التغيير سنة الكون والكون قائم على التغير والحركة، وإذا كان الإنسان جزءاً من هذا الكون فان التغيير يشكل جوهر حركته ومسيرته في الحياة، إذ أن فعل الإنسان بحد ذاته منبثق من الدواعي الذاتية لوجوده، فهو يفكر ويبدع ويبتكر ليغير واقعه ويضيف الأحسن لحياته المعنوية والمادية بالاتجاه التصاعدي نحو التكامل.

فالإنسان ينتج التغيير وينفعل مع التغيير القادم إليه من الخارج، لانه بطبيعته التكوينية كائن متحرك يسعى للكمال عبر حياة تصاعدية وتعددية مبنية على التنافس الفعال من اجل سبق الآخرين والتفوق عليهم، فروح التغيير موجودة في أعماق التشكل البشري وانه سنة اجتماعية لا يمكن إلغاؤها.(1)

إن حقيقة قيام الأمم وقدرتها على النهوض يعتمد أساسا على مدى قدرتها على إيجاد التغييرات اللازمة لتطوير حركتها التصاعدية، وعلى نوعية استجابتها للتغييرات الخارجية التي تهب عليها من جهات أخرى، لذلك فان الأمم التي لا تستجيب للتغيير تحكم على نفسها بالموت، فانحطاط اغلب الحضارات وانقراضها يبدأ عندما تعجز عن فهم بأنه يجب أن تغير من واقعها استجابة للمستجدات التي واكبت الحركة البشرية المتصاعدة.(2) وفي هذا الصدد يرى الإمام الشيرازي بان المجتمع الراكد هو الذي يقف في مكانه بدون تجديد حيث يركد كل شيء ويسير الزمان ببطء وتخلو الحياة من التجدد، أما المجتمع المتصاعد فلابد أن يكون التصاعد من ذاته..(3)

وهذا هو أخطر التحديات التي تواجه الأمم الساكنة التي لا تستجيب لأعاصير التغيير الواردة عليها لتصبح مفتوحة يهب عليها الدمار فيجتثها من أسسها فتفقد هويتها وروحها ويشكل منها مزيج من لوحة سوريالية غامضة لا يفهمها حتى من رسمها، وهذا ما هو حاصل اليوم، حيث أصبحت أبوابنا مشرعة للأعاصير العاصفة علينا فاخترقت ثقافتنا وأجيالنا واصالتنا لنصبح مجرد هامش ضحل نقتات فيه من أفكار الآخرين ونعيش على أمجاد انتصاراتهم ونصفق لابتكاراتهم.

وإذا كانت بداية القرن العشرين هي نقطة انهيار الأمة الساكنة والراكدة والعاجزة عن التغيير عندما بدأت تتشبث بأذيال الغرب وتتشبه بأبطالهم ومفكريهم فان هذا التغيير لم يحدث إلا على مستوى محدود شمل بعض النخب والمجاميع حيث أوجد بعض التيارات الفكرية المقلدة في جوهرها والمتقدمة في ظاهرها.

وبالطبع فان مقدار التشكل المعوج الذي أصاب ابنيتنا الفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية اعتمد على مستوى قوة أعاصير التغيير الخارجية العاصفة بنا ومدى شموليتها التي كانت محدودة في بدايتها، ولكن مع مرور الزمن أخذت التحديات تزداد خطورة مع حصول التغييرات الكبيرة التي هزت العالم واحدثت تغييرات هائلة مادية وفكرية واقتصادية وبالخصوص الثورة التكنولوجية والمعلوماتية التي فتحت أبواب العالم وأوصلت آثارها حتى أقصى نقطة في الأرض، فلم يعد هناك عاصفة محدودة بل هو إعصار هائل أذاق كل العالم من وباله.

فلم يحدث تغيير كبير في البنية الحركية والتطورية للعالم مثلما يحدث اليوم، فالآلاف الستة من السنوات التي تشكل التاريخ المدون للبشرية لا تمثل سوى العُشر الأخير من الثانية، وقد احتاج الإنسان إلى 1750 عاما لمضاعفة معارفه التكنولوجية وهي مرحلة تمثل الثلث الأخير في هذا العُشر من الثانية، بعدها أخذت القفزات تتسارع ففي 150 عاما تضاعفت مرة أخرى علوم البشر ثم مرة أخرى خلال خمسين عاما، هذه الخبرة البشرية تضاعفت مرة خامسة بين عامي 1960-1980 مما يعني أن ما كان يقتضي آلاف السنين من التطور يتم خلال عقد واحد وربما اقل في المستقبل كأننا أشبه بركاب قطار زمني يخترق التطور اختراقا وكلما ازداد توغلا في المستقبل ازدادت سرعة اختراقه.(4)

هذا الطوفان الهائل الذي اقبل بفوضى من المعلومات احدث تغييرات كبيرة في الثقافة والنفسية البشرية وخلف تراكمات ثقيلة يمكن أن تؤدي إلى مزيد من الانحطاط الأخلاقي والتفكك المعنوي، ذلك أن ابسط المعلومات تشير إلى أن مورد المعلومات سوف يتزايد عام 2000 أربعة أضعاف سرعة تزايد السكان، وهاهو جيلنا يبدو وكأنه حشر بكامله بين عصرين واسلوبين للحياة واحد قديم وآخر جديد، انه تغيير سريع مذهل وكلي.(5)

كل هذا يحدث في المجال المادي حيث تطورت الحياة المادية للبشرية وازدادت رفاهيتها أما الحياة المعنوية فعلى العكس من ذلك ازدادت الروح بؤسا بازدياد الانحطاط الروحي والتفسخ الأخلاقي وهذا هو أسوأ ما رافق الحضارة المادية، لان أي تطور لايمكن أن يكون مثمرا مالم يصاحبه تغيير ثقافي وفكري ونفسي مدروس وعقلاني ضمن حركة اختيارية واعية. أما التغيير الذي يفرضه التطور المادي دون وجود اختيار واعي فهو التغيير الذي سوف يبني تشكيلة فوضوية للفرد والمجتمع كالتغيير الذي يحدث في أبناء الريف عندما يسكنون المدن.

ويرى علماء الاجتماع أن التقدم المادي يجب أن يساوقه تغيير معنوي لان عناصر الثقافة تتغير بنسب متفاوتة فالعناصر المادية في التراث الثقافي تتغير بسرعة اكبر من العناصر المعنوية لذلك كان على المتغير المتابع وهو الجوانب المعنوية أن تتغير بنفس السرعة حتى لا يحدث تخلف ثقافي ويطلق على فترة التخلف هذه اسم التكيف المتأخر أو سوء التكيف ويترتب عليها في الغالب حدوث اضطراب في العلاقات الاجتماعية أو انحلال اجتماعي.(6)

إن اخطر التحديات التي تواجهنا هي أن الثورة المعلوماتية التي تخترق أساسياتنا وتحدث تغييرات هائلة في حياتنا يمكن أن تخلف فينا آثارا سلبية كبيرة تعصف بحياتنا الاجتماعية والفكرية والثقافية لأنها تحدث تحولات مادية هائلة في كل نواحي الحياة اليومية مع عجز واضح عن الاستيعاب الواعي لحركتها الاندفاعية.

وإذا كان الغرب هو الذي أبدع هذه الثورة الحديثة فإنه يلهث وراءها حتى لا تستبقه كالمارد الذي أطلق من سجنه ولا يمكن التحكم به، هذا الغرب المتطور في بعض جوانبه قد ساوق التطور المادي خطوة بخطوة منذ بواكير النهضة الصناعية الأولى عبر تطوير كيانه في بعض الجوانب الفكرية والإدارية والثقافية، وان كان اخطر ما فيه الجشع الاقتصادي الذي ينتزع منه كل نوازع الخير والأخلاق.

أما نحن فمجرد أدوات مستهلكة نعيش على هامش التحولات الحقيقية نستقبل سلبياتها ونستدبر إيجابيتها. لذلك لابد من معرفة سلبيات المعلوماتية وآثارها الضارة حتى نستطيع التحكم بمسارها في حياتنا بوعي ودراسة.

* مقتطف من مقال نشر في مجلة النبأ-العدد 51-شعبان1421/ تشرين الثاني 2000-تحت عنوان: المعلوماتية استباحة الفكر وتدمير الذات

......................................
الهوامش
1- مجلة النبأ، العدد 20، ص 12.
2- مجلة النبأ، العدد 20، ص 12.
3- الفقه الاجتماع، المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي، ص 409.
4- المعلوماتية على مشارف القرن الحادي والعشرين، انطوان بطرس، ص 22.
5- المعلوماتية على مشارف القرن الحادي والعشرين، انطوان بطرس، ص 11.
6- مجلة النبأ، العدد 20، ص 16.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0