يجمع بين الحوزات العلمية والجامعات روابط مشتركة كثيرة، أهمها أن الطرفين يهدفان بالدرجة الاولى الى بناء الأسس التربوية والدينية والثقافية والعلمية للمجتمع، والمواظبة على تطويرها وفق خط بياني متصاعد ومستمر، بما يكفل ويحقق درجة جيدة في مجال مجاراة العالم المتقدم والاصطفاف معه جنبا الى جنب، عبر العلاقة التبادلية الحرة بين الحوزات والجامعات، بما يضمن التداخل العلمي والعملي مع كل ما يستجد في عالمنا من مكتشفات واختراعات وتطورات، تصب كلها في هدف واحد، يتمثل بصناعة المجتمع المتقدم.

هذا التقارب والتشابه الكبير بين مهام الحوزات العلمية والجامعات، يستدعي بل يستوجب نوعا من التكامل والتداخل والتعاون التام بينهما، لكي يقوم الطرفان بواجبهما ازاء المجتمع والدولة، بأفضل وأرقى ما يمكن، فالأهداف المتشابهة لهما ودرجة أهميتها القصوى، تتطلب علاقات عميقة مدروسة ومخطط لها مسبقا بين الحوزات والجامعات، على ان تكون هذه العلاقات التي تربط بينهما، ليست مرحلية أو آنية، وليست حصيلة لرغبة حكومية او أية جهة عليا، تملي شروطها على الطرفين المذكورين او أحدهما، لأن شرط استقلالية العلاقات والتفاهمات والتعاملات المتبادلة بين الحوزات العلمية والجامعات، يمثل شرطا جوهريا لإمكانية تحقيق الاهداف المرسومة، وجلّها يهدف الى ارتقاء الدولة والمجتمع.

لهذا من غير المقبول التدخل في القرار الجامعي، كما هو الحال مع استقلالية الحوزة التي تعد بمثابة صمام الأمان لضمان النتائج الجيدة، والسؤال الذي يتبادر الى الذهن الآن، هل الجامعات العراقية او تلك الموجودة في البلدان الاسلامية والعربية، تمتلك صفتها المستقلة أم أنها تابعة؟، كذلك هل الحوزات العلمية جميعها مستقلة، وتقوم بدورها التنويري كما يجب في الدول المذكورة؟، الجواب بطبيعة الحال سيأتي بالنفي، لاسيما بالنسبة الى الجامعات، إذ حتى الجامعات الاهلية تخضع لشروط (وأحيانا أوامر) المؤسسة الحكومة لهذا البلد او ذاك، بمعنى حتى الجامعات غير الممولة من الدولة تعاني من فقدان استقلالية قرارها ورؤيتها العلمية والعملية، وهذه التبعية تحد من قدرات الجامعات على نحو كبير.

أما الحوزات العلمية، فإنها تمتلك قرارها المستقل وتنفذ رؤيتها المستمدة من افكارها وتخطيطها، إلا تلك الحوزات التي تقع تحت ضغط ومسمّى (الأزهرة)، ونعني بها تلك الحوزات والمؤسسات الدينية التابعة للأنظمة السياسية والمنضوية تحت ارادتها، إذ أنها تفتقر الى استقلالية القرار والتصرف، فتصبح في هذه الحالة تابعة للسياسة وقادتها، تأتمر بأوامرهم وتخضع لاشتراطاتهم بسبب عامل التمويل وارتباط المصالح بين الطرفين وما شابه، لكن هناك حوزات علمية جليلة، تمتلك قرارها المستقل، كونها تتخلص من ضغط التمويل الحكومي، ولا تعاني كما هو الحال مع الجامعات من هذا الامر، ولكن تبقى هناك عقبة كأداء تقف كحجر عثرة في طريق العلاقات المثالية بين الحوزات والجامعات، هذه العقبة تتمثل على نحو واضح بعدم استقلالية الجامعات، وقيام التخطيط الاداري العلمي لمعظم البلدان الاسلامية بإخضاع المؤسسة الجامعية العلمية لسطوتها وأوامرها، خدمة لمصالح النظام السياسي قبل أي شيء آخر.

لذلك مثل هذه القرارات الحكومية التي تكبّل حرية الجامعات، تعيق مبادرات التعاون بين الحوزات والجامعات، على الرغم من أن التكامل العلمي والعملي والتربوي يتجسّد في علاقة الطرفين التعاونية بصورة جليّة، الامر الذي يعود بالفائدة المضمونة على المجتمع والدولة، فالجامعات تمثل النشاط الدنيوي للفرد والجماعة عموما، وتسعى هذه المؤسسة التعليمية لتحقيق الاهداف الدنيوية للشعب، كتحسين الحياة وتطوير سبل العيش والارتقاء بالقيم المختلفة، وصناعة الرفاهية وتطوير الاقتصاد وما شابه، أما الحوزات العلمية فتمثل مجمل الاعمال والانشطة الاخروية التي يؤديها الناس، كالفرائض الدينية وتطوير الجانب الروحاني للانسان فردا وجماعة، ولذلك مع تلاقي النشاطين الدنيوي والاخروي، ستكون هناك حالة من التكامل الخلاق للنشاط البشري المزدوج، وهذا لا يمكن أن يتحقق في حالة وضع الحواجز بين الحوزات والجامعات، كما تفعل الان بعض الانظمة الاسلامية!.

لذلك لابد أن تتنبه القيادات السياسية والعلمية التي تشترك في ادارة شؤون الجامعية الى اهمية هذا النوع من العلاقة بين الطرفين المذكورين، علما أن الفائدة بالدرجة الاولى سيحصل عليها المجتمع قبل غيره، بالاضافة الى الحكومة التي ستقطف ثمار تعاونها في هذا المجال، من خلال صناعة الشعب المثقف المنتج والمنضبط، وهو هدف تسعى إليه جميع الحكومات لغرض تحقيق النجاح في ادارة الدولة، ولكي تتحقق الفائدة الفعلية من علاقة الجامعات بالحوزات العلمية ينبغي أن:

- تكف السلطات بأنواعها كافة لاسيما السياسية منها، عن سياسة تكبيل الجامعات وربط انشطتها بأوامر الدولة ومؤسساتها.

- أن تسعى الجامعات بنفسها لتحقيق هدف الاستقلالية في الرؤية والقرار والعمل.

- أن تنفتح ابواب الجامعات من دون شروط لأنشطة الحوزات العلمية، ضمن رؤية تعاونية مدروسة ومخطط لها من لدن لجان لها خبرة وتخصص في هذا الميدان.

- أن تقام الملتقيات المشتركة بين الجانبين لتبادل الافكار وتطويرها ومن ثم العمل المشترك على تحويلها الى منجز ملموس.

- الابتعاد الكلي عن تسييس الجامعات والحوزات معا، كما نجد ذلك في بعض الدول الاسلامية، حيث تسعى بعض الانظمة السياسية، الى منع الحوزات العلمية من الدخول الى الجامعات فكرا وحضورا عمليا.

- أن تقام الانشطة المشتركة بين الجانبين لتقييم الجانب التربوي للطلبة، وتشجيعهم على الاهتمام بالجانبين الدنيوي والاخروي من اجل تحقيق حالة من التوازن تخدم الفرد والمجتمع.

- قد يكون من حق الحكومات أن تسن عبر مؤسساتها الدستورية التشريعية، بعض القوانين التي تنظم هذه العلاقة، على أن يكون الشرط الاساس في تلك القوانين ضمان حرية الجامعات والحوزات في نوع شكل التعاون والانشطة المتبادلة بين الطرفين، وهي في مجملها تصب في المحصلة النهائية في صالح الدولة والمجتمع.

- واخيرا لا يمكن تحقيق مثل هذه الاهداف الايجابية ما لم تكن هناك ارادة موحدة بين الدولة والحوزات العلمية والجامعات تجمعهم في بوتقة واحدة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1