لكل إنسان بيئة وثقافة ينشأ ويشبّ فيها، فقد يجد نفسه في بيئة دينية أو ليبرالية، وحتما ستُبنى شخصيته وعقليته وبئر أفكاره تبعاً لنوع البيئة، يُضاف إليها ما يرثه من أسلافه، ولكن التأثير المباشر يكون أسرع وأكثر وضوحا للبيئة الاجتماعية والثقافية من الوراثية، كلنا نعرف ونفهم الطبيعة المتناقضة بين الأضداد، فلا يمكن أن تتساوى وتتشابه أفكار الرأسمالي والاشتراكي، أو الديني والليبرالي.

وهذه النماذج المتناقضة يعج بها عالم اليوم، بل حتى في المجتمعات الصغيرة يمكن أن نعثر عليهما، والأكثر من ذلك سنجد الأفكار المتناقضة في أسرة واحدة، ومن مجموعهم يتكون الليبراليون أو العلمانيون، ويتكون المتدينون أيضا وغيرهم، هذا التعارض والتناقض الفكري هل يجوز أن يكون حائلا بين هؤلاء المتناقضين في أفكارهم، وهل يستدعي الاختلاف الفكري إعلان الحرب على بعضهم؟

هل علينا أن نصدم الآخرين بالقوة حتى نجبرهم على تغيير أفكارهم ومعتقداتهم حتى يتشابهوا معنا، وهل يجوز لهم استخدام العنف والقوة كي يجبرونا على تغيير أفكارنا ومعتقداتنا؟، قد يحدث هذا في المجتمعات المتأخرة المكبلّة بالتعصب والتطرف الشديد، لكن في مجتمعات تدّعي الاعتدال والثقافة المتوازنة، لا يمكن أن تجد في أسلوب الصدام طريقا للتغيير، بل الحوار وحده هو المخرج الأكثر صلاحاً من سواه.

دروس تعلَّمتها البشرية

هناك دروس يمكن أن نضعها في خدمتنا دائما، دروس تاريخية أو واقعية، كلها تذهب إلى أن الحوار العقلاني الهادئ بين الفرقاء أو المتناقضين، هو الأسلوب الذي يرضي الجميع ويفيدهم، فعبر رحلتها الطويلة والشاقة، تعلّمت البشرية الدرس جيدا، وفهمت أن الصراع والاقتتال والتصادم، قيم أكل عليها الدهر وشرب، وهي طرق موغلة في الغباء، حيث تنتهي بالجميع إلى خسائر فادحة، وتترك الدمار والتخلف علامات دالة على انتصار الجهل والتعصّب، وغياب الحكمة، وإهمال الحوار المتكافئ، وهو القيمة الأساسية التي يمكن من خلالها، أن يحافظ الإنسان على قيمته وحقوقه وشخصيته المتوازنة، فردا كان أو مجتمعا، شريطة أن تتوافر إرادة قوية ذكية ومستقلة، تدير الحوار بكفاءة تامة بين المتناقضين، وصولا إلى وسطية واعتدال ضامن لتقارب الجميع مع بقائهم على القواعد الفكرية والمعتقدية التي يؤمنون بها.

بالطبع المسار التاريخي بين القوة والحوار يقدم لنا تجاربَ ودروسا عميقة، فالبعض من المفكرين والفلاسفة، وجدوا في القوة بديلا للحوار، ونادوا بالحرب والاقتتال، واستندت أفكارهم على التطرف، فقد دعا بعضهم إلى فرض الإرادة والرأي بالقوة، وذهب بعضهم الى أن الوسيلة الوحيدة التي تحفظ كيان الإنسان والمجتمع، هي استخدام القوة ضد الآخرين، وإذلالهم وإجبارهم على الخضوع بالقوة، أو من خلال الأسلوب الصادم لتحقيق التغيير الذي يؤمن به طرف ويرفضه آخر.

لكن التجارب بالعموم أظهرت أن الصدام لم يرشح مطلقا عن تقارب وتوازن واعتدال يجمع بين الفرقاء أو المتناقضين في مجتمع واحد، فهل يعني أننا مستعدون لحالة احتراب لا أول لها ولا آخر؟، لقد قدم لنا التاريخ دروسا بالغة الأهمية في هذا المجال، واثبت معظم الوقائع الكبرى في هذا المجال، بأن القوة مهما عظمت، ستبقى في طريقها الى الضعف والاضمحلال والزوال، فكثير من الأمم القوية التي فرضت هيمنتها على العالم اجمع، انطفأ حضورها مع الزمن، وماتت حضارتها، بسبب القوة المفرطة وضعف الحوار وإهماله تحت وطأة الغرور والطيش والشعور بالعظمة، واللجوء إلى أسلوب الصدام كبديل للتقارب القائم على الحوار الهادئ أو الناعم بين المتناقضين.

لا لفرض الإرادات

تُظهر لنا صفحات الماضي أن الإنسان استوعب دروسا وتجارب وأحداثا، كانت ولا تزال بمثابة البوصلة السليمة له، فقد تعلم من حروبه الكثيرة التي خاضها ضد نفسه، ومن صراعاته الساخنة والباردة حول فرض الإرادات، فعرف أن الحوار هو الوسيلة النبيلة التي يمكنها أن تحقق للجميع كرامتهم وأهدافهم وتحمي حقوقهم، على أن يتحلى الحوار بشرط أساسي هو التكافؤ بين الأطراف المتحاورة، ونعني بالتكافؤ، تعادل الكفتين بين المتحاورين، أما إذا ظهرت حالة فرض الإرادات، وحاول احد الأطراف أن يفرض رأيه ومنهجه ومقترحاته وأفكاره بالقوة على الطرف الآخر، فإن قيمة الحوار هنا ستكون ضعيفة ولا تحقق النتائج المتوقعة حتى لو تم معالجة مشكلة ما بالحوار، والسبب هو غياب التكافؤ بين الأطراف المتحاورة، فهناك من يظن بأنه الصحيح والآخر على خطأ تام، ما يعني غياب حالة التروّي والاعتدال.

لا يصح فرض رأي أو فكر على آخر، كما أن التغيير الفجائي غير ممكن، وطالما أن التقارب مفتاح للوئام لا مفر منه، على المتناقضين اللجوء دائما إلى التغيير الناعم وليس الصادم، لذا من الخطوات المهمة التي ينبغي القيام بها، والتشجيع عليها، أن تبادر الجهات المعنية في مجتمعاتنا، ونعني بها الجهات والمنظمات الرسمية والأهلية، الى زرع روح الحوار في نفوس الناس منذ بدايات النشوء، بمعنى من الأفضل أن تنمو شخصية الطفل وتتشكل فيها منظومة قيم مجتمعية، من بينها اللجوء الى الحوار مع الأقران والوسط الذي يتحرك فيه الإنسان، لحل المشكلات التي قد تظهر هنا أو هناك، والابتعاد عن الصراع، واللجوء الى لغة هادئة واضحة بأسلوبها الناعم والحس الإنساني، لكي تؤدي مفعولها الصحيح لدى المتحاورين.

الحوار البنّاء يستدعي لغة هادئة وبعيدة عن الغموض ولا تسمح باللف والدوران، حتى تؤدي دورها التام في زرع الثقة بين الأطراف المتحاورة، وعندما يتعلم الطفل فن الحوار، سوف تنمو هذه القيمة وتحضر معه في مراحل حياته المتعددة، وتجعل سلوكه معتمدا على التحاور مع الآخرين بشكل تام، ومع نشر هذه القيمة المتطورة بين اكبر عدد من الناس والجماعات المتنوعة في المجتمع، سوف نلمس الأثر الكبير الذي يتركه أسلوب الاعتدال والحكمة على حياة المجتمع مع نشر حالة التقارب بين المختلفين بعيدا عن الأساليب الفجائية الصادمة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1