في نظرة متخصصة ومتفحصة، أو حتى لو كانت خاطفة، الى سياسة قادة العالم اليوم، ودورهم في صنع السياسة العالمية، فإن النتائج الظاهرة على السطح، أو المباشرة، سوف تمنحنا انطباعا سريعا، على أنهم (قادة اليوم)، صنّاع أزمات من طراز خاص، وهذا الاستنتاج لا يحتاج الى كثير من الذكاء او العناء، فالعالم اليوم تظهر في مركزه وجهاته الاربع موجات متلاحقة من الازمات، تتوزع على مجالات متعددة، تبدأ بالسياسة نفسها ونتائجها الكاسحة، مرورا بالأزمات الاقتصادية التي تمثل انعكاسا غير مباشر للقرارات السياسية في دول العالم الكبرى، والمتقدمة، مرورا بالازمات الانسانية والاخلاقية وسواها، والتي تعد نتاجا متوقَّعاً أو انعكاسا حتميا، لطبيعة القرارات السياسية التي يتخذها قادة العالم اليوم، بغض النظر عن تأثيراتها الجانبية التي تطول دول وشعوب العالم الأكثر فقرا وضعفا.

ويرى كثير من المراقبين، أن قادة العالم الراهن، والسياسيين الذين يحتكرون صنع القرار السياسي والاقتصادي، على الصعيد العالمي، ينتهجون المبادئ الميكافيلية (الغاية تبرر الوسيلة)، فالمهم لدى هؤلاء أن تتحقق اهدافهم السياسية والاقتصادية، بعيدا عمّا تنتجه من خسائر وأضرار مدمّرة للشعوب والدول الفقيرة، فكما يتضح من هذه السياسات والمساوئ الناتجة عنها، ابتعاد هؤلاء القادة عن الحس الانساني، والاخلاق التي تحتّم على من يملك صلاحيات اصدار القرارات العالمية، أن يضع في حساباته نتائج تلك القرارات، وما يمكن ان ينعكس عنها من ويلات وتضحيات، غالبا ما تكون من حصة المجتمعات الأكثر حرمانا من سواها.

لذلك يؤكد العلماء وأصحاب الفكر الانساني، أن السياسة لا يمكن أن تكون سلسلة من القرارات العشوائية التي لا تضع في حساباتها مصالح الجميع بمن فيهم الضعفاء والفقراء من الدول والمجتمعات، إن السياسة ليست صراعا مجانيا يجانب العقل والحكمة والانسانية، كذلك السياسة ليست خداع الاخرين من اجل كسب المنافع الذاتية، ولا يمكن أن تكون السياسة الصحيحة قائمة على الظلم، ولا على مبدأ الكسب المادي (السياسي والاقتصادي)، بغض النظر عمّا يلحقه ذلك من خسائر بشرية ومادية بالآخرين، إنها في حقيقة الامر إدارة شؤون البشرية وفق مبادئ العدل والمساواة، والنظر بعين الرحمة والحكمة لمن لا يملك مقومات الحياة التي تضاهي ما تملكه الدول المتطورة، من مزايا وقدرات تجعلها في منأى عن مصاعب الحرمان والعوز والجوع وما شابه.

وفق هذه الرؤية وهذه المبادئ الانسانية، لا يمكن أن يكون القادة السياسيين صناعاً ماهرين للازمات التي تبطش بالعالم كما يحدث الآن، لأننا في نظرة دقيقة وشاملة لما يحدث بسبب هذه السياسات الفاشلة، يمكن أن نكتشف تزايد بؤر التوتر، وانتشار التطرف والفتن وحالات الاحتراب بين مكونات الشعوب نفسها، او الصراع مع بعضها البعض، وهذه الحالات لا تنشأ وحدها، بل هناك فاعل ظاهر أو خفي يقف وراءها، أي أنها صناعة يخطط لها من ذوي الاختصاص وينفذها الساسة من القادة الذين يتخذون القرارات التي تقود العالم الى سلسلة من الازمات المتوالدة من بعضها، لدرجة أن العالم ما أن ينتهي من أزمة حتى يسقط في اخرى أشد، فيعيش دوّامة من الازمات التي يبدو أنها بلا نهايات قريبة!.

لذلك يقول مراقبون معنيون، بوضوح تام ومن دون تردد، أن سياسة اليوم العالمية، تتعمَّد إثارة الازمات وتلجأ الى الخداع، وتُلهب الصراعات الدولية والاقليمية، ومؤخرا برز بصورة لافتة، اسلوب إثارة حالات الاحتراب الأهلية بين مكونات وافراد المجتمعات الضعيفة، ثقافة ووعيا وبناءً، والتي فتكت بعدد من الدول وفككت كياناتها المجتمعية وسواها، كما لاحظنا ذلك في الشرق الاوسط، كذلك يسعى قادة العالم اليوم الى عقد صفقات مشبوهة مع بعضهم، الهدف منها تحقيق مكاسب ذات صفة (فئوية او جهوية)، تعود عليهم حصرا بالفوائد الاقتصادية والمالية والانتخابية، بغض النظر عن نتائجها الكارثية على الآخر، ويلاحظ المتابعون سياسة اللهاث وراء المغانم التي يديرها سياسيون ميكافيليون، أعمتهم مبادئهم ومناهجهم وسياساتهم عن رؤية النتائج المدمرة لقراراتهم واهدافهم، فكانت ضحية هذه السياسات الأنانية شعوب ودول عاشت قبل صناعة الازمات المفتعلة، في حالة افضل، وأكثر أمنا واستقرارا مما هي عليه الآن.

إن السياسة في نهاية المطاف، لا ينبغي أن يُنظَر إليها على أنها نوع من الصراع غير الشريف بين الفرقاء، أحزابا أو أشخاصا أو دولا، ولا يصح أن تكون السياسة محددة بتحقيق المكاسب المرسومة، بغض النظر عن الوسائل والأساليب التي تستخدم لتحقيقها، ولابد أن تكون هناك قواعد وضوابط تحكم اللعبة السياسية، وتجعلها اكثر نقاءً وأقل ضررا على الاطراف المتنافسة، في حلبة السياسة، فالصحيح أن تُدار السياسة بنقاء وان تكون وسيلة لإنقاذ الانسانية، من خلال اسلوبها الصحيح القائم على العدالة والانصاف وما شابه، من قيم ومبادئ وأهداف.

أما ساسة اليوم، أو قادة العالم السياسيين، فالملاحَظ عليهم، أنهم يجرّون العالم نحو حروب وأزمات متلاحقة، الهدف منها تعجيل الوصول الى مآربهم وحماية مصالحهم ومضاعفة ثرواتهم، بغض النظر عن الخسائر التي تتعرض لها البشرية نتيجة لذلك، لاسيما ما ينعكس من صناعة الازمات على المجتمعات الأضعف كما تم ذكره، لذلك لابد من تغيير سياسات التوتر والاحتقان والفتن، وهذا الهدف ينبغي أن يسعى إليه المؤثرون من النخب، والمفكرون والمثقفون والدعاة الايجابيون في عموم العالم، عبر صياغة الافكار المضادة للسياسات الأنانية العمياء، حتى يوضَع حد لأدوار قادة العالم الراهن، من ذوي النزعة التدميرية، كونهم يمضون – مع سبق الاصرار- بعالمنا الى الهاوية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1