المجتمعات المثقفة تقل فيها نسب الطبقية، أو أنها تقلل منها، وتوجد هناك نماذج يمكن التعرّف إليها لغرض الاستفادة والتطبيق، كما هو الحال مع مجتمعات الصين والهند وشرق أسيا، هذه مجتمعات أخذت تتعلم وتؤمن بأن الثقافة تساعدها على كبح الفقر وتمنحها دروس إنسانية تقلل من الظلم الاجتماعي...

يُقصَد بالتفاوت الطبقي، تلك الفوارق الاقتصادية التي وضعها بعض المختصين للتفريق بين طبقة اجتماعية وأخرى، وقد ينسحب ذلك على نمط العيش والرفاهية، وحتى نوعية المأكل والملبس، مما يعطي لطريقة الحياة ميزة أو خصوصية معينة، ومن المعروف أن نظام الطبقات هو عبارة عن مجموعة من المفاهيم في العلوم الاجتماعية التي تركّز على نماذج من التراتب الاجتماعي، والذي يتم من خلاله تصنيف الناس إلى مجموعة من الفئات الاجتماعية الهرمية. وأكثر الطبقات شيوعاً هي: الطبقة الغنية والطبقة المتوسطة والطبقة العاملة.

فهل يمكن فعلا التمييز بين الطبقات الاجتماعية على أساس معايير محددة، لاسيما إذا عرفنا بأن (مصطلح "طبقة اجتماعية" عادة ما يكون مرادفا لـ "طبقة اجتماعية اقتصادية" والذي يمكن تعريفه بأنه "مجموعة أشخاص يمتلكون نفس الوضع الاجتماعي أو الاقتصادي أو التعليمي). وما نريد التوصّل إليه إجابة مقنعة أو مقبولة عن التساؤل حول مدى تدخّل وتأثير الثقافة في تقليل أو زيادة الفجوة الطبقية؟

الثقافة على نحو عام ما ينتظم في سياقها وعي وسلوك الفرد، ومن مجموع الأفراد، ثقافة وعياً وسلوكا، تتحدد معالم مجتمع أو مجموعة من البشر، هل يعني هذا الرأي أو التفسير، أن للثقافة دور في تقليص الفجوة الطبقية في المجتمع؟

إذا انحسر الوعي، وتضاءلت الثقافة في مجموعة أو مجتمع ما، فإن هذا النوع من الانحسار والتضاؤل سوف ينعكس على طبيعة التفكير ومن ثم السلوك، والنتائج النهائية سوف تظهر في تقليص أو ازدياد التفاوت الطبقي، البرهان على ذلك، المجتمعات التي تعاني من قلة الوعي وضحالة المستوى الثقافي، نجد الطبقية تنتعش فيها، بمعنى ازدياد طبقة الفقراء، وانعدام أو اندثار أو ضعف الطبقة الوسطى، ثم تغوّل في الطبقة الغنية.

ماذا تعني ضحالة الثقافة؟

هل يحدث هذا التفاوت الطبقي بسبب انعدام أو ضعف الثقافة؟

سؤال بالغ الوضوح، الجواب عنه يمكن أن نستلّهُ من وقائع وأدلّة ملموسة لمجتمعات نعيش فيها، أو نقرأ عنها، مل يؤكد أن ضحالة الثقافة في مجتمع ما تعد من الأسباب الرئيسة التي تقلص أو تزيد من نسبة التفاوت الطبقي.

الاقتصاديون قد يعترض بعضهم على مثل هذا الاستنتاج، وربما يرجعون أسباب تزايد الفجوة الطبقية إلى سوء استخدام الموارد وضعف إدارتها، وربما يذهبون إلى أبعد من ذلك فيجعلون من السياسة وصنع القرار سببا في انتعاش التفاوت الطبقي، هذا كلام وارد وربما ينطوي على الكثير من الدقة.

ولكن هناك من يتساءل بوضوح، لماذا تحصل الإدارة السيئة للموارد، ومن ثم لماذا يتم اتخاذ قرارات سياسية مغلفة بالفساد، مما ينتهي الأمر إلى نتائج اقتصادية تزيد من نسبة الفقر في المجتمع، وتجعل من تكافؤ الفرص حلم بعيد المنال للطبقة الأدنى والأوسع عددا في المجتمعات المتخلفة؟

الثقافة سبب أساس في الوصول إلى هذه النتائج المدمِّرة، الاقتصادي ليس هو من يجيد القرارات الاقتصادية ويفهم حيثيات وتفاصيل الاقتصاد جيدا، والسياسي ليس العارف والعالِم في الشؤون السياسية، إنما نقص الثقافة وقلة الوعي سوف تجعل من مستوى خبرات الاقتصادي والسياسي معرَّضة للخطأ دائما، وهذا هو سبب الطلب من القادة السياسيين والاقتصاديين على قدر ومستوى كافٍ من الثقافة والوعي، لأن الخبير الاقتصادي والسياسي بلا ثقافة كمن يرى الأمور بعين واحدة، أو كمن يتقدم نحو أهدافه بساق واحدة، فيرى الآخرون مسيرته العرجاء ولكن هو لا يراها!

ولذلك نلاحظ فشل تثبيت النظام الطبقي حتى باستعمال القانون، فقديما حاولت بعض المجتمعات أن تسن تشريعات تسمح للبعض بنوع معين من الملابس أو ارتياد الأماكن وتمنعه عن غيرهم، في محاولة للتمييز الطبقي، وتاريخياً (حُكِمَ نظام الطبقات بالقانون. فعلى سبيل المثال كانت طريقة اللباس المسموح تُنظَم بدقة في بعض الأماكن والأزمنة، واقتصرت الملابس الفخمة على الطبقات العليا والأرستقراطية. وتنص القوانين على أن الملابس والمجوهرات يجب أن تناسب رتبة الشخص ومكانته الاجتماعية!.

الثقافة تغذّي منسوب العدل

ما نتوخى بلوغه هو مدى تأثير الثقافة على توسيع أو تقليص التفاوت الطبقي في المجتمع، وإذا اتفق المعنيون (ساسة وقادة وخبراء في السياسة والاقتصاد والثقافة)، على صحّة التأثير الثقافي في تغيير سلوك الناس من خلال تغيير أفكارهم وتطويرها وانعكاس ذلك على قناعاتهم، فإننا سوف نلمس نسبة كبيرة من القضاء على التفاوت بين الطبقات الغنية والفقيرة، لأن الإنسان كلما ازدادت ثقافته، تحسَن سلوكه، وصار أقرب إلى العدل والإنسانية من سواه.

بمختصر القول، المجتمعات المثقفة تقل فيها نسب الطبقية، أو أنها تقلل منها، وتوجد هناك نماذج يمكن التعرّف إليها لغرض الاستفادة والتطبيق، كما هو الحال مع مجتمعات الصين والهند وشرق أسيا، هذه مجتمعات أخذت تتعلم وتؤمن بأن الثقافة تساعدها على كبح الفقر وتمنحها دروس إنسانية تقلل من الظلم الاجتماعي، ومجتمعاتنا في حاجة كبيرة لإتقان هذا الدرس والإيمان به حتى تستطيع تقليص الفجوة بين الأغنياء والفقراء الآخذة بالاتساع والتزايد!.

الحلول تكمن بالنسبة للمجتمعات التي تعاني من التفاوت الطبقي، ومنها العراق والكثير من البلدان العربية والإسلامية، في اتخاذ عدد من الإجراءات والخطوات التي تصبّ بمجموعها في رفع المنسوب الثقافي لدى هذه المجتمعات، عبر اعتماد خطط منتظمة ودقيقة تسهم فيها مؤسسات حكومية ومدنية متخصصة، تجتهد بإخلاص حقيقي لجعل الثقافة متاحة للجميع.

فصناعة إنسان مثقف في مجتمع متخلف، تعني هدم الأسس الطبقية، وردم الفجوة الفاصلة بين طبقة وأخرى، أو على الأقل التقليل من منسوب التفاوت، وهذا يعني بأننا أمام مهمة قد تكون صعبة لكنها ليست مستحيلة، وهذه المهمة واضحة المعالم والحدود، يمكننا حصرها بهدف واضح، نشر الثقافة وزيادة الوعي وإيصاله إلى جميع أفراد المجتمع من دون تمييز، بكل الوسائل المتاحة، وبهذا سوف نصل في نهاية الطريق الذي قد يكون (طويلا)، إلى مجتمع مثقف واعٍ تقل فيه الطبقية، أو قد يصبح تأثيرها السلبي في أدنى درجاته.

اضف تعليق


التعليقات

الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
أحبائي
الكاتب الكبير على حسين عبيد
التفاوت الطبقي موجود بين فئة المثقفين
وبعضهم ينظر الى بعض من منظور سيء مهين
وكثيرا مايتصدر الفقراء منهم عن جدارة قافلة المبدعين
فينظر الأثرياء اليهم بحقارة طبقية مقيتة لاتخلو من التلسين
واصلاح الأمور الإقتصادية وتذويب الفوارق الطبقية يحتاج الى حكم رشيد أمين
أحبائي
دعوة محبة
أدعو سيادتكم الى حسن التعليق وآدابه....واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في االأرض
جمال بركات...رئيس مركز ثقافة الألفية الثالثة2019-08-30