الهامش بين الاستبداد والتعددية


هنالك بديهيات لا يمكن تبديلها، منها مثلا، هل نتوقّع أن أحدّهم يفضِّل الظلام على النور، أو الجهل على العلم، أو القمع على ضمان الحرية الفردية؟؟، إن الإجابة البديهية عن التساؤلات في أعلاه هي التي تحكم الجميع تقريبا، ولكن يمكن أن نتوقّع وجود أحدهم يفضّل الجهل على العلم، وهؤلاء قلّة قياسا للأكثرية المطلقة، فهنالك من يحب القمع ويستسلم للسلطة، ويريد أن يبقى مصيره بيد غيره.

لكن الأغلب الأعم هو اختيار الناس للحرية، وتقديمها على القمع بالطبع، فالحرية خُلِقَت في الإنسان مع ولادته، لذلك فتفضيل الحرية أمر مفروغ منه ولا يحتاج الى تشجيع أو ما شابه، لأنه مزروع في أصل الإنسان، ولكن لماذا نجد هناك من يسعى لوضع حريته في أيدي الآخرين المتسلطين، مع أن التاريخ والواقع أثبت أن الغالبية العظمى من البشرية لها تأريخ مشرّف في الصراع المرير ضد الدكتاتوريات.

فهل يحتاج الأمر الى تربية وبيئة تشجع الناس على الاحتفاظ بحرياتهم؟، بالطبع هنالك عقول قد لا تعرف الصحيح من الخاطئ، مع أن الفكر الحر كان ولا يزال محطّ إعجاب وتمسّك غالبية الأمم والشعوب، وكلنا نعلم بأن الهدف من نضال المفكرين والفلاسفة والسياسيين النموذجيين، هو تعليم الشعوب كيف تحكم نفسها وفق نظام استشاري ديمقراطي شفاف، فقد فسّر العلماء، والكتاب المعنيون، في مدنهم الفاضلة وغيرها، حرية الشعب، بأنها نوع من أنواع حكم الذات الجمعية لنفسها، وإدارة شؤونها السياسية وغيرها، كما ترغب هي، لا كما يرغب حكامها، ورغم أن الحرية إحدى سجايا الإنسان الملتصقة بوجوده، لكن قد نجد من يميل الى تدمير حريته بنفسه.

تمجيد الحرية والمنهج التعددي

هناك أمم وشعوب وأفرد سبقونا الى تمجيد الحرية، وهذا درس ينبغي الاستفادة منه بقدر ما يتعلق الأمر بحرياتنا، فقد استلهمت الشعوب الغربية، مفهوم الحرية، واستطاعت أن ترسّخ مفهوم حكم الشعب المباشر لنفسه، وأن تجعله سائدا كمنهج حياة، بعد أن قدّمت ما يلزم من تضحيات جسام، لتحقيق هذا الهدف، فيما ظلّت الشعوب الأقل وعيا أسيرة أوهام النضال والمناضلين وأحلامهم، وبقيت تتطلع الى الحاكم المنقذ، الذي يحلّ لها إشكاليات الحياة العديدة، متناسية أن الفرد سوف يختلف – تحت ضغط التضخّم الذاتي- في فكره وسلوكه وتطلعاته عن الجماعة بعد أن تكون السلطة بكل ثقلها وامتيازاتها بيده حصرا.

فالتمجيد الفردي من قبل الجماعة للفرد وتسليم مصائرهم لدى عقل واحد ورأي واحد، سوف يجعل الجميع تحت إرادة واحدة وفكر فردي تتضخم ذاته كلما رأى الناس تمجّد شخصه، ولهذا من المستغرّب حقا أن يميل الإنسان الى تسليم مصيره بيد فرد واحد، ويتخلى عن دوره في شرعية السلطة، وكما هو معروف فإن الشعب هو مصدر السلطة، ولكن ينبغي منحها وفق منهج ديمقراطي حر ودستور دائم يكتبه خبراء معترّف بهم ويصوّت عليه الشعب، وليس التسليم بحكم الفرد الذي سينسف مبادئ التعددية والشورى عندما يقوى عرشه وتتضاعف قواته وأجهزته القمعية.

وحين نطرح مثل هذا التساؤل في صدر المقال، فإنه من الغرابة بمكان أن نعثر على من يفضّل الدكتاتورية على الشورى والديمقراطية، إلا إذ كانت الأمة أو الشعب أو الجماعة تضع رقابها تحت سيف السلطة لتحزّها بلا رحمة، ولا يصح التسليم للفرد حتى لو كان في حياته الشخصية مستقيما، فالمهم هنا المنهج التعددي، لأن الفرد الجيد سوف تغريه السلطة إذا لم يكن هنالك دستور حر مصدره الأمة التي يجب أن تحكم الحاكم وليس العكس.

وقد يبرر بعض الأفراد حكم الفرد على المنهج الديمقراطي بأنه لا يناسب طبيعتنا، وهو تبرير يجافي الحقائق، فالحاكم حتى لو تدرّج على مصاعب ومهالك وتضحيات النضال، صعودا الى السلطة، فإنه نتيجة لسحر السلطة نفسها من جهة، وضعف التحكم بنوازع النفس ورغباتها من جهة أخرى، وهكذا سيتحول المناضل سابقا، الحاكم راهنا، الى ذات أنانية سلطوية مغلقة، لاترى سوى منافعها ومصالح حاشيتها وحزبها وذويها، فتسعى حثيثا لتحقيقها على حساب الشعب، وحقوقه، وثرواته، وحرياته أيضا، وهذه هي نتيجة من يقدم القمع ويفضله على الشورى والتعددية والديمقراطية بحجج واهية.

شواهد فعلية من الواقع

ويمكن أن تكون هنالك شواهد من الواقع القريب تؤكد ما ذهبنا إليه، فحين نطالع تاريخ الأنظمة التي قادت معظم الشعوب العربية، والإسلامية، حيث جاء حكامها كثائرين محررين، لكنهم أصبحوا بعد تأثير السلطة عليهم طغاة متجبرين، وهذا ما حدث في معظم دول الشرق العربي الاسلامي، فقد يئست هذه الشعوب من مناضليها، ومخلّصيها، وثوارها، عندما اصبحوا حكاما، وسلمتهم الشعوب زمام امورها، وقيادتها، ليصبحوا لعنة عليها، حيث الاختلاس، والسرقة، والاستحواذ على أموال الشعوب، وثرواتها، فتتضاعف أرصدة الحكام، وذويهم، وأحزابهم، على حساب الفقراء، يرافقها قهر، وقمع، وتشريد متواصل لشبابها خاصة، ولكل من يحاول رفع صوته والاعتراض على حكامه، والمطالبة بحقوقه، لدرجة أن هذه الشعوب شعرت بالندم على ما آلت إليه أوضاع الناس في ظل أنظمة لا علاقة لها بمصالح الناس، فالتركيز هنا يصب في صالح حماية السلطة القمعية وزيادة مواردها المالية.

هذا الواقع الدقيق يجب أن يكون درسا للمجتمعات التي جرّبت الحكم الفردي الدكتاتوري، والحقيقة أن هنالك بونا شاسعا بين حكم الشورى التعددي الديمقراطي وبين الحكم الفردي الذي (وإن كان شخص القائد جيدا قبل منحه السلطة) لكنه بعد أن يتذوق حلاوة الكرسي وامتيازاته، سوف ينقلب على ذاته وعلى أهله وأمته وشعبه، فيصبح السيف السلطوي الذي يحزّ رقاب المعارضين له في الفكر أو الرأي أو المنهج، في حين أن منهج الشورى والنظام التعددي لا يمكن أن يمنع أحد عن البوح برأيه وفكره حتى لو كان معارضا للسلطة.

لذلك لا يمكن أن تكون هنالك مقارنة بين الديمقراطية والدكتاتورية، كما أن التصريح بأن الحكم الفردي يفرض النظام الحركي الحياتي بالقوة هو رأي غير دقيق، لأن الدكتاتورية إذا فرضت النظام على الأمة، فسوف يحدث ذلك بالقوة المفرطة والسيطرة بالحديد والنار، فيصبح النظام المفروض على الأمة بحجة تحقيق الأمن وما شابه، داعما للسلطة القمعية الدكتاتورية.

أما نظام الشورى والمنهج التعددي الديمقراطي، فإنه يحقق للأمة الأمن والانضباط والاستقرار بقوة الدستور والقوانين السارية التي لا تصادر حرية الناس من أجل الفرد الحاكم وحزبه، لذا فإن الاختيار بين القمع والتحرر أمر ينبغي أن لا يخضع للنقاش، كما أن طرح الآراء التي تذهب الى أن فرض الأمن يكمن بقوة الحاكم الدكتاتوري هي عارية عن الصحة تماما، فالدكتاتور فردا أو حزبا، لا يهمه فرض التقاليد التي تبلور الاستقرار الأمني والمجتمعي، بل على العكس تماما، حيث يسعى الدكتاتور الى نشر التفسخ في المجتمع، حتى تسهل له مهمة إخضاعه وإحكام القبضة الحديدية على السلطة.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (مقالات النبأ)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك