خلال أقل من شهر على بداية مظاهرات الأول من أكتوبر/ تشرين الأول، التي لا تزال مستمرة في العراق، سقط أكثر من 200 شهيد، وفاق عدد الجرحى 9000 آلاف جريح، وفي قراءة أولى لهذه الحصيلة الصادمة، فإن المراقبين الذين وصفوها وكأنها وقعت في (ساحة معركة)، لم يخطئوا، حتى وإن دارت رحاها في ساحات تظاهر ضمّت الآلاف من المتظاهرين في مقابل قوات وعناصر أمنية حدّدَ الدستور مهمتها في حماية المتظاهر وكفالة حق الرأي وحمايته.

نستنتج من الأرقام المفزعة للشهداء والجرحى من المتظاهرين والقوات الأمنية، إلى أن هذه المعركة (سياسية)، وإن لم تكن حربا بين جيشين أو حركتين، لكنّ المحرّك الذي قادَ و وجّه خطوط ومسارات هذه الاحتجاجات، يمكن أن نجزم بأنه صراع سياسي بين كتل وأحزاب سياسية، أدت بالنتيجة إلى هذا التصادم العنيف والنتائج المؤسفة، ولا ننسى المحركات الخارجية التي تحرّك أذرعها في الداخل لإدارة هذا الصراع على حساب الأرواح التي أزهقت وأكثر لشباب في مقتبل العمر، ومما يُفجع القلوب أن من بين الشهداء طلاب في كلية الطب، أي أنه لم يكن بحاجة للتظاهر لأنه مشمول بالتعيين الحكومي المضمون.

الصراع السياسي بين مكونات الطبقة السياسية العراقية ليس وليد اليوم، فهو بدأ مع بداية استلامها للسلطة والمناصب وامتيازاتها بعد نيسان 2003، ووصل الأمر بالكتل والأحزاب السياسية إلى تقاسم جميع المناصب، بما فيها المدراء العامين وربما مناصب أقل مرتبة، وما ضاعف من سوء الأوضاع، إصرار العاملين أو الداخلين في العملية السياسية على الأسس الخاطئة التي قامت عليها، مع إهمال شبه تام للشباب وعموم الشعب باستثناء الطبقة الحاكمة ومؤيديها، وهم نسبة قليلة لا تفوق 15% من مجمل شرائح وطبقات الشعب، وهو ما ألحق أضرارا وغبناً فادحا بالطبقة الفقير على وجه الخصوص.

الصراع الطائفي واستغلال الطبقة السياسية للدين كان واضحا من أجل الحصول على المكاسب غير المشروعة، ففي معظم الدورات الانتخابية كان السياسيون في الكتل والأحزاب يعزفون على الأوتار الطائفية، ويحشدون الناخبين ويختلقون الخلافات الطائفية كي يحصلوا على أكثر عدد من الأصوات، واستخدموا شتى أساليب الخداع والتضليل والتخويف أيضا كي يفوزوا بالسلطة عبر الوصول إلى قبة البرلمان، وبعد أن يحصلوا على ضالتهم، ينشغلون بمصالحهم وعائلاتهم والمقربين منهم، ليذهب الشباب والشعب إلى البؤس والحرمان والفقر.

مساوئ الأداء السياسي في العراق

هناك أسباب كثيرة أسهمت في تراكم أخطاء الطبقة السياسية، وبقيت الأسس التي نهضت عليها العملية السياسية كما هي، ولم يُجرَ عليها أي تطوير أو تصحيح، وبقيت المسارات الخاطئة تتطور وتزيد من سوء الأداء السياسي الذي انعكس بدوره على أداء جميع المجالات الحيوية الأخرى كالاقتصاد والتعليم والصحة وسواها، الأمر الذي أثقل كاهل الشعب العراقي وخصوصا الفقراء، بارتفاع الضغوط الحياتية عليهم لتبلغ نسب الفقر والحرمات مراتب عالية بحسب وزارة التخطيط والمنظمات الأخرى المستقلة.

ماذا نتج عن انحراف الطبقة السياسية عن المنهج الديمقراطي الذي وعدت به العراقيين، إن من يجري مسحا للأوضاع التي يعيشها العراقيون بشكل عام باستثناء الأقلية (السلطوية) المرفّهة، سوف يجد الدوافع التي تقف وراء اشتعال ساحات التظاهر في جميع الحكومات التي تعاقبت على إدارة البلد، لتصل اليوم إلى ذروتها، حيث يعيش العراق اليوم موجة احتجاجات ومظاهرات غير مسبوقة فعلا، ليس فقط في عدد الشهداء والجرحى الذين سقطوا أثناء التظاهر، بل في الأعداد الهائلة التي شاركت فيها، فلأول مرة تدخل الجامعات والمراحل الدراسية الأخرى في موجة التظاهرات، وللمرة الأولى تضطلع النقابات المهنية بدور قيادي استجاب له الطلاب والمحامين والعمال والمهندسين وغيرهم!.

هذا المشهد الاحتجاجي المحتدم جديد لم يعتدْ عليه العراقيون سابقا، كما أن الطبقة السياسية نفسها فوجئت بل صُدمت مما يجري اليوم في ساحات التظاهر، وكل الظنّ بأنها لم تتصور هذا اليوم الذي بلغت فيه المظاهرات هذا المبلغ، لاسيما أنها اعتادت في الموجات الاحتجاجية السابقة، على انطفائها بعد أيام قلائل، والسؤال هنا ذا شقّين:

الأول: لماذا لم تتمتع الطبقة السياسية بالحس السياسي الذي يستشرف القادم من الأحداث، ولماذا غابت عنها النظرة الثاقبة البعيدة، وما الذي شغلها عن ذلك؟ هل هو انشغالها بمنافعها ومصالحها وسلطتها هو الذي أعمى بصيرتها عن رؤية مستقبلية سابقة لما يجري اليوم من سخط جماهيري عارم؟

الثاني: لماذا بقيت السياسية متمسكة بأسس العملية السياسية دون أن تُقْدِم على تطويرها، وهو تعرف أن هذا المسار السياسي التنظيمي الخاطئ هو السبب في تصفير الخدمات، وقتل القطاعين الصناعي والزراعي، وشلّ القطاع الخاص، واستمرار هيمنة الحكومة والأحزاب على مؤسسات الدولة واستقلاليتها التي تضمن قوة واستقرار الدولة ونظامها الديمقراطي؟

خطوات حلول فورية وإستراتيجية

والسؤال الأهم الذي يلي التساؤلين أعلاه، (وبعد أن وقع الفأس في الرأس)، كيف نوقف نزيف الدم وننقذ العراق، وكيف ننقذ الديمقراطية التي كانت ولا تزال وستبقى هي الأمل الأكبر لكل العراقيين في بناء دولة يديرها نظام ديمقراطي متطور، يحمي الحريات ويصون الحقوق وينشر العدالة الاجتماعية بين الجميع؟

هناك خطوات عامة (منها فورية وأخرى إستراتيجية) يمكن للكتل والأحزاب والطبقة السياسية برمّتها أن تتخذها وتلتزم بتطبيقها لإيقاف حمام الدم في العراق، ولكي تحمي العراق وتجربته الديمقراطية، ولكي تحمي نفسها من السقوط في فخ (التاريخ) الذي لا يرحم، من الخطوات الفورية:

- إقالة أو استقالة الحكومة دستوريا.

- تسليم إدارة الحكومة لشخصية محنكة ضمن إطار الدستور.

- إقامة انتخابات مبكرة بعد سنة انتقالية.

- إلغاء مفوضية الانتخابات وإنشاء أخرى مستقلة فعلا بعد تخليصها من تدخلات ونفوذ الكتل والأحزاب.

- يجب أن يكون هناك إشراف أممي لضمان نزاهة الانتخابات.

- تعديل حتمي لقانون الانتخابات واعتماد بديل يضمن حرية وعدالة الانتخاب.

أما الخطوات الإستراتيجية:

- الخطوة الأهم أن يتخلى القادة السياسيون في العراق عن (الشغف، والتشبث المستميت بالسلطة).

- أن يتحول الصراع السياسي إلى الحوار.. ولا بديل عن ذلك مطلقا.

- أن يُعاد النظر بأسس العملية السياسية والذهاب إلى مسارات محدَّثة تنقذ العراق.

- أن توضع خطط صارمة لمكافحة الفساد عبر تشريع قوانين رادعة وحازمة مع ضمان آلية تطبيق قوية وضامنة للتطبيق.

- أن يُعاد الاعتبار للعراق كدولة يحرص عليها قادتها السياسيون، وتنتهي سياسة التبعية الإقليمية أو الدولية إلى الأبد.

- أن يتخلى قادة الكتل والأحزاب السياسية عن منهج العبودية للسلطة والنفوذ، والتفكير بضمير حيّ يحمي السياسي (فردا، أو حزبا، أو كتلة)، من الانزلاق في فخ المنافع الآنية البائسة.

نحن كعراقيين نقف اليوم في مفترق طرق، فأما سنمضي نحو الهاوية بأرجلنا، والأسباب معروفة لجميع النخب القيادية السياسية والدينية وغيرها، وأما سنكون قادرين على إنقاذ أنفسنا وبلدنا وحاضرنا ومستقبلنا، وهو أمر طوع عقولنا وإرادتنا وحسن تفكيرنا ونوايانا وسلوكنا، لكن المسؤولية الأولى ملقاة على عاتق القادة السياسيين، وتبقى الكلمةُ الفصل للتاريخ.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

10