يمكنني القول أن أول حسينية ومجلس للمصاب على أهل بيت رسول الله، تأسس على يد أمير المؤمنين وبإدارة من شخص الصديقة الزهراء، عليهما السلام، عندما اضطر لبناء "بيت الاحزان" خارج المدينة ليكون المحل المخصص للبكاء على فقد رسول الله، بل والبكاء على مصابه مع أمته الناكرة للجميل...

"إن القلب ليحزن والعين لتدمع، ولا نقول إلا ما يُرضي الربّ"

رسول الله، صلى الله عليه وآله، في رثائه لابنه ابراهيم

أجمع علماء النفس على أن البكاء يُعد استجابة عاطفية للانسان إزاء قضايا يتعرض لها في حياته، منها؛ العجز عن مواجهة موقف مناقض لحالته الطبيعية، مثل موت عزيز، او توديع مسافر، او التعرض لصدمة نفسية مفاجئة، مثل؛ الفشل في الدراسة، او الخسارة في مباريات رياضية، مما خلق تصوراً شائعاً بأن هذا الفعل الذي يكون على الأغلب لا إرادياً، مدعاة للضعف والهشاشة أمام الطرف المقابل؛ وهذا ينطبق على كون الباكي امرأة أو رجلاً، بالمقابل ثمة تصوراً بأن الغضب والقسوة، من مفردات القوة والتماسك، وهذا ما ورثناه من التاريخ الاجتماعي للعرب قبل بزوغ فجر الاسلام في الجزيرة العربية، إذ كان الرجل العربي يأنف لذرف الدموع وإن كان على موت أعزّ الناس. 

الصديقة الزهراء التي نعيش هذه الايام ذكرى استشهادها الأليم، لم تغير هذه المعادلة الجاهلية على صعيد المجتمع بشكل عام، وإنما قدمت صورة جديدة للمرأة منذ اربعة عشر قرناً من الزمن، تكون فيها قوية وعزيزة وهي تذرف الدمع السخين على عزيز لها، وفي خطوة متقدمة لصياغة نظرية علمية في مجال السلوك البشري تجعل مما يعده البعض علامة ضعف و هوان، الى عامل قوة ومنعة أمام قوى غاشمة تنتهك حقوقها من خلال توظيف مشاعر وعواطف خاصة وهبها الله –تعالى- لها دون الرجل لتواجه الظلم والعدوان بغير السلاح الذي يستخدمه الطرف المقابل، وبما يفند شرعية أفعاله وجرائمه، ويميط اللثام عن وجهه الحقيقي أمام الرأي العام، وهذا تحديداً ما نجحت في تحقيقه، عليها السلام، في مواجهتها المحتدمة مع قوى الباطل بعد استشهاد أبيها رسول الله، وحصل ما حصل من انتهاك لحرمته والتنكّر لوصاياه بشأن حقوق أهل بيته.

البكاء من أجل قضايا كبرى

بلى؛ تعرضت الصديقة الزهراء لآلام مبرحة جراء اقتحام الانقلابيين دارها، وإضرام النار فيه وهي موجودة بداخله مع أمير المؤمنين، عليهما السلام، كما تعرضت للأذى النفسي بعد قرار غصبها أرض فدك، بيد أن بكائها فيما بعد كان للفراغ المريع الذي خلفه أباها في الأمة الحديثة الايمان، فكان أول نحيب لها في مسجد رسول الله قبل أن تنطلق في خطبتها الفدكية المدوية، وقد نقل عبد الله بن الحسن المثنى بن الامام الحسن المجتبى، عليه السلام، الرواية كاملة بأنها: "دَخَلَتْ عَلى أَبي بَكْر وَهُو في حَشْدٍ مِنَ المهاجِرين والأَنصارِ وَ غَيْرِهِمْ فَنيطَتْ دونَها مُلاءَةٌ، فَجَلَسَتْ، ثُمَّ أَنَّتْ أَنَّةً أَجْهَشَ القومُ لها بِالْبُكاءِ. فَارْتَجَّ الْمَجلِسُ"، وفيما رواه الشيخ الصدوق عن عبد الله بن عباس في "أماليه"، أن رسول الله بكى بحرقة في ساعاته الأخيرة، ولما سُئل عن سبب بكائه قال: "ابكي لذريتي، وما تصنع بهم شرار أمتي من بعدي"، فسمعت ذلك فاطمة فبكت، فقال لها رسول الله: لا تبكي يا بُنية، فقال: لست أبكي لما يُصنع بي من بعدك، ولكنّي أبكي لفراقك يا رسول الله. (أنوار الزهراء- السيد حسن الابطحي).

إنه بكاء الوعي والاعتراض على واقع فاسد لا تعيشه الصديقة الزهراء وحدها، وإنما سائر أفراد الأمة، منذ تلك الأيام وحتى يومنا هذا، والى يوم القيامة، وإلا فان نساء كُثر في التاريخ ذرفن الدمع على أعزّة عليهنّ، أو ندبن حظهن العاثر لاختيار الزوج الخطأ، او حتى تعرضن لفشل في الدراسة، أو حتى الحصول على فرصة العمل الحكومي (التعيين) كما هو حال الكثير من الفتيات والنساء اليوم، فقد يكون بكاء المرأة والفتاة غريزياً وأمر واقع، بيد أن المرتبة الأعلى منه في مدرسة الصديقة الزهراء هو بكاء الاعتراض والاستنكار على ما يفعله الطغاة بانحرافهم عن أحكام وقيم السماء، وما يستتبع هذا من إلحاق الظلم ليس بامرأة أو فتاة واحدة، وإنما بجميع الفتيات والنسوة في الامة جمعاء. 

هذا الدرس العظيم كان أكبر من استيعاب وفهم رجال المدينة قبل اربعة عشر قرناً عندما أعربوا عن امعتاضهم من صوت بكاء الصديقة الزهراء على أبيها رسول الله، وطلبوا من أمير المؤمنين أن تختار الليل أو النهار للبكاء! وهذا يعني أنها كانت تفعل هذا عن قصد بإيصال صوت الاعتراض والاستنكار الى بيوت المسلمين ليسمع الرجال والنساء والاطفال، ثم ليسألوا ويبحثوا عن السبب علّهم يهتدوا السبيل ويكتشفوا الحقيقة، ولكن المشكلة "أن شيوخ المدينة لا يعرفون حق رسول الله، وقدره ومنزلته، فلو كانوا يعرفون ذلك لكانوا يشاركون ابنته الوحيدة في البكاء ويساعدونها في ذرف الدموع على أشرف ميت وأعزّ فقيد، ويا ليتهم حين لم يشاركوها ولم يساعدوها كانوا يسكتون ولا يمنعوها عن البكاء على مصائبها العظيمة، ولكنهم معذورون، لأن السياسة فرضت عليهم أن يمنعوا حبيبة رسول الله عن البكاء على سيد الانبياء". (فاطمة الزهراء من المهد الى اللحد- السيد كاظم القزويني).

مأسسة البكاء 

على هذا النهج سارت نساء أهل بيت رسول الله، والنسوة والفتيات المؤمنات طوال فترة وجود الأئمة المعصومين، عليهم السلام، وفي المقدمة طبعاً؛ الحوراء زينب، التي رفعت لواء الطف وما تزال، فهي لم تبكِ على نفسها الملكومة والمصدومة باستشهاد أخيها الامام الحسين، والرجال من أهل بيتها، بقدر ما بكت على مظلومية المصلح والقائد الضائع بين جهّال الأمة، لذا كان جوابها لابن زياد المتبختر بالنصر بقتله الامام الحسين وأهل بيته، بأن "مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلاً، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ فَبَرَزُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَسَيَجْمَعُ اللَّهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ فَتَحَاجُّ وَتُخَاصِمُ، فَانْظُرْ لِمَنِ الْفَلْجُ يَوْمَئِذٍ، ثَكَلَتْكَ أُمُّكَ يَا بْنَ مَرْجَانَة"!

يمكنني القول أن أول حسينية ومجلس للمصاب على أهل بيت رسول الله، تأسس على يد أمير المؤمنين وبإدارة من شخص الصديقة الزهراء، عليهما السلام، عندما اضطر لبناء "بيت الاحزان" خارج المدينة ليكون المحل المخصص للبكاء على فقد رسول الله، بل والبكاء على مصابه مع أمته الناكرة للجميل. 

ومن ذلك الحين كان البكاء الكلمة الأولى في إعلام أهل البيت، عليهم السلام، لخلق رأي عام مستدام، ومواجهة دائمة مع جبهة الباطل والانحراف، فالناس في كل مكان، كما أنهم يبكون لمصاب الامام الحسين، كونها المصاب المحوري في مسيرة أهل البيت، فانهم يبكون ايضاً على فقدان أيّ مؤمن يقضي نحبه في طريق التضحيات من أجل قيم الحق، لتكون الدموع التي تذرف عليه بمثابة كلمات صاعقة وشعارات مدوية ضد سلطات الجور والطغيان.

اضف تعليق