ما أجمل الصورة التي يرسمها القرآن الكريم للمجتمع الناهض والدولة المتماسكة على أساس الامن والاستقرار، وهو يقرن المشورة او "الاستشارة" بالنجاح والتقدم، فالقضية ليست بالضرورة منحصرة بالأجواء السياسية، وبين أروقة الحكومة او مجلس النواب والمؤسسات الحكومية، إنما هي تشمل مفاصل اخرى مهمة في الدولة، ربما تشمل الاقتصاد والاجتماع. وعندما نستقي جملة {وشاورهم في الأمر} من الآية الكريمة، ويتجمّل بها البعض في دول اسلامية ويعلقها في ناصية البرلمان، فهي بالحقيقة تجسيد لمنهج متكامل وشامل لجوانب الحياة، فالقرآن الكريم يخاطب النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، في سورة آل عمران: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ...}، بمعنى أن مبدأ المشورة، يقوم على اساس من التعامل الاجتماعي الشفاف والشامل للجوانب الانسانية والنفسية، حتى يؤتي ثماره الملموسة متمثلة بالسلم والاستقرار.

دروس في السلم الاجتماعي والسياسي

تجرى بحوث كثيرة في كيفية تحقيق السلم والاستقرار في بلادنا، فهناك من يتحدث عن مسؤولية الحاكم والمسؤول في اتباع خطوات استباقية تحول دون ظهور بوادر تأزم على الصعيد الاجتماعي والسياسي، مثل اقتراح حلول سريعة وايجاد قواسم مشتركة لخلق اجواء تفاهم، او اجراءات الترغيب والترهيب، أما "المشورة"، فانها عادةً تأتي في الاوقات الضائعة، او ربما للخروج من المأزق وعنق الزجاجة، علماً ان بعض مؤسساتنا الرسمية تعجّ بالمستشارين من مختلف الاختصاصات يحومون حول الوزراء ورؤساء الوزراء ورؤساء الجمهورية وايضاً في الوزارات نفسها، فهم بين مستشار قانوني او اقتصادي أو امني او سياسي. ولكن؛ هذا الكم الهائل من المستشارين لم ينفع المسؤول صاحب الحل والعقد، في اتخاذ القرار الصائب الذي يجنب البلد الانزلاق في الازمات الاقتصادية او الحروب الكارثية، والسبب في أن المستشار هذا، يجلس في مكتبه الى جانب مكتب مسؤوله وقد سبقته اليه، نزعة الاستبداد والديكتاتورية، فلم يبق له مجال للإفادة بما يشير عليه.

ولو طالعنا تجربة اول دولة اسلامية أرسى دعائمها الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، نجد أن قوامها كانت؛ "الاستشارة"، وقالها مراراً، صلى الله عليه وآله: "أيها الناس أشيروا عليّ"، علماً أنه غني عن المشورة لاتصاله بالسماء ومدعوم قرآنياً بانه {لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى}، بيد أن الدرس يكمن في تكريس ثقافة المشورة وتقليب وجه الرأي والرأي الآخر، وصولاً على السليم والبناء منه، بما يحفظ المصلحة العامة.

وعندما يؤكد النبي على المشورة في ظروف الحرب والمواجهة الفاصلة، فمعنى هذا انه يريد الحفاظ على الجبهة الخلفية قبل مواجهة العدو على خط النار، فمنح الثقة لقادة الجيش ووجهاء المجتمع، ثم عامة الناس، أولى بكثير من الاسراع الى المواجهة وعرض العضلات وخوض المغامرات العسكرية المحفوفة بالخاطر. يكفي الاطلاع على حالتين من حالات عديدة شاور فيها النبي اصحابه، احداها في معركة "بدر" عندما أشار اليه أحد اصحابه بالنزول عند آبار بدر للتزود منه بالماء ثم منع المشركين منها، فأخذ النبي برأيه في النزول عن مصدر الماء، لكنه لم يأخذ برأيه في منع المشركين من الماء، فاخذ المسلمون كفايتهم واكثر، وتركوا الآبار للمشركين ولم يمنعوهم من الماء. وفي معركة "الاحزاب" والتي تسمى "الخندق" ايضاً، كان رأي النبي البقاء في المدينة ومواجهة المشركين في الاطراف القريبة، بيد أن رأي سلمان المحمدي كان الخروج من المدينة وحفر خندق حولها، وكان الرأي الأصوب وهو الذي تمخض عن الانتصار الباهر للمسلمين.

من هنا نفهم أن الانتصار على العدو الخارجي، يسبقه انتصارٌ لمبدأ المشورة وتبادل الآراء بين القائد والمسؤولين الآخرين، او بين المسؤولين أنفسهم، بمختلف مراتبهم ومناصبهم. سواءً أكانوا في المؤسسات المدنية او العسكرية. هذا المبدأ هو الذي يحول دون ظهور اعداء في الداخل او حصول حالة تمرّد ومعارضة سلبية ربما تتوسع وتأخذ مديات عميقة لتشكل فيما بعد بؤرة انفجار هائلة تهدد ليس فقط نظام الحكم، وإنما السلم الاهلي واستقرار البلد برمته. وهذا ما يحذر منه سماحة الامام السيد محمد الحسيني الشيرازي في كتابه "فقه السلم والسلام بان استشارية الحكم وعدم الاستبداد به، هو الذي يوفر السلم والسلام والامن للمجتمع، ويزيل عنه مظاهر العنف والارهاب والجور والظلم...".

استحضار دائم للقيم والمبادئ

ربما يدّعي البعض ممن يتولى مسؤوليات رسمية في الدولة، من أنه يعود لخلفية ثقافية وفكرية، ويحمل من القيم والمبادئ ما يؤهله لتحقيق النجاح في برنامجه وما وعد به في حملته الانتخابية وكسب من خلالها ثقة الناخبين. بيد ان التجربة تثبت لنا ان من الصعب بمكان استحضار كل هذه الالتزامات في زحمة العمل السياسي والظروف المعقدة المحيطة بهذا الوزير وذاك المدير والمسؤول في الدولة، وكلما كان المنصب أكبر، كان احتمال التباعد اكثر عن تلكم القيم والمبادئ، او لنقل؛ عدم الاهتمام بها. وهذا يمثل نقطة من جملة نقاط تتشكل منها حالة الاستبداد بالرأي، لذا تأتي المشاورة لتحافظ على جسور العلاقة مع الآخرين بما يذكر هذا المسؤول او ذاك، بخلفيته الثقافية وهويته الحضارية وعدم الاندفاع بعيداً في التحالفات والمساومات وغيرها من أدوات السياسة التي غالباً ما تصنع من الساسة، ما يشبه التمثال الحجري غير القابل للتعاطي ولا التغيير، ولن يكون الحل إزاءه سوى العنف والتحطيم!

وإذن؛ فان "المشاورة" تؤسس للأمن والسلم الاهلي والاجتماعي وكذا السياسي في البلد، ابتداءً من مكونات شخصية الانسان، فهي تكون مثل "الفلتر" الذي يمنع توغل الكبر والغرور والاعتداد الزائد بالنفس وصفات من شأنها تأهيل هذا الانسان ليكون طاغية ومستبد في أي فرصة تتاح له، سواء عندما يكون متوافقاً مع مصالح حزبية او مناسباً لفئة سياسية. وفي المحصلة، اذا ثبت استغنائه عن الآخرين، في رأي او مشورة، فان مما لاشك فيه، سيواجه الاستغناء من قبل الآخرين، وهم ربما يكونوا زملاء في العمل والمسؤولية، او يكونوا من فئات ومكونات الشعب، وعملية الاستغناء لن تكون سهلة وبسيطة، انما تتبعها ما يشبه العملية الجراحية لاستئصال هذا "الورم الاستبدادي".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0