صحيح اننا نحيي ذكرى الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء، عليها السلام، ضمن "أيام الفاطمية" بالبكاء والاستعبار واستذكار المصاب وأحياء المظلومية، وكل ما من شأنه تعبئة المشاعر وتغذية الحالة المعنوية التي تعزز الحب والولاء في النفوس، بيد ان الصحيح ايضاً، أننا امام تجربة مواجهة حقيقية واسعة الابعاد بين جبهة الحق وجبهة الباطل، أثبتت نجاحها بكل قوة واقتدار، مما يدعونا للاستفادة من هذه التجربة، ونحن نخوض اليوم اكثر من مواجهة تتقاطع فيها المصالح السياسية والتوجهات الفكرية، مما يمكن عدّها امتداداً لتلك المواجهة التي انطلقت في اليوم الاول من رحيل الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله. بين أصحاب الحق الحقيقيين وأدعيائه المزيفين.

لقد اتبع ادعياء الحق والشرعية للوصول الى السلطة، سلاح التضليل والتزييف مدعوماً بقوة السيف والتهديد والترويع. فكانت لهم الغلبة، ولم يتقدم أحد – كما يشهد التاريخ طبعاً- لدحض ادعاءاتهم وكشف زيفهم، سوى فاطمة... لكن ماذا كان بيدها في الميدان...؟! هل جيّشت جيشاً او عبئت المقربين والاصدقاء او غررت بأحد او أطلقت الوعود، أو غير ذلك؟

وقفت في المسجد الذي كان أبيها رسول الله، صلى الله عليه وآله، يسكب من معين الوحي تلك الاحكام والتعاليم السمحة، وبينت لهم الموازيين الحقيقية لمن يريد اتخاذ الموقف الصائب. واذا كان الحديث في تلك الخطبة العصماء، المسمّاة "الفدكية" دار حول "فدك"، فانها بالحقيقة مثلت الرمز، ليس فقط للمظلومية، وإنما للانحراف الخطير في مسيرة الامة من إتباع منطق العقل والدليل والبرهان، الى منطق القوة والدموية ثم التكفير. وما يزال السؤال المدوي الذي طرحته الصديقة الطاهرة منذ اربعة عشر قرناً، وحتى اليوم والى يوم القيامة، دون جواب: "هل في كتاب الله أن ترث أبيك ولا أرث أبي". هذا السؤال المنطقي، ثم يأتي الاستدلال بالقرآن الكريم: (وورث سليمان داوود).

هذا الصمت المطبق يمثل بالحقيقة السيف البتار المسلّط منذ ذلك الوقت على رؤوس كل من يفكر بتقمّص الشرعية للحكم ويفعل ما يريد. ومن هذه النقطة بالذات ننطلق في مواجهتنا لقوى التكفير والضلال التي داهمتنا على حين غفلة، عندما تخيّل الكثير استتباب الامور بمجرد الاطاحة بنظام صدام.

نعم؛ ان الارهاب الدموي المتمثل حالياً باسم "داعش" يحارب بالسلاح والمفخخات وكل وسائل القتل البشعة والتدمير، بيد انه كذلك يحارب بالإعلام والدعاية والحرب النفسية، مستفيداً من وسائل الاعلام الرخيصة ومواقع التواصل وغيرها. بل انه مهّد لهذه الحرب القذرة، منذ سنوات ويكسب اليوم مئات بل آلاف المتطوعين والانتحاريين المسلمين وغير المسلمين من كل انحاء العالم. فهل ينجح الرصاص والصاروخ فقط، في هزيمة هؤلاء؟

ان استخدام كل انواع الاسلحة المتعارف عليها، للدفاع عن النفس والعرض والارض، مسألة لا جدال فيها، وهذا على ارض المعركة، حيث نوجه ضرباتنا الى مجاميع ارهابية تقبع خلف السواتر الترابية، او تكمن في أنفاق وقنوات تحت الارض، وهم جاؤونا بالاساس ليموتوا بدافع من قناعاتهم بصحة افكارهم الدموية، فماذا عن أولئك الذين يقفون خلفهم، من عوائل وقبائل ومجتمعات تسكن القرى والارياف النائية في شتى انحاء العالم، مثل آسيا الوسطى وافغانستان والخليج وشمال افريقيا، ناهيك عن البلاد غير الاسلامية. وهناك مقولة يتداولها المجتمع السنّي في اكثر من مكان، بأن ابنائهم يقتلون في العراق بسبب "حكم القوي على الضعيف". بمعنى انهم حتى وإن تسببوا في قتل الآلاف من المدنيين في الاسواق والشوارع، سابقاً والآن في ساحات القتال، فانه بالحقيقة دفاع عن النفس لأقلية أمام اكثرية...!

هذه واحدة من عشرات المفاهيم المغلوطة التي ما تزال تمهد الارضية لسفك المزيد من الدم العراقي، بل وإبقاء النزيف على حاله لفترة أطول، بينما الحقيقة المغيبة عن هذه المجتمعات المترامية الاطراف، ان هنالك أكثرية حاكمة في العراق، بيد أن قوتها ليست في عمليات التصفية والتطهير كما يوحى اليهم {زخرف القول غرورا}. ولا حتى في التعبئة العسكرية الجماهيرية التي شهدها العراق خلال الفترة الماضية، إنما في عمقها الحضاري واهدافها السامية.

ويمكن القول، ان التنظيمات الارهابية ومن خلفها الفكر التكفيري ومن يموله ويدعمه، تسلّح بداية بالتضليل والخديعة، قبل الرصاص والسيوف والمتفجرات، فلو كان الوعي سيد الموقف لما اقتنع انسان عاقل بقتل نفسه وسط نساء واطفال وباعة متجولين في المناطق العامة. ثم تتطور التعبئة التكفيرية الى مديات أوسع لم يكن يتصورها أحد، بحيث يتدفق المئات من الشباب والشابات من كل مكان الى حيث الوعد الكاذب بـ "دولة الخلافة...." في سوريا والعراق، وهؤلاء لن يصدقوا بسهولة أنهم مخدوعون، لان من يقف خلف حملة التضليل والتحريف، من يسمون انفسهم بـ"العلماء" بل هنالك ايضاً مثقفون وكتاب واعلاميون يعتد بهم، كل هؤلاء وغيرهم ساهموا في بناء الذهنية التفكيرية في ادمغة الشباب بل حتى الاطفال، مما يؤكد لنا اهمية ودور الوعي في ساحة المواجهة.

ان الذين وقفوا في مواجهة الصديقة الزهراء، عليها السلام، كانوا علماء مجتمعهم، ومن المحدثين والاصحاب، لذا نجد في التاريخ انجراف الغالبية العظمى من المجتمع الاسلامي آنذاك الى التيار المنحرف، كذلك كان اشباه العلماء الى جانب يزيد بن معاوية في حرب الامام الحسين، عليه السلام، وفي تاريخنا المعاصر، نجد العلماء ومعهم ايضاً المثقفون والمنظرون يساندون ويعاضدون الديكتاتور في سياساته ومنهجه.

لذا فان الكلمة التي تخلق الوعي، تمثل السلاح الذي يفجر العدو من الداخل ويسلب منه شرعيته وكل مبررات وجوده. كما حصل لأعداء فاطمة، عليها السلام، وللأمويين بعد واقعة كربلاء، وللعباسيين بعد واقعة اعتقال واستشهاد الامام الكاظم، عليه السلام، وكل من سار على نهجهم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
3