مُذ كنت فتىً ترددتْ على أسماعي عبارة متى يكمل صناعة آلة الزمن. كان يدخل غرفته ويوصد الباب خلفه، لم أرَ تلك الغرفة إلا في بعض الأحيان عندما كنت أرافق أمي في جولات التنظيف.

كانت غرفة متواضعة ذات شبابيك كبيرة تطل على الساحل، أول مكان تقع عيناك عليه هو السماء البيضاء الممسوحة بالزرقة والساحل الذي كان على مد البصر.. لطالما جال فكري في أرجاء تلك الغرفة، بحثت مراراً عن الآلة التي كان يعكف أبي على صنعها ليل نهار.

قلت في نفسي: لعله خبّأها في درج من أدراج خزانته، كيف هي يا ترى، هل هي دائرية الشكل؟ يُقال أنها تحتوي على أزرار كثيرة عندما تكبس زر منها تكلمك تلك الآلة وتنقلك إلى الزمن الذي تريد...

هذه الأفكار ظلت معشّشة في عقلي لسنوات وسنوات.. رجعت ظهيرة ذات يوم منهك القوى جراء لعب الرياضة المفضلة لديّ (كرة القدم)، تمددت على فراشي الوفير في غرفتي وفجأة ومن غير سابق انذار هجمت عليَّ تلك الأفكار مجدداً، وفي هذا اليوم وهو العاشر من الشهر السادس في الساعة الثالثة ظهراً، رأيت قدميّ تقودانني إلى تلك الغرفة، كانت الغرفة نصف معتمة كأن الوقت فيها منتصف الليل وذلك بسبب ستائرها المنسدلة المائلة الى الون الأخضر الغامق، رائحة الرطوبة تفوح في المكان، رأيت المفكات بمختلف الأحجام والمسامير وقطع الحديد، كانت الغرفة مليئة بالأغراض وغير مرتبة كعادتها، فتشت عن تلك الآلة فرأيتها جنب مكتب أبي، وفي لحظة من لحظات العراك الداخلي، قمت بضغط زر من أزرار الآلة، وكتصوري تماماً قالت الآلة إلى أي زمن تريد السفر، فكرت في اختيار سنة (35) لسماعي أبي وهو يتحدث مع أمي صباح اليوم عن هذا الزمن، ولم أكن مهتماً كثيراً لكلامهما لانشغالي في التفكير بآلته تلك.

قالت الآلة 35 (هاء) أم (ميم)، سكت برهة من الزمن ثم قلت (هاء)، لم أكن أفهم (الهاء) إلا بعد فوات الأوان عندما أخذتني الآلة العجيبة وسافرتْ بي الى ذلك الزمن الغريب.

رأيت نفسي فجأة في شارع من شوارع مدينة لم أرها من قبل في حياتي، كانت غريبة بالنسبة لي بكل ما في هذه الكلمة من معنى، مليئة تلك المدينة بالمارة وتضج شوارعها بأصواتهم، كانت بعض كلماتهم غير مفهومة لي على الرغم من انها تنتسب الى لغتي اللغة العربية، قمت بجولة سريعة في أزقة المدينة، سألت أحد المارة ما اسم هذه المدينة يا عم؟. أجاب: انها الكوفة.

"الكوفة" يا للغرابة أين العمارات والفنادق والمحالّ، لماذا اختلف لبس الناس هكذا؟.

كان فرحاً والبهجة تعم المكان، شعرت بأن المكان قد لبس ثوب الحزن لزمن طويل وهذا هو وقت فكاك حزنه، الكل مستبشر وأحدهم يهنىء الآخر..

سمعت أحدهم يقول وأخيراً تحقق العدل، انتصر المظلوم على الظالم. صافح أحدهم الآخر شد على يده، أكثر الوجوه فرحاً كان رجلاً يبيع التمر تخيلت لساعة انه سيطير من شدة فرحه، ذهبت إليه علّه يخرجني من حيرتي، سألته يا عم ما الذي يحدث أين أنا؟.

تعجب من سؤالي له، وقال يبدو انك غريباً ومن منطقة بعيدة، ولكن لا عليك جئت في دولة العدل، كم كنا ننتظر هذه اللحظة لسنوات وسنوات وها نحن نشهدها.

قلت له: ولكن لهجتكم تختلف عنا ولباسكم أيضاً، في أي عصر أنا بالله عليك.

قال بائع التمر: أنت في زمن ولاية الإمام علي عليه السلام فقد أختير حاكماً للبلاد..

صعقت فور سماعي للخبر وتسمرت في مكاني، جفت شفتاي، ورجلاي بدأتا بالارتعاش، هل سأرى مولاي وجهاً لوجه حقاً، ما هذه الآلة العجيبة التي اخترعتها يا أبي!.

الآن فهمت خيار الآلة ميم أم هاء، اخترت التاريخ الهجري فأخذتني آلة الزمن للوراء لا الى المستقبل..

فنظرية نيوتن أثبتت عدم مصداقيتها إذ كان يقول إن الزمن كالقطار لا يعود أبداً للخلف، قطع صوت الآذان سلسلة أفكاري، ذهبت مع التمار للصلاة في المسجد، كان قلبي يخفق بشدة، ماذا أقول عندما ألتقي بمولى المتقين علي عليه السلام، يا لحسن حظي إذ جئت في هذا الزمن ويا لجمال سفرتي إذ سأصلي خلف ولي الله، صلينا في مسجد الكوفة، بعد انتهاء الصلاة فوراً سمعنا صوت يعلو من خارج المسجد، كان هناك رجلان متنازعان، أمر الامام علي عليه السلام بإحضارهما، دخل المتنازعان على الإمام علي عليه السلام، أمر الناس بأن يتنحوا جانباً لكي يمروا، أخيراً استطعت رؤية ذلك الوجه الملائكي، كان على أعواد من خشب تحمله، وثياب بسيطة تغطي جسمه العظيم، تعجبت لذلك المنظر إذ لم أرَ مسؤولاً بذلك الشكل قط، أين حمايته؟ سألت التمار الذي ما زال واقفاً جنبي، ابتسم وقال: لا حماية لمولاي فالكل فداه والسماء تحميه، كان ذلك المتكلم هو ميثم التمار، كما ضمنت عند علمي بسفري لعام 35 هـ .

رأيت المتنازعين يقفان عند الإمام، والإمام كله آذان صاغية لهما، قلت: يا تمار ألهذا الرئيس والإمام وقت كافٍ لسماع شكوى رجلين متنازعين في الشارع، لِمَ لا يكل هذا الأمر لأحد الجالسين؟.

ابتسم التمار وقال: يبدو انك لا تعرف الكثير عن دولة علي عليه السلام، كان نزاع الرجلين مضحكاً بالنسبة لي، ادعى أحدهما بأن الآخر باعه داراً، وفي تلك الدار شجرة والبائع يدخل للبيت ويخرج بحجة، انه باعه البيت ولم يبعه الشجرة، كان صوت الضحك يتعالى في داخلي لا استهزاءً بالموقف إنما مقارنة مشكلتهم بمشاكلنا في عصرنا، أراضي تُسلب، غرباء يدخلون ويخرجون، لا أحد يحرك ساكناً، أراد الإمام علي عليه السلام أن يحل الأمر سلمياً فعرض على البائع أن يشتري منه الشجرة، لكن البائع اعترض ولم يقبل أن يبيع الشجرة، فتجلت أمامي الحرية بأروع صورها، فالناس في دولة العدل، حرية الرأي وحتى لو كانوا على خطأ فإبداء الرأي وحرية التعبير من أجلى صور تلك الدولة.

ثار النزاع بين الرجلين، علت الأصوات بين مؤيد ومعارض، أردت الوصول للإمام لكي أبارك له إحقاق الحق وإنصاف المظلومين، لم أستطع الوصول إليه، صرخت من بين الجموع يا مولاي يا مولاي، فجأة فتحت عيني وجدت أمي بجنبي تنادي، خيراً يا ولدي خيراً إن شاء الله.

وإذا بي في غرفتي لا دولة العدل ولا ميثم التمار ولا المتنازعين، تمنيت في قرارة نفسي لو بقيت لفترة أطول معهم في ذلك الزمن... ابتسم أبي بعد معرفته بأمر الرؤيا التي رأيتها وقال لي: إن آلة الزمن موجودة في غرفتي إذا شئت اذهب وسافر عبرها..

استغربت كلامه ودخلت غرفته، لم أجد كحلمي حديد ومسامير، إنما وجدت أوراقاً هنا وهناك، كتب كثيرة وكتيبات صغيرة، مراجع ومخطوطات، وجدت مجلداً بخط أبي كُتب عليه عنوان (رحلة عبر الزمن)، فتحته وإذا بأبي قد أرخ كل شاردة وواردة في زمن الإمام علي عليه السلام، من بزوغ فجر ولادته حتى خسوف القمر بقتله، فهمتُ قصد أبي بأن آلة الزمن هو هذا المخطوط، ومن ذلك الوقت كان كتاب أبي هو آلة السفر عبر الزمن بالنسبة لي، أحلق به في فضاء الزمن متى أرغبُ وأريد.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0