النزاهة، كمفهوم دال على نظافة اليد، والسمع، والبصر، والفؤاد، مثل سائر المفاهيم الاخلاقية المحببة للنفس الانسانية، كالصدق والأمانة والمساواة وغيرها، ولا يماري فيها أحد، سواءً على صعيد العلاقات بين الانسان الفرد وبين المجتمع، أو بين المجتمع (الجماهير والأمة) وبين الدولة أو القيادة، فالجميع يدّعي وصلاً به؛ لكن! المشكلة تظهر في آحادية الخطاب – إن صحّ التعبير- بمعنى أن الجميع يدعون الجميع للنزاهة، والنتيجة استمرار حالات الفساد في شتى الميادين الى درجة مقرفة وداعية لليأس والانهيار.

فاذا كانت النزاهة ذات تأثير على العلاقات الشخصية والاجتماعية، فان هذا التأثير يزداد أهمية وخطورة على صعيد العلاقات في الدائرة الأوسع؛ بين المجتمع والدولة، أو بين الجماهير والقيادة، او بين الجماهير والنخبة المثقفة أو المنتظمة في خلايا عمل ومؤسسات ثقافية وسياسية، ولأنها محببة الى النفوس، نلاحظ حرص من هم في القمة بالتمسك بها، ومحاولة تجييرها كأداة للخطاب الموصل الى الجماهير، لأهداف، منها كسب الشرعية لأهل الانقلابات العسكرية والانظمة الديكتاتورية، او لمزيد من الانتشار الفكري والثقافي، واكثر من ذلك، فان "العراق الديمقراطي" ابتكر اسلوباً جديداً للاستفادة من مفهوم النزاهة، بتشكيل مؤسسة حكومية كبيرة باسم "هيئة النزاهة"، مهمتها مراقبة عمل الدوائر الحكومية واعمال المسؤولين في الدولة، ومكافحة كل أشكال الفساد؛ مثل الرشوة والمحاباة والاختلاس؛ هذا هو المعلن، وما خوّله الدستور لهذه الهيئة، أما الواقع على الأرض فهذا له حديث آخر.

علماً أن العراق جرّب الحديث عن النزاهة في بعض العهود السياسية، بيد أنه في جميع تلك العهود، لم يشهد النظافة الحقيقية والكاملة، وليس أدلّ على ذلك، من السقوط السهل، كما الصعود السهل الى قمة السلطة. وإلا لو كان هنالك من يمثل النظافة والنزاهة الحقيقية، لما كان يسهل الى الانقلابيين والمتربصين بالحكم من الانقضاض عليه في غفلة من الجماهير. فالناس يحبّون النزيه والنظيف، وهذه حقيقة واضحة، يؤكدها العقل والمنطق، كما يؤكدها سماحة المرجع الراحل الامام السيد محمد الشيرازي في كتابه "السبيل الى انهاض المسلمين" عندما يتحدث عن عوامل قوة ونجاح الحركة الاسلامية، بأن "الناس لا يلتفون إلا حول القائد النظيف". هذا الالتفاف هو الذي يبني جسور الثقة والاعتماد بين الجماهير من جهة والقيادة او النخبة المثقفة من جهة اخرى.

المطلوب؛ الثمن

ان تحقيق النزاهة والنظافة -لمن يريد طبعاً- بحاجة الى مواصفات يكون التحلّي بها طريقاً لبناء هذا الجسر الذي هو بدوره يساعد على بناء الدولة ومؤسساتها بالشكل الصحيح وبأقل نسبة من الاخطاء والهفوات، وان من اهم وابرز هذه المواصفات؛ التضحية. فمن يتحدث عن النزاهة ومكافحة الفساد والانحراف، وهو في مرحلة ما قبل الحكم والمنصب، او الكشف عن نتائج الانتخابات، عليه أن يضع كل امتيازاته وما يمكن ان يحصل عليه من مكاسب، في طريق النظافة والنزاهة، لا أن يخفيها ويبعدها جانباً، كما يفعل الكثير حفاظاً عليها، ففي بلد مثل العراق، حيث الثروة الهائلة والعائدات المغرية للنفط، تجعل ملايين الدولارات تنتقل بسهولة من مكتب الى آخر ومن دائرة الى أخرى، فان السيارات والعقارات وغيرها تكون في متناول الأيدي.

وما يشير اليه سماحة الامام الراحل في الكتاب المشار اليه، بأن على "القادة ان يكونوا نظيفين، كما الحركة يجب ان تكون نظيفة، قبل، ومع، وبعد الحركة، وحين الوصول الى الدولة الاسلامية الموحدة، ذات الألف مليون مسلم، انشاء الله....".

فالذي يروم إقامة جسور الثقة مع الجماهير، سواءً كان نائباً او وزيراً او حتى مديراً عاماً، بل حتى من كان يدير مؤسسة ثقافية او تجمع سياسي، عليه أن يقدم مصلحة الناس على مصالحه، حتى وإن كان في حاجة الى تلك الاموال والامتيازات، لان ببساطة؛ من لم يتمكن من التحكّم بميوله نحو المال، وهو يتسنّم منصباً حكومياً او مكانة اجتماعية او ثقافية، كيف يتوقع من الناس العاديين ان يلتزموا بحدود النزاهة والنظافة، فهم يرون - في معظم الاحيان- هذه الشريحة بمنزلة القدوة والمثل الأعلى في الثقافة والسلوك، لانهم يديرون شؤون العباد والبلاد، ويعملون على ترك بصماتهم على الاصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية.

الاسلاميون اصحاب الفرصة الكبيرة

كما اسلفنا؛ النزاهة، تقع في المنظومة الاخلاقية المتكاملة التي تغذيها العقيدة والايمان، فالقضية ليست مجرد شعارات او نظريات، او حتى مباني حكومية ضخمة تدعو الى مكافحة الفساد، بقدر ما تتعلق بالسلوك العملي، بمعنى أن النزيه لا يكون نزيهاً اذا ارتكب الكذب –مثلاً- او مارس الديكتاتورية في أي موقع عمل يشغله، وليس بالضرورة ان يكون وزيراً او رئيساً للوزراء، فالتعالي على الآخرين ومحاولة إلغائهم وحب الأنا، وغيرها، تمثل طريقاً نحو ارتكاب انواع الفساد والانحراف، لان هذه الصفات الذميمة لاتتحقق إلا بوسائل نظيرة لها، ولنعكس الصورة؛ هل يمكن لإنسان نظيف ونزيه – بمستويات جيدة- ان يكذب او يخون او يتكبّر او غير ذلك...؟!

هذه المعادلة لا يتقنها سوى اتباع "الفكر الاسلامي"، وإلا فان المدارس الاخرى، تؤكد لاتباعها مبدأ عدم التناقض بين المفاهيم والقيم والافكار، فكل شيء ممكن، ولا يجب على الانسان ان يتعب نفسه في الوقوف عند خصال وصفات محددة من دونها، ليكون ناجحاً وموفقاً في عمله. بل لا بأس بانطلاق العنان لرغباته وميوله وأن يحرص على إسعاد نفسه ما أمكن قبل ان يفقد امتيازاته ومناصبه، او ربما يفارق الحياة خاسراً!

سماحة الامام الشيرازي يستشهد بمقطع من خطبة لأمير المؤمنين، عليه السلام، وهو يحثّ اصحابه الى توفير اكبر قدر من شروط الانتصار والنجاح؛ "فلما علم الله منّا الصدق، أنزل علينا النصر". هذه الجملة البليغة ذات الدلالات، تمثل رسالة لنا جميعاً بأن النصر والنجاح حليف الجهة او الفئة العاملة التي تحقق بدايةً؛ الشروط اللازمة، ومنها "الصدق". والنصر الذي يتحدث عنه الامام علي، عليه السلام، هو على الصعيد العسكري، فيما نخوض اليوم المواجهة والتحديات على اكثر من صعيد، فالى جانب الحرب على الارهاب، هنالك الحرب على الفساد والانحراف، وايضاً التحديات الاقتصادية والامنية والسياسية، ورغم ضخامة الخطب وخطورة الاوضاع، فان النصر لن يكون بعيداً، عندما نوفر القدر الأكبر من أرضية النزاهة والنظافة، مستندين الى منظومة القيم والمبادئ السامية، التي يؤمن بها الغالبية العظمى من الشعب العراقي، كما هو الحال في عديد شعوبنا الاسلامية، فهي لم تختلف يوماً على أحقية الاسلام في الوجود والحياة من حيث المبدأ، بيد أن مشكلتها مع التطبيق الخاطئ والرؤية الضيقة.

وعندما نضمن أرضية النزاهة، فان جماهير بدورها تضمن جسور الثقة مع القيادة، فتكون العلاقة التكاملية الصحيحة والمنتجة للنصر والبناء والتقدم. ولمن يقول بمثالية هذا الكلام، ما عليه سوى أن يراجع تجارب بلاد واجهت تحديات ماحقة من قوى كبرى، فقاومت وصمدت ثم أثبتت جدارتها في البقاء بل وحتى في دورها المؤثر في محيطها وفي العالم، بفضل القدر الممكن من النزاهة والنظافة المتوفرة لدى قيادتها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0