آخى النبي الأكرم، بين المهاجرين والانصار، وساوى بين العبيد والسادة في العطاء وفرص الحياة، وحمل الآية القرآنية في موقف وموطن؛ {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}، وصعد نجم بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي (المحمدي)، وفعل ما فعل لإذابة الفوارق العنصرية، بيد أن اسباباً عديدة جعلت شريحة من المجتمع العربي – آنذاك- يتشبث بهذه النزعة، ويعد وجود العبد والأمة في اوساطهم الاجتماعية، نوعاً من الفخامة والتميّز، الامر الذي وضع المسلمين من غير العرب تحت وطأة الضغوط النفسية وحتى الاقتصادية والسياسية، وتعرضوا للأذى والتنكيل من قبل الحكام الذين جاؤوا بعد رسول الله، وتحديداً عندما ظهرت الدولة الأموية على سطح الاحداث.

وعندما انتهت معركة كربلاء، شعر الأمويون أنهم لم يتخلصوا من الامام الحسين، عليه السلام، كمصدر خطر على كيانهم السياسي، وحسب، إنما وجدوا أنهم انتصروا للقيم القومية والقبلية وكل ما كافحه النبي الأكرم، وضحى من أجله طيلة ثلاثة وعشرين عاماً، فبقي – في ظنهم- الانسان العربي هو الأفضل ويستحق كل شيء دون سواهم ممن كان يطلق عليهم مصطلح "الموالي"، نكاية بأصلهم قبل انضمامهم الى المجتمع الاسلامي ويتحولوا أحراراً وفق الدستور الاسلامي، فهم بالأصل كانوا عبيد، أسرهم الجيش الاسلامي خلال فتوحاته وغزواته في البلاد المختلفة.

الحرية في مدرسة الامام السجاد

كانت الفتوحات الإسلامية تطوي البلاد شرقاً وغرباً، وتضم بين فترة وأخرى بلداً جديداً إلى الجسد الإسلامي، وتضم أفراداً جدد الى المجتمع الاسلامي، فاتسعت شريحة المسلمين من غير العرب بشكل ملحوظ، فضلاً عمن كانوا يسلمون من البلاد الاخرى بعد وفودهم الى الحواضر الاسلامية، لما يرونه من الاحتكام الى القيم الانسانية والاخلاقية، فكان التنوع في الثقافات والتقاليد في المدينة الواحدة، مما دعت الحاجة إلى زخم إيماني يوجه هذا التنوع لخدمة مصلحة الامة الواحدة، بمعنى أن الامام السجاد، عليه السلام، عمل على تدوين "ثقافة اسلامية عالمية" من خلال تعامل خاص مع العبيد الذين تأتي بهم الانتصارات الاسلامية، فكان معروفاً بكثرة شرائه للعبيد ومن ثم عتقهم بعد فترة أشهر أو اقل من سنة، ويتحولوا الى مسلمين أحرار في المجتمع الاسلامي.

هذا الانتماء لم يكن ليتجذر في النفوس لولا مدرسة الامام السجاد وما حوته من مواد في الاخلاق والعلوم والمعارف والآداب، وهي كانت تتجسد يومياً في حياة أولئك العبيد الذين ربما يعدون وجودهم في بيت الامام، عليه السلام، نوعاً من الحَظوة العظيمة، لانهم سيخرجون من بيته أحراراً مع الكرامة والاعتزاز باسلامهم، وإلا فان العبيد والإماء في كل مكان –آنذاك- كانوا يتعرضون للضرب المبرح والقساوة في التعامل من قبل المسلمين الذين كانوا يبررون سلوكهم هذا ويعدونه من حقهم، فيما تنقل لنا المصادر التاريخية مشاهد مثيرة من عصيان للأمر من العبيد والإماء، او خطأ يؤدي الى جرح الامام في وجهه – مثلاً- او حتى حصل أن تسبب أحدهم بموت أحد ابنائه، عليه السلام، وهو خطأ فاحش لا يغتفر عند الكثيرين، بينما الامام السجاد، كان يقابل كل أولئك بالهدوء والروية، ثم يهديهم ما يحبون من عبارة: "أنت حرٌ لوجه الله"، وربما كانت تأتي على قلب ذلك المخطئ كالماء على الصفيح الساخن، وتزيل عنه مخاوف العقاب.

لذا يمكن القول: إن الحرية في مدرسة الامام السجاد، عليه السلام، كان لها طعم خاص، فهو لا يعتقهم ويجعلهم احراراً منّة منه عليهم او لتحقيق مصالح معينة، إنما يربطها بقيم سامية تتصل بالسماء، فهو، عليه السلام، يقرن ما يقوم به من عتق رقبة الانسان في الدنيا، بعتق الله -تعالى- رقاب الناس في الآخرة، ومن أبرز مناسبات العتق، كان شهر رمضان، فكان يجمع العبيد ويعمل له ما يشبه "مهرجان العتق"، وكان يقول لهم: "إن لله تعالى في كل ليلة من شهر رمضان عند الإفطار سبعين ألف عتيق من النار، كُلاًّ قد استوجب النار . فإذا كان آخر ليلة من شهر رمضان أعتق فيها مثلما أعتق في جميعه . وإني لأحب أن يراني اللـه وقد أعتقت رقاباً في ملكي في دار الدنيا ، رجاء أن يعتق رقبتي من النار".

إن التخلّق بأخلاق تنطوي على منظومة قيمية متكاملة لحياة الانسان، فهي تختزل الاخلاق والآداب والحقوق، لذا فان العبد الذي يتخرج من مدرسة الامام السجاد، ويدخل رحاب المجتمع ويكون احد افراد الامة، فانه سيعكس ما رآه وسمعه وعايشه بكل حواسه ومشاعره، بين المسلمين، فتكون النتيجة الاولى؛ تراجع المشاعر العنصرية أمام التفوق الانساني ويكون التفاضل على ما يحسنه الانسان من علم وثقافة وآداب، وليس من حسب ونسب كما كان في عهد الجاهلية.

مكافحة العنصرية والبشارة لبنات حواء

لم يكن عتق العبيد ومنحهم الحرية، الفقرة الوحيدة في مدرسة الامام السجاد المناهضة للعنصرية الجاهلية، إنما عمد الى إحياء سنّة كادت تضيع بسبب إصرار الحكام الأمويين على بعض المخلفات الجاهلية التي تبقى وصمة الوضاعة على جبهة المرأة، فطيلة الفترة التي اعقبت العهد النبوي، كان العرب يأنفون من الزواج من الإماء، وهذا ما فعله الامام السجاد لأول مرة بالزواج من إحدى إمائه، وكانت سابقة في قبيلة قريش وبين العرب بشكل عام، حتى بلغ الأمر أن يبدي الحاكم الأموي عبد الملك بن مروان، تبرّمه من هذا العمل، لمعرفته أنه، والثقافة الأموية هي المستهدفة، فكتب الى الامام، عليه السلام، يلومه في قراره وينتقده، فجاءه الرد سريعاً ومفحماً من القرآن الكريم: { لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة}، فالنبي صلى الله عليه وآله، أعتق صفية اليهودية التي كانت أمةً وتزوّجها، وأنكح امرأةً شريفةً من قريش لعبده، وغيرها من المواقف التي حاول الأمويين محوها من الثقافة الاجتماعية للمسلمين.

ومن بعده تواتر الأئمة المعصومون، عليهم السلام، في الاقتداء بالامام السجاد في هذه المبادرة، فكان الأئمة المعصومون جميعاً من أمهات إماء ولسن أحرار بالأصل، وهذه تشكل ضربة قاصمة للعنصرية ولمشاعر التفاخر والتفاضل بين البشر على أساس العرق او القوم او اللون، ومنذ ذلك الزمن، ورقعة المجتمع الاسلامي تتسع في البلاد والآفاق، وتنحسر شريحة العبيد والإماء شيئاً فشيئاً، لأن الإماء الذين تزوجوا بعد تحطيم أواصر العبودية أولدن عباقرة في العلوم والآداب، واليوم نفتخر بأسماء لامعة وكبيرة في سماء العلم والمعرفة من هم من غير العرب، من أمثال الشيخ الطوسي وسيبويه والخوارزمي وغيرهم كثير ممن غلّبوا التفوق والابداع والاسهام في التقدم والتحضّر على الأطر الضيقة للعنصر والقوم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0