لم تعد الحرب أسلوبا أمثل وأول لمعالجة الصراعات السياسية، حتى الأقوياء (الدول العظمى)، تخلّت عن خيارات الحروب، إلا في حال استنفذت استخدام الأساليب (الناعمة)، ومن ضمنها الأسلوب الأكثر حداثة (القدرة على الإرغام)، في مقال مزدوج لـ ديفيد س. غومبرت، و هانس بيننديك. نقرأ عن (القدرة على الإرغام) بأنه بعد تصاعد التكاليف والمخاطر والشكوك العامة حول نتائج شن الحرب تظهر أهمية القوة الأمريكية على الإرغام، وأن أفضل أدوات القدرة على الإرغام الثلاث التي تُعَدّ الأعلى مردوداً ضمنياً، والمتاحة للولايات المتحدة هي: (العقوبات المالية، ودعم المعارضة السياسية اللاعنفية، والعمليات الهجومية الإلكترونية). باختصار القدرة على الإرغام، تعني مواجهة الأعداء بدون حرب.

وهو أسلوب الحكومة العراقية الاتحادية في تعاملها مع حكومة البرزاني منذ ما يقرب من عقد ونصف، ولكن أثبتت النتائج أن الحكومات (الديمقراطية) بعد 2003، فشلت في استخدام الأسلوب الناعم، أو نظرية القدرة على الإرغام، وقد احتاجت الطبقة السياسية في العراق الى كل هذه السنوات الطويلة، لكي تكتشف بالنتيجة أن أسلوبها وتعاملها مع إقليم كردستان كان خاطئا؟!.

واكتشفت أيضا أنها (بعد كل هذه السنين الممتدة من 2003 الى السنة الجارية 2017)، أخطأت في أسلوب القوة الناعمة أو القدرة على الإرغام كما أطلق عليها الأمريكيون، فلجأت اليوم الى طريقة أو نظرية أخرى هي (الواقعية السياسية)، فماذا يعني هذا المفهوم أو الأسلوب السياسي؟.

إن الواقعية السياسية، بحسب المختصين يمكن أن توصف بأنها النقيض الأوضح لمصطلح (القدرة على الإرغام)، فهي نظرية في الفلسفة السياسية تحاول تفسير العلاقات السياسية وصياغتها وتقديم اقتراحات لها. وتفترض أن السلطة هي (أو ينبغي أن تكون) الغاية الأساسية للفعل السياسي، سواء كان في النطاق المحلي أو الدولي.

في النطاق المحلي، تؤكد هذه النظرية أن السياسيين يجتهدون، أو عليهم أن يجتهدوا، لزيادة سلطاتهم. أما على الساحة الدولية، فيُنظر إلى الدول القومية باعتبارها الوكلاء الأساسيين الذين يزيدون، أو عليهم زيادة، سلطاتهم. وباختصار أيضا تتلخص الواقعية السياسية في جوهرها في المبدأ السياسي الأخلاقي القائل بأن: من يملك القوة يملك الحق.

من يقرع طبول الحرب؟

وتفترض الواقعية السياسية أن المصالح تحميها ممارسة السلطة، وأن العالم يتسم بقواعد السلطة المتنافسة. في السياسة الدولية يؤكد معظم المنظرين السياسيين على أن الدول القومية هي الوكيل المتصل بالسلطة. غالبًا ما يوصَف الواقعيون السياسيون بأنهم يؤمنون بضرورة استخدام أي وسيلة للحفاظ على المصلحة القومية.

لقد ضجّت الساحة الإعلامية المحلية ووكالات الأنباء العالمية بطبول الحرب التي باتت تطرق أبواب العراقيين، وهذه المرة ليس مع داعش، وإنما تروم هذه الحرب أن تحرق الأخضر واليابس لكل ما تحقق من انتصارات عظيمة تكللت بطرد أشرس تنظيم إرهابي احتل الأرض العراقية وفعل ما فعل من جرائم يندى لها جبين الإنسانية، فهل يجوز أن نبدأ حربا جديدة فيما بين أبناء الشعب الواحد؟ بالطبع كلا، نحن لا نحتاج الى أي نوع من الحروب، فما بالك عندما يكون وقد هذه الحرب هم العراقيون أنفسهم.

المشكلة أن جميع الأطراف ترفض الحرب، ولم يخرج مسؤول من الطبقة السياسية (عربي أو كردي)، إلا وأعلن رفضه للحرب بين أبناء الوطن الواحد، ولكن هؤلاء جميعا يظيفون جملة لاحقة وهي (يجب تطبيق الدستور)، وهذه الجملة تترتب عليها جملة من الإجراءات وأهمها (إعلان واضح عن إلغاء الاستفتاء) وكل ما يترتب عليه، وهذا هو شرط الحكومة الاتحادية، وهو في الحقيقة وكما يصرح أعضاء في الحكومة الاتحادية والبرلمان، يتقدمهم رئيس الوزراء حيدر العبادي، إجراء دستوري لا يمكن القفز عليه، وفي الوقت نفسه يرفضه المسؤولون الأكراد ولنكن أكثر وضوحا كتلة وحزب (مسعود برزاني).

هنا بات واضحا أن نظرية القوة الناعمة، أو أسلوب (القدرة على الإرغام)، لم يعد يناسب المرحلة الحرجة في العراق، ولا يمكن أن يعالج الأمور المعقدة التي تحدث الآن في كركوك خصوصا وفي أربيل والسليمانية، ومن الواضح أن الأسلوب الناعم بات في حكم الماضي، وهناك من يقول أن (استيقاظ) الحكومة الاتحادية من سباتها جاء متأخرا جدا، فقد اكتشف العراقيون (فجأة)، ونعني هنا السلطات الاتحادية، أن المنافذ الحدودية تُدار من قبل سلطات الإقليم وكذا المطارات، والصيرفة، وشركات الهاتف النقال، وتصدير النفط عبر تركيا، وكل هذه الأمور وفقا للدستور ينبغي أن تخضع لسلطة الحكومة الاتحادية.

الدستور ومنطق السلطة الاتحادية

وبعد انتهاج الواقعية السياسية من الحكومة العراقية، بدأت باتخاذ جملة من الإجراءات الحاسمة التي أرادت من خلالها تطبيق هذه النظرية التي تعتمد القوة المباشرة بعيدا عن مفهوم (القدرة على الإرغام) أو سياسة القوة الناعمة، وهكذا تم غلق مطارات الإقليم بوجه الرحلات الخارجية، وأغلقت المنافذ الحدودية، وقد وصل موظفون من الحكومية الاتحادي الى المنافذ الحدودية، فريقان بواقع (49) موظفا لكل فريق يقوم بإدارة المنفذ بدلا من موظفي الإقليم.

ليس هذا فحسب، فهنالك إجراءات أخرى لا تزال قيد التنفيذ، منها التصويت على إقالة النواب الكرد الذي شاركوا في الاستفتاء، فضلا عن التحرك العسكري الى جنوب كركوك، وإعطاء العبادي مهلة 48 ساعة لقوات البيشمركة لإعادة آبار النفط والمناطق الى ما قبل احتلال داعش لها، فيما يعلن بعض المسؤولين الكرد أنهم يرفضون الحرب والقتال لكنهم لن يترددوا في الدفاع عن أنفسهم بحسب تعبيرهم.

يعتقد المراقبون أن وقت (الواقعية السياسية) قد حان الآن بالفعل، وهو ما يناسب هذه المرحلة تماما، خصوصا أن الأوضاع السياسية في كركوك والمدن الشمالية باتت بالغة التعقيد، ولكن هذه الدرجة من التعقيد ليست مبررا لإشعال فتيل الحرب، كما أن التركيز على تجنب الحرب، لا يعني قفز الكرد على الدستور، فقد أعلن رئيس الوزراء حيدر العبادي، أن الحكومة الاتحادية تتعامل مع ابن البصرة مثلما تتعامل مع ابن الأنبار وابن أربيل والسليمانية، وأضاف أن تصدير النفط من المدن الشمالية يتيح للمحافظات النفطية الوسطى والجنوبية بتصدير نفطها بعيدا عن الحكومة الاتحادية، لكن هذا إجراء مخالف للدستور، باعتبار أن ثروة النفط هي ثروة كل العراقيين، وأنها تدار من قبل وزارة النفط، وهي وزارة سيادية تنتمي الى الحكومة الاتحادية، وانطلاقا من هذا المبدأ، لا يجب ولا يجوز لسلطة إقليم كردستان أن تصدر النفط، ليس هذا فحسب بل عليها إعادة الأموال التي استلمتها عمّا قامت به من صفقات تصدير للثروة الوطنية.

هذه هي حقيقة الأمور تبعا للنظرية الجديدة التي تطبقها الحكومة الاتحادية الآن في تعاملها مع ملف الاستفتاء ومع حكومة إقليم كردستان، إنها (الواقعية السياسية)، التي تعمل على حماية الدولة ومصالحها القومية التي تتعلق بحقوق العراقيين من كل القوميات والأديان والاثنيات، وربما أصبحت نظرية (القدرة على الإرغام) بعيدة عن الساحة العراقية اليوم، فهنالك منطق القوة المدعوم بالدستور لفرض قوة القانون على عموم أراضي ومحافظات العراق، ليس انطلاقا من مركزية السلطة، وإنما حماية لثروة العراق واحتراما واحتكاما للدستور الذي وقع واستفتى عليه العراقيون.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0