هذه السطور مجموعة افكار متفرقة حول الديمقراطية وماتعنيه للتنظيمات السياسية الشيعية في العراق قبل العام 2003 وهي في المعارضة، وبعد ذلك العام وهي في السلطة.

ربما تتشابه هذه التنظيمات في نظرتها الى الديمقراطية مع التنظيمات السياسية السنية، الا ان تلك التنظيمات ليست من اهتمام هذه السطور.

بالعودة الى تاريخ الاحزاب السياسية الشيعية نلاحظ تأثير حزب الدعوة الاسلامية على بقية الاحزاب الشيعية العراقية، (حيث ان كل مانشأ من تنظيمات حزبية شيعية في مابعد، لايخلو من تأثير هذا الحزب)، والذي بدوره تأسس كردة فعل لظهور الحزب الشيوعي العراقي بعد العام 1958.

ومن خلال هذا التاريخ نفسه، كانت الاسس التي اعتمد في القيام عليها حزب الدعوة هي:

1 – الاسلام هو العقيدة والشريعة.

2 – المسلم على نوعين: الواقعي والظاهري.

3 – الوطن الاسلامي مايسكنه المسلمون مع استحقاق سياسي لا لدولة الاسلامية اخضاع جميع العالم سياسيا لها، مع حفظ حقوق غير المسلمين.

4 – الدولة الاسلامية: كل دولة لاتقوم على عقيدة الاسلام وقاعدته هي دولة كافرة، وعلى المسلمين لقضاء عليها بالطرق التبشيرية السلمية او الجهادية المسلحة.

5 – الدولة الاسلامية دولة فكرية، على اعتبار ان الدولة على ثلاثة اشكالا: اقليمية وقومية وفكرية.

6 – شكل الحكم في الاسلام، الحاكم هو الراعي والمحكومون هم الرعية، ولا بد من ان تكون الرعاية او الحاكمية تكتسب من رعاية الامة والتقيد بنظم الاسلام.

7 – تطبيق الشكل الشوري في ظروف الامة الحاضرة، ومن شروط تحقيق الشورى اختيار الحاكم وشكل الحكم ضمن الشريعة، الاكثر تطابقا مع مصلحة الاسلام والمسلمين.

8 – احكام الشريعة والفرق بينها وبين التعاليم فالاولى ثابتة، والثانية انظمة الدولة التفصيلية وهي تستنبط من الشريعة.

9 – مهمة بيان احكام الشريعة وتعيين القضاة ليستا من مهام الحكم، فتلك من مهام المجتهدين، وليس من حق الدولة منح وظيفة القضاء لغير المجتهدين.

يتفق المراقبون لهذه الاحزاب ومنذ تأسيسها، انها لم تهتم بالمسألة الديمقراطية على المستوى الاعلامي او في بياناتها السياسية، بل على العكس من ذلك كثيرا ما اعتبرتها من الافكار الوضعية المناهضة للاسلام.

او كما يعبر عن ذلك محمد مهدي الاصفي (احد القادة التاريخيين لحزب الدعوة):

(اما الديمقراطية فهي مدرسة سياسية لها جذورها الفكرية والفلسفية والتاريخية، لذا فلا يصح اعتبارها اساسا من اسس الحكم في الاسلام).

وهذه القوى، في تاريخها القريب وراهنها الحالي، لم تصدر عنها رؤى فكرية اسلامية تحدد شكل الدولة التي تريدها، ولا عن كيفية ممارسة السلطة فيها.

انتقاد اخر انشغل به الاسلام السياسي الشيعي في تعاطيه مع الديمقراطية، وخاصة ما يتعلق منها بمبدأ الاغلبية، منطلقين في النظرة اليه من خلال تفسير عدد من آيات القران الكريم واعتبار الاغلبية مذمومة في النص القرآني، مع امتداح الاقلية، ليصلوا في استنتاجاتهم ان الديمقراطية غير صالحة كشكل من اشكال الحكم.

وبالتالي فان كل القراءات للديمقراطية كانت من موقع النقد المعارض والمتضمن طرح البديل الاسلامي.

عامل اخر ساعد على تهميش دور الديمقراطية في طروحات هذه الاحزاب ومتبنياتها النظرية، وهو قدسية الفكر السياسي الديني للمنظر والذي هو قراءة واحدة من ضمن قراءات متعددة لكن لايتم الاعتراف بها.

ولم تلحظ هذه الاحزاب ان (الفكر الديني قراءة بشرية والدين حقيقة الهية، لذا لامكان للادعاء بقدسية الفكر بالمعنى التنزيهي الخارج عن النقد والرفض والقبول لانه قراءة انسانية للدين الالهي، وانما المقدس والمنزه هو الدين ذاته).

يذهب الكثير من الباحثين والمراقبين للأحزاب السياسية الدينية، ان ثمة تناقض جوهري صارخ بين الهوية الدينية (ستكون طائفية بالضرورة، لانتماء الهوية الى مذهب فقهي محدد) والهوية الوطنية، فالأحزاب السياسية المدنية تؤسس على مبدأ الهوية الوطنية للبلد، بينما الاحزاب الدينية تعتمد الهوية الدينية، والتعارض بينهما قائم ايضا حول مفهوم الامة ومفهوم المواطنة، فالمواطنة تحد من مفهوم الامة، وتقتات عليه. بعد ان بدا واضحا ان تقديم الهوية الدينية على الهوية الوطنية كانت نتائجه كارثية لاتقل عن حرب اهلية او شبه حرب، ومع ملاحظة استمرار عدم الثقة بين ابناء الطوائف والمذاهب في مجتمعاتنا منذ الخلافة، فان مفهوم المواطنة ربما لن يترسخ بأفكار سياسية في الوقت القريب، قبل ان يترسخ بالممارسة السياسية بعد ان نكلّ من القتل وسيول الدماء الجارية بلا حساب في حروب الفتنة..

ماهي أبرز الملامح للمشهد السياسي العراقي منذ العام 2003 وحتى الان؟

سوف اتحدث عن ملمح واحد والذي من خلاله تشكلت الحكومات السابقة والحالية وهو (التوافق السياسي) وهو إتفاق عام، بين الأحزاب السياسية على إدارة شؤون البلد بناء على أُسس توافقية بغض النظر عن حجم تمثيلها البرلماني الحقيقي (الأحزاب الكبيرة والأحزاب الصغيرة). والمثال الكلاسيكي على هذا المفهوم يتجلى بسياسات وأداء الحكومات الأوربية بعد الحرب العالمية الثانية، وخصوصاً بريطانيا. ولأن هذا المفهوم ظهر مباشرة بعد الحرب، سُمي في بعض المراجع السياسية، بالتوافق السياسي لفترة ما بعد الحرب.

اما التوافق الوطني، فهو التوافق الذي يعبر عن الثوابت، والأُسس التي تختارها أغلبية المواطنين في المجتمع، عن طريق الإنتخابات أو الإستفتاءات التي يشارك بها الشعب، حيث يتم تقرير تلك الثوابت عن طريق الاغلبية الناتجة من تلك الانتخابات أو الاستفتاءات. وهذه الثوابت ليست ثوابت أغلبية سياسية، اي إنها لاتعبر عن مواقف أو مصالح سياسية لمجموعة أحزاب سياسية فقط، بل هي ثوابت أغلبية مُجتمعية (ونعني بذلك المواطنين سواء المنتمين لأحزاب سياسية ام غير المنتمين)، تُعبر عن ثوابت يؤمن بها أغلبية المجتمع بأغلبية مواطنيه. لذلك، فهي مجموعة ثوابت يحدث بشأنها توافق بين مختلف المكونات المُشكِلة للمجتمع. وهكذا، فهي ليست أغلبية سياسية مُتغيرة، بل هي الأغلبية المجتمعية السائدة، وتلك الأُسس ليست برامج حزبية أو سياسية، ولكنها القواعد العامة التي يتفق عليها المجتمع، ويُبنى عليها النظام السياسي، والتي يتوافَقَ عليها المجتمع في الخيارات الكبرى مثل الدستور، وهوية الوطن وطبيعة النظام السياسي والوحدة الوطنية والتسامح وضمان الحرية والديمقراطية والعدالة والشفافية والمشاركة في الحياة السياسية لجميع المواطنين والمواطنات على قدم المساواة.

وتؤدي الثوابت التي يتوافق عليها المجتمع الى جعل النظام السياسي متوافقاً مع النظام الاجتماعي ومنظومة القيم الثقافية والحضارية السائدة، فتصبح الدولة بكل سُلطاتِها تعبيراً عن المجتمع، وممثلة له، وتصبح القوى والأحزاب السياسية ملزمة بما يتوافق عليه المجتمع، لا أن تفرض الاحزاب السياسية توافقاتها على المجتمع، في مسائل أساسية مثل الدستور.

وعبر التوافق يتم التفاهم والحوار بين الاطراف السياسية المتعددة، للوصول الى حل للمشكلات السياسية من خلال التوفيق بين مطالبهم، اي التنازل المتبادل لتمرير صفقات سياسية.

في العراق تم فرض مبدأ التوافق بسبب الافتقار الى قوة سياسية اجتماعية مدنية قادرة على فرز البديل عن النظام السابق بعد العام 2003.

وجرى هذا التوافق بين الاطراف العراقية الحاكمة والمنتمية الى تكويناتها الاولية (الطائفية والقومية والدينية والعشائرية) والمنتجة للهويات المتصارعة، مما ادى استمرار العمل به الى تعطيل المسار الديمقراطي وبناء المشاركة الشعبية الواسعة.

سمح هذا المبدأ مع المحاصصة الى تدعيم بناء سلطة الاحزاب السياسية الشيعية وتسلطها، بعيدا عن تفكيرها وانشغالها في بناء الدولة.

ماهي شروط الانتقال الديمقراطي؟:

1 – دستور تحقق الاجماع عليه.

2 – اصلاح اقتصادي يقوم على الانتاج المتنوع وعدم الاقتصار على سلعة ريعية مثل النفط كما في الحالة العراقية.

3 – اصلاح اجتماعي يحقق العدالة الاجتماعية لجميع المواطنين.

4 - مجتمع مدني، فاعل وقوي من شأنه ان يكون ندا للحكومة ومكملا لدورها في الكثير من الامور مع مراقبتها ونقدها.

5 – توفير بيئة سياسية تساعد على عملية الانتقال الديمقراطي، من خلال العمل السياسي المرتبط بقيم المواطنة ودولة الحق والقانون.

...................................

مصادر واحالات:
رشيد الخيون: تاريخ الاسلاميين وتجربة حكمهم في العراق: في كتاب (الاسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي، اتجاهات وتجارب).
حسين درويش العادلي: نحو عراق جديد: الديمقراطية بين التوظيف والتراشق الجدلي، العراق نموذجا..
عبد الرحمن الحاج / جريدة الحياة
غانم جواد: الشيعة والانتقال الديمقراطي، كيف تعاملت قوى التيار الاسلامي الشيعي مع المتغيرات السياسية في شؤون الحكم وبناء الدولة في العراق؟

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2