الاعتدال مفردة تنمّ عن اتخاذ موقف فكري أو سلوكي وسطي يبتعد عن التعنّت، وينأى بنفسه عن أساليب الفرض والمصادرة، أكبر الأفكار وأعظمها تأثيرا، مفيدا أو ضارّا، تبدأ صغيرة، ينطبق عليها قانون النمو والتراكم الذي يشمل كل شيء، وقديما قيل إن الحرائق الكبيرة التي تلتهم كلّ شيء تبدأ بشرارة صغيرة، كان يمكن تجنبها في حال تم إطفاء شرارتها الأولى.

ونحن نعتقد أن نقيض الاعتدال، التطرف الذي يحرق الأخضر واليابس يبدأ بذرة فكرية سلوكية صغيرة، تنشأ في أصغر مؤسسة اجتماعية ونعني بها الأسرة، والأخيرة تتغذى فكرا وسلوكا من مديرها أو رئيسها الأب أو ولي الأمر أيّا كان اسمه أو عنوانه، فإن كان الأخير ذا فكر معتدل سيكون سلوكه متوازنا، وستنشأ في رحابه أسرة معتدلة في أفكارها ومتوازنة في أفعالها.

ومن مجموع الأُسَر وأفرادها يتشكل المجتمع الأكبر، لذلك فإن الأب أو رب الأسرة بشكل عام، يمكنه بالنتيجة أن يُسهم في صناعة مجتمع معتدل وسطي أو متطرّف، وربما يكون هو حجر الزاوية في هذه الصناعة، لأننا في واقع الأمر لا يمكن أن نغفل المؤثرات الأخرى المساعدة على صناعة التطرف أو نقيضه، فالبيئة كما هو معروف لها دور في تجنيب الفرد أو توريطه في عدم الاعتدال، والثقافة الاجتماعية (العادات، الأعراف، السلوكيات السائدة)، لها أثرها الكبير في صناعة المنظومة الفكرية الثقافية التي يحتكم إليها المجتمع.

لماذا نكون معتدلين أو متطرفين؟، وهل يتساوق أحد القطبين المذكورين مع الفطرة التي جُبِل عليها الإنسان، أسباب كثيرة تجعل السلوك المتعصّب مقبولا في الثقافة الاجتماعية، هنالك الجهل حين يتفشى بين الناس، فهو آفة يمكن أن تتطور لتصبح وباءً يتمدد كالنار في الهشيم، حتى تجد الأغلبية الشاسعة لا يروق لها في التعامل مع الآخر غير التصادم والتحجيم والإكراه.

ثالوث الأخلاق الجهل الأعراف

المنظومة الأخلاقية يمكن أن تكون سببا في الوسطية أو نقيضا لها، فإن كانت أخلاق الفرد والأسرة والجماعة مستمَدة من الإرث الإسلامي المعتدل، ستنشأ وتسود ثقافة اعتدال تحكم علاقات الجميع الاجتماعية وحتى التجارية، مما يُسهم في تأجيج التطرف أو تحييده مجموعة الأعراف التي تحكم أخلاقيات الفرد والأسرة والمجتمع.

هذه الركائز أو الأسباب الثلاثة، الجهل، الأخلاق، الأعراف، تعدّ عوامل مساعدة على صناعة عائلة معتدلة أو متطرفة، لذلك لا يُستغرَب أن يصنع الآباء وأولياء الأمور الجاهلون أفراداً وأسرا تغالي في رأيها وتذهب بعيدا في تعصّبها، والشيء نفسه يحدث بمساعدة ضعف الأخلاق، حيث يتدهور سلوك الفرد والعائلة تبعاً لما يؤمن به ويطبقه الأب من أخلاق يربّي أو يتربّى عليها أبناؤه، وينطبق ذلك على الحزمة العرفية التي يلتزم بها الأب أو ولي الأمر ويلزِم بها أفراد أسرته.

وكما يُقال في المثل المعروف "من عاشرَ القوم أربعين يوماً صارَ مثلهم" سوف تصبح هذه العائلة الواحدة مصدر تأثير على جيرانها وأقاربها، وتحدث عملية أخطبوطية تتزايد تتشابك تتداخل حد التمازج، لننتهي إلى نسيج مجتمعي إما أن يتحرى الوسطية أو يأخذ من التطرف أسلوبا في علاقاته وشؤون حياته كلها، هكذا يمكن أن نصل بالنتيجة إلى أن الأسرة يمكن أن تكون حجر الزاوية في صناعة فكر وثقافة وسلوك الجماعة (المجتمع).

الحلول المتاحة لتفادي انفراط عقد الاعتدال، وتدعيمه، ما هي؟، وهل توجد سبل تفتح نوافذ مضمونة للتحقق مما ينقذ الفرد والأسرة والمجتمع من التطرف، بالطبع لا شيء عصيّ على فتح نوافذ الحلول ولا شيء يمكن أن يبقى مبهماً إلى الأبد، إننا نعتقد من وجهة نظر شخصية أن هذه المشكلة الكبرى، يمكن أن نجد ما يطفئ نارها ويفكّك تعقيداتها لدى الأب أو ولي الأمر بمسمياته الأخرى (الأم، الجدّ، الأخ الأكبر، الأقارب)، بوسائل فكرية تربوية ومادية.

من تجارب القسوة والتطرّف

في منطقتنا التي آوتنا سنوات طويلة من البساطة والفقر، كان لدينا جار يقود عائلة من عدة أفراد، كانت طريقته في إدارة أسرته وتربية أبنائه الأولاد والبنات، القسوة المسرفة، وكان كلامه حتى الخاطئ يسري على الجميع بلا نقاش، وكان يتفنن هذا الأب بامتلاك وسائل ضرب مبتكرة، كالخيزرانة، وسلاسل الحديد بأحجام مختلفة، والكيبل البلاستيكي، والعصيّ الغليظة الناتئة المدببة، كان مسلسل الضرب يبدأ مع صلاة الفجر أو قبلها بقليل، صراخ الابن المتألّم يملأ فضاء الحي ويصل إلى آخر بيت، في مشهد يومي اعتاده الناس، لم تنفع النصائح قط، ولا يوجد قانون حكومي في وقتها يوقف هذا الأب عن سلوكه الشائن.

النتائج التي ترتّبت على هذه التربية المريضة، ابنهُ الأكبر تزوَّج وفعل بأولاده نفس ما فعلهُ به أبوه، صار عنصرا خبيثا في المجتمع، البنت الكبرى فرّت مع عشيق بطريقة غير شرعية وانتهت إلى دوّامة المباغي والأدران كما أشيع في حينها، ثلاث أولاد آخرون أخذتهم موجات الانحراف وانتهوا جميعا إلى السجون، بسبب سلوكهم المتطرف الذي لم يمنح لهم فرصة الحوار الهادئ وحلّ المشكلات مع الآخرين بالتفاهم.

عائلة كهذا النوع لو تعدّدت، ماذا سيكون نوع المجتمع؟، هذا يقودنا إلى الدور الأساس والقاطع للأسرة، وقبلها دور وليّ الأمر ومواصفاته، ثقافته، فكره، سلوكه، أخلاقه، مدى علمه أو جهله، ما هي الأعراف التي يضبط إيقاع حياته وفقا لها؟، هل العائلة والأب مسؤولون عن الحلول، بالطبع هذا أمر مفروغ منه، ولكن لا تنتهي المسؤولية عند هذا الحد، هناك مسؤولون أكبر وأقوى يشتركون في توجيه العائلة ورب الأسرة، إنهم جهات ومؤسسات متعددة، منهم الإعلام، منظمات المجتمع المدني، المؤسسة التربوية التعليمية، المنظمات والمؤسسات الدينية الخيرية والثقافية، هذه الإطراف تتحمل وزر المجتمع وانسياقه نحو الاعتدال أو التطرف، النتيجة يمكن أن تكون كالتالي:

صناعة أسرة معتدلة متوازنة، تعني صناعة أفراد، جماعات، وفي المحصلة الأخيرة، صناعة مجتمع معتدل وسطي متوازن، يتقن الحوار طريقا لتفكيك ومعالجة أعقد المشاكل وأشدّها استعصاءً.

انقر لاضافة تعليق
الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
الأسرة بالفعل هي الغارسة الأولى للقيم والمبادئ والسلوك السوى تجاه الآخرين
لكن الطفل يخرج بعد ذلك الى المدرسة ليتلقى دروسه ويصبح تحت تأثير المدرسين
ويذهب الى المساجد لأداء الصلاة ويستمع الى الدروس الدينية من بعض المتشددين
ويرى على القنوات التليفيزيونية الفضائية من يكفرون كل الناس ويلوون عنق الدين
البعض يقاوم كل العوامل المخالفة لما ربى عليه من اعتدال والبعض تجره غواية المتطرفين
أحبائي
دعوة محبة
أدعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه.....واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الأرض
جمال بركات....مركز ثقافة الألفية الثالثة2018-12-25
محمد علي
العراق
استاذي الكريم، اعتقد -والله العالم- ان الجهل لا يؤدي الى التطرف، لان ببساطة؛ الانسان بحاجة الى ما يعلم ليتطرف نحوه، نعم؛ هو يؤدي الى التخلف والحرمان، ولذا تجد معظم المتطرفين -ان لم اقل جميعهم- يتطرفون بما يعلمون ويعرفون حتى وإن كانت مناهجهم واستنتاجاتهم العلمية خاطئة. ومثالنا اليوم؛ الشباب الجامعي -بمعظمه- ليس فقط يتطرف وانما يتمرد على كل شيء لانه يتميز على غيره بما يحمله من علم ومعرفة، بالمقابل نلاحظ -وتلاحظ ايضاً استاذنا الكريم- ابناء الجيل الماضي في العراق وما قبله، ومن الذي تولى تربيته، معظمهم من الآباء والأمهات قليلي التعليم، وربما أميون. مع الشكر الجزيل2018-12-23

مواضيع ذات صلة

0