هل ترى الى تاريخ الانسان في العالم؟ شيء واحد يتكرر عبر ثوراته واحلامه وطموحاته واماله، انه العدل الذي يفترضه في فعل السياسة اليومي، الذي يقوم به فاعلون سياسيون تتعدد اشكالهم واصنافهم تبعا للنظام السياسي الذي يختاره او يقهر عليه هذا الانسان. وهو (أي العدل) إشكالية كل الأديان والحضارات، قديمها وجديدها.

وأقول إشكالية، لان تلك الأديان وعبر معتنقيها، المؤمنون الجذريون منهم، او الوسطيون بين حد الايمان والتعبد، لم يستطيعوا وعلى مدار أكثر من تجربة مارست فيها تلك (الأديان) السياسة، ان تحقق العدل المنشود، وهي تساوت في المحصلة النهائية بينها وبين الحضارات التي اختارت طرقها وانظمتها الوضعية في النظم السياسية واشكال الحكم.

وجه المقارنة بين الدين والحضارة، حيث الدين وعبر مرور القرون ينصهر في هذا النسيج المتكامل من الحضارة في معيش الانسان اليومي، حيث (المؤمن كغير المؤمن متورط ومنخرط في الوجود الواقعي المشخص التاريخي الاجتماعي الثقافي، فإنه خاضع لإغراءات الخروج على غائية الإيمان المعرفية والأخلاقية والوجدانية والوقوع في فخاخ الفعل، وخاصة الفعل السياسي، وهنا تتلبسه نزعات المنفعة والسلطة والقوة والجاه والصراع والاستعلاء والتغلب والجبروت والكراهية، حين ذلك يُصاب الإيمان في الصميم وتُصاب على وجه الخصوص ذاتيته الأخلاقية؛ أي ماهيته الذاتية. وإذا تستند هذه العلل بالدولة، تعود إلى الحالة الطبيعية؛ أي إلى الحالة التي ينسحب فيها العدل ويسود فيها الذلّ والجَور، وتُصاب الثقافة في الصميم). فهمي جدعان / اشارات، ما اؤمن به.

من هنا يمكن تفسير الفشل الذي يقع فيه المتدينون في ممارستهم للسياسة، وهو تفسير وليس تبريرا، فتكرار الفشل مع وجود النموذج (الامام علي عليه السلام)، هو عطب للايمان في الصميم، كما في العبارة الانفة الذكر.

وربما يجادل ان هذا النموذج الذي يتم اقتراحه باستمرار، هو نموذج مستحيل التحقق الا عبر صاحبه، بسبب عصمته، (المعصوم لا يخطئ والثاني يخطئ، لذلك لا يخشى من بقاء المعصوم رئيساً مدى الحياة، لأن العصمة تمنعه من ممارسة الغلط: الظلم والقهر، وتردعه عن السيطرة الكلية وإن طال به زمن الحكم، وهمّه الأول إقامة العدالة، وتأمين الحرية، وكلما طال به الزمن رسّخ العدالة والمحبة، والتسامح والتواضع، والصدق والأمان، وسار بمجتمعه نحو المثالية، فهو مصلح اجتماعي لا يمتنع عن ارتكاب المعاصي فقط بل يحاربها، وهو لا يتعاطى المظالم والرشاوى والغش والمكر والسرقات والكذب والخداع والجشع والطمع والتعالي. د. حسن عباس نصر الله/ العصمة والحكمة في النظرية السياسية لدى الإمام علي (عليه السلام).

وهو وان كان تحقق لمرة واحدة في التاريخ، فان تكراره مع التطور الهائل الذي شهدته البشرية يعد نوعا من المثالية او اليوتوبيا التي حلم بها الكثير من الفلاسفة والحكماء.

رغم ذلك فان هذا النموذج قد ارشد من يأتي بعده الى سبل تحقق ذلك وامكانيته ولو بالقدر الذي يستكين على ضفافه ولا يغادرها الى ضفاف أخرى.

لقد (نقل الإمام علي (عليه السلام) صورة ملطّفة عن السياسة المعصومة ليأخذ بها الحكّام، ويستضيئوا بأنوارها، لأن غير المعصوم لا يستطيع أن يكون معصوماً، ولن يقوم بتنفيذ الأحكام بمستوى المعصوم، صرّح الإمام (عليه السلام) بذلك، فقال: ((ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك.. ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفة وسداد..)).

فدعا الحكام والشعب إلى التعاون مع مبدأ العصمة، بالاجتهاد في فهم الحق واستيعابه عن طريق الورع والعفة، ووضوح الرأي..

ماهي السياسة؟

انها تعني (رعاية شؤون الدولة الداخلية والخارجية)، وعرّفها "هارولد لاسويل" بأنها (دراسة السلطة التي تحدد من يحصل على ماذا ومتى وكيف).

او هي (دراسة تقسيم الموارد في المجتمع عن طريق السلطة حسب (ديفيد إيستون).

والسياسة بجميع ما تشتمل الكلمة عليه، هي علاقة بين حاكم ومحكوم وهي السلطة الأعلى في المجتمعات الإنسانية، حيث السلطة السياسية تعني القدرة على جعل المحكوم يعمل أو لا يعمل أشياء سواء أراد أو لم يرد.

والسياسة في تعريفها الاولي في اللغة العربية، من ساس – يسوس، هي القيام على الشيء بما يصلحه، أي المفترض أن تكون الإجراءات والطرق وسائلها وغاياتها مشروعة، فليست السياسة هي الغاية تبرر الوسيلة، كما انتهت اليه منذ غادرنا النموذج الارقى والاشمل لممارستها، وأصبحت بما لحقت به انتهازية، لا أخلاقية، كما برر لها ميكافلي في كتابه الأمير.

ولا تكتسب السياسة تأثيرها الا من خلال ممارسة الحكم، اي ممارسة السلطة على الناس، تراضيا منهم على صاحب السلطة او غصبا منه عليهم.

و(حُسْن السياسة)، عند الامام علي عليه السلام وشرط لبقاء الرياسة ونجاحها (غزارة العقل، وحسن التدبير، وسياسة النفس، والعدل بالرعية، والصبر على متاعب السياسة، واحتمال مؤونة الناس، وتجنّب التبذير، واستعمال الرفق بالشعب.. فهذه الحكم أشبه بعناوين لفصول تشريعية، ترسم السياسة الفاضلة والأخلاقية).. الدكتور حسن عباس نصر الله/ جمهورية الحكمة في نهج البلاغة.

و(حُسْن السياسة) عنوان لمجموعة حكم تشرح رأي الإمام في هذه القضية التي شغلت الناس على مختلف مشاربهم. هذه الحكم هي:

"فضيلة الرياسة، حسن السياسة"، "مَن حسُنت سياسته، دامت رياسته" ، "حسنُ السياسة، يستديم الرياسة"، "حسنُ السياسة، قوامُ الرعية".

مفردات هذه الحِكَم الأربع، هي أربع: الفضيلة، والحُسْن، والسياسة والرياسة. جاءت الرياسة منسوبة للفضيلة، والسياسة منسوبة للحسن.

الرياسة الفاضلة، تلتزم الرئيس الفاضل، الذي ينهج السياسة الحسنة، وفيها قوام الرعية، أي فرحها وسعادتها.. أقام الإمام تواصلاً بين هذه المفردات التي حوّلها إلى عناوين لنظرية الحكم، الرياسة بلا فضل لا تدوم، والسياسة بلا حسن تسقط، والحسن هو الجمال المطلق، أي جمال الباطن والظاهر، النيّة والعمل، والجمال لا يُنتج الشر، ولا يفارق الخير. "نفس المصدر".

والسلطة كما تعرّف: هي القابلية او القدرة على فرض الإرادة على الاخرين. وهذه القابلية او هذه القدرة يمكن ان تنشأ من مصدر مشروع منسجم مع القانون او من مصدر خارج اطار المشروعية، فتتخذ شكل القوة. وقد عرف العديد من المفكرين السلطة بانها (ممارسة نشاط ما على سلوك الناس). وهكذا يرى جيرهارد لييهولز في السلطة، القدرة على فرض الإرادة الخاصة بطريقة مباشرة او غير مباشرة على كائنات بشرية).. الامام علي ومشكلة نظام الحكم / الدكتور محمد طي

في رواية تحمل عنوان: ما لذة السلطة؟ للروائي لاديسلاف مناتشكو يجيب عن السؤال – العنوان: سؤال يحتمل وجهين، فاما يكون صيغة استفهامية تبحث عن ادلة توضح هذا المفهوم، او صيغة استنكارية تعرض البراهين على ان ماتقدمه السلطة لا يرقى الى مصاف اللذة وهي ليست جديرة بالتمسك بها.

والسياسة بما هي حكم – سلطة، فان الناس في معظمهم طلاب حكم –سلطة، لأجلهما في غالب الأحيان، الا عليا "عليه السلام"، ما طلب ذلك، لكنه حين اتى اليه، قبله للإصلاح وإقامة العدل وبناء المجتمع، فالدنيا عنده لا تعدل "عفطة عنز" والامارة عنده لا تعدل نعله التي يخصفها الا ان يقيم حقا. قال لابن عباس: ما قيمة هذا النعل؟ فأجابه: لا قيمة لها. فقال عليه السلام: والله لهي احب الي من امرتكم الا ان أقيم حقا، او ادفع باطلا..

كان هم علي "عليه السلام"، (إعادة صياغة النموذج على أساس الانخراط المطلق في مجتمع عقائدي يشعر الجميع في ظله بالأمان، ولا يمسهم قلق على مصيرهم او حقوقهم في هذا المجتمع. وكان لابد للصياغة الجديدة ان تنطلق من بيت الخليفة نفسه، اذا ما توقفنا عند حادثة أخيه عقيل، او مواقفه من ابن عمه عبد الله ابن عباس). جمهورية الحكمة في نهج البلاغة / الدكتور حسن عباس نصر الله..

هذا السلوك السياسي لم يكن مألوفا بالقياس ذاته فيما تقدم، وهو ما كان يثير المخاوف من وصول علي اليها، الامر الذي ادركه عمر بن الخطاب في معرض التقويم المنسوب اليه للصحابة الستة المؤهلين لخلافته، مستثنيا عليا بقوله: سيحملكم على طريقة هي الحق.. لبيب بيضون /الامام علي في رؤية النهج ورواية التاريخ

كان علي يقاتل في سبيل مشروع إصلاحي، يهدف الى بلورة مجتمع إسلامي نموذجي، متطابق مع روح التجربة التي وضع أسسها الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) في المدينة، وكانت بحاجة الى التكامل مع تجربة تحمل أيضا مشروعها الجذري، ولا تكتفي بالتوازن الذي يجعلها مهددة وغير محصنة.

يرى الامام علي في السلطة، ضرورة للدين وتطبيق احكام الشريعة، بما يحفظ حقوق المسلمين ويرعى شؤونهم الحياتية، محددا الى ذلك مهام "رئيسها" الامام، ومسؤولياته التي تتمثل أساسا في الحافظة على وحدة الامة "جمع الامر"، وتوزيع الثروة "الفيء"، واحقاق العدل "الانتصاف للضعيف من القوي" والدفاع عن حدودها "مجاهدة العدو". وهو ما عبر عنه بقوله : (نعم انه لاحكم الا لله.. وانه لابد للناس من امير بر او فاجر، يعمل في امرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر ويبلّغ الله فيها الاجل، ويجمع به الفيء، ويقاتل به العدو، وتامن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي، حتى يستريح به بر، ويستراح من فاجر). نهج البلاغة.

اذا كان علي (عليه السلام) وهو يعيش عصره حاضرا فيه بقوة، وصوته يعلو حتى يسمعه الجميع، ولا يهم لديه من ينقلب ضده مادام على المحجة البيضاء، فانه في زمننا الراهن، اذ نفتقد حضوره المادي المباشر، ولم نعد نسمع صوته الا عبر نهج بلاغته، فانه يستمر بالايماء الينا من بعيد، يذكرنا بغاية الحكم والهدف منه وهو العدل ولا شيء غيره.

لقد (جال الإمام (عليه السلام) في ميادين السياسة العادلة، (العدل السياسي)، وغزرت أقواله في تلاحمهما، لأنه عندما يتحقق العدل تنتشر السعادة، ويعمّ الخير، وينتصر الحق، ولا تستقيم السياسة بغير العدل، والغرض الأول لإقامة الدول هو تأمين العدل.

"خير السياسات العدل" ، "ملاك السياسة العدل"، "جمال السياسة، العدل في الإمرة، والعفو مع القدرة"، "العدل أفضل السياسيين" ، "بئس السياسة الجور".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4