذى الجسدي الذي يتعرض له الإنسان لأي سبب كان، سوف يسارع إلى معالجته فورا، كونه يلحق به الأذى ويحد من حركته الجسدية، لكنه ألم (رفض الذات) لا يقل تأثيرا على الإنسان من الجرح الجسدي، هكذا علينا أن ننظر إلى مراعاة ذاتنا.

يرد في كتاب تقدير الذات نفسه: (إن إصدار الأحكام على ذاتك ورفضها يؤديان إلى معاناة كبيرة. وبنفس الطريقة التي تقوم من خلالها بحماية جرح في جسدك، تجد نفسك متجنباً لأي شيء يمكن أن يجعل ألم رفض الذات يتفاقم بأي حال من الأحوال، فتقل على سبيل المثال قدرتك على المخاطرة على المستوى الاجتماعي والمهني، وتصعب على نفسك مقابلة الناس، أو الذهاب لمقابلة شخصية من أجل الحصول على وظيفة، أو العمل بكدّ واجتهاد من أجل تحقيق هدف معين تعتقد أنك قد لا تنجح في تحقيقه، إنك تحدّ من قدرتك على الانفتاح على الآخرين، وعلى أن تستمع إلى النقد من أحد أو أن تطلب المساعدة من الآخرين أو أن تقوم بحلّ المشكلات.

ولكي تتجنب المزيد من إصدار الأحكام ورفض الذات، فإنك تقيم خطوطا دفاعية، فربما تداوم على إلقاء اللوم على الآخرين واللجوء إلى الغضب، أو تتوارى خلف الرغبة في المثالية في إنجاز الأعمال، أو تعمد إلى التباهي والتفاخر أو اللجوء إلى الأعذار والمبررات وأحيانا إلى اللجوء والمخدّرات!!، وهذا ما يعدّ نوعاً من الإيغال في (الخطأ)، فلأنك ترفض ذاتك، وغير قادر على تقديرها كما يجب، تقوم بإلقاء أعباء الأخطاء التي تقع فيها على غيرك من الناس!.

تبرز لنا في خلاصة الأمر أهمية أن نقوم بتقدير ذاتنا بصورة فعالة، وأن لا نترك الأمور سائبة بحجة عدم فهما أو قلة تأثيرها، فالجروح النفسية لا يمكن أن يكون ضررها أقل من جروح الجسد، بل يرى متخصصون أن الجرح النفسي أخطر وأعقد من الجرح الجسدي كون الجسدي مرئي ومحدد ومشخَّص بوضوح، أما النفسي فهو غير مرئي لأنه غير ملموس، وانطلاقا من هذه الخطورة، لابد أن نعطي (تقدير الذات) الأهمية التي تستحقها، سواءً على مستوى الفهم والإدراك، أو على مستوى التطبيق، فبالنتيجة سوف نجد أن من يتعلَّم تقدير ذاته ويبتعد قدر الإمكان عن رفضها، هو الذي يحقق النجاح في درجة مقبولة من العيش المتوازن، وأخيرا لابد من التفريق القطعي بين تقدير الذات ونتائجه المشجعة، وبين الأنانية التي لا علاقة لها بتقدير الذات.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1