رنّ خبر وجود فاطمة بنت أسد داخل الكعبة، في آذان جميع نسوة مكة المتوقعات لحظة ولادتها.

ما الذي دفعها للّجوء الى هذا المكان المكعب الشكل والمغلق أمام عامة الناس إلا للخواص؟

ثم كيف دخلت من دون أن يفتح لها أحدٌ الباب؟

هذا السؤال الأكثر حيرةً لدى جميع أهل مكة.

خرجت فاطمة من باب الكعبة وليس من شقّ الجدار الذي التأم فور دخولها، وهي حاملة علياً على يديها، فكان في استقبالها بادئ ذي بدء؛ أبو طالب في لحظة فرح وسرور لا توصف، ثم تناوله ابن عمّه المصطفى محمد، وهو حينذاك ابن الثلاثين عاماً، ولم تبلغه رسالة السماء بعد، فكان الحنو عليه ثنائياً؛ من أبيه المتدفق حناناً و رقّة في القلب والنفس، ومن ابن عمّه المدخّر له مستقبلاً استثنائياً يفوق حدود الزمان والمكان.

لم تنقطع الاسئلة حول هذا المولود الجديد، لاسيما من النسوة؛

لماذا لم يرضع عليّ من أمه فاطمة؟!

يا له من سؤال مثير يطرح نفسه بقوة في الواقع الاجتماعي آنذاك، الفاقد لأي بديل آخر لتغذية الطفل الوليد!

كرامات غيبية وأخرى حضورية حظي بها علي بن أبي طالب، بدءاً من أول خطوة لأمه باتجاه الكعبة المشرفة، ومخاطبتها للرب بأن يسهل أمر ولادتها، كما فعلت الشيء نفسه قرينتها مريم بنت عمران، فكان انشقاق جدار الكعبة لها لأول مرة منذ تشييده على يد ابراهيم الخليل، ثم تناول النبي الأكرم الوليد الميمون في لحظاته الاولى ليزقّه من ريق فمه غذاءً من نوع خاص لم يحظ لأحد من العالمين، فقد فاق في مكوناته ما يُعرف عن حليب الأم، الى شموله كل ما يغذي بدنه و روحه من الكمالات الخاصة.

نقرأ في المصادر أن هذه التغذية النبوية والسماوية استمرت لفترة طويلة قبل أن يسلّمه الى أمه فاطمة المبهورة بهذه الحظوة لما لها من جذور الإيمان والمعرفة بما تجهله سائر نساء زمانها.

الأمير الصغير

درج عليّ بين يدي ابن عمّه المتطلع الى نور النبوة في السماء، فكان ينمو بدنياً ويترعرع نفسياً في ضوء هذا النور ليتميّز تدريجياً عن حركات وسكنات سائر أقرانه من الصبيان في مكة، فقد بدت عليه الفطنة، والفراسة، وحب الخير، حتى حانت اللحظة التاريخية الحاسمة ببزوغ فجر النبوة بأول نزول للوحي بآيات من كلام الله المجيد على صدر النبي المصطفى محمد.

لم يتأخر عليٌّ عن الإيمان بالرسالة السماوية بعد إيمان خديجة، فقد روي عنه، صلوات الله عليه: "كنت أول الناس إسلاماً، بُعث النبي يوم الاثنين وصليت معه يوم الثلاثاء، وبقيت معه أصلي سبع سنين حتى دخل نفرٌ في الإسلام". (من حياة أمير المؤمنين، المرجع الديني الراحل السيد محمد الشيرازي).

وفي نفس المصدر كان عمر علي في سابقيته للإسلام؛ عشر سنين، فجاء إيمانه كتحصيل حاصل لتلك الايام والسنوات التي قضاها عليّ بين يدي رسول الله، متحدياً كل الأعراف الجاهلية المكبلة للطاقات والقدرات الانسانية، فلم يحفل باستهزاء رؤوس الشرك من قريش في ذلك الاجتماع الذي دعا اليه رسول الله استجابة للنداء الإلهي: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ}، (سورة الشعراء، الآية:214)، عندما أعلن رسول الله لأول مرة، علياً خليفة له، وأميراً للمؤمنين، فانبرى نفرٌ من المشركين بالقول لأبي طالب: "عليك بإطاعة ابنك"، وحتى أبوطالب، الرجل الكبير في عقله وإيمانه، تجاهل هذه التخرصّات ممن يراهم قد انقضت ايامهم وانطوت مرحلتهم الى الأبد.

باكورة ظهور عليّ في مسيرة الرسالة في صباه، عندما تحول الى جندي يدافع عن رسول الله أمام محاولات المشركين الإساءة اليه، وذات مرة شكى الى عليّ تجرؤ الصبيان المُغرر بهم من قبل كبار المشركين بإلقاء الحجارة على النبي، فقال: بأبي وأنت وأمي، يارسول الله، اذا خرجت فأخرجني معك. فخرج رسول الله، ومعه أمير المؤمنين، فترّض له الصبيان كعادتهم، فحمل عليهم، وكان يقضمهم في وجوههم وآذانهم وأنوفهم، فيرجعون الى آبائهم باكين ويقولون: قضمنا علي، فسُمي لذلك: القضم". (علي من المهد الى اللحد، المرحوم آية الله السيد كاظم القزويني).

هذه الصولات كانت تمثل فرصة ثمينة لا تعوض لعليّ لأن يكون في قادم الأيام اليد الأولى الضاربة بين يدي رسول الله عندما تشكّل كيان الإسلام في المدينة، ومن ثم يتحول الى فتى السماء الحامل لسيف ذي الفقار.

صبرٌ من نوع خاص على فراش الموت

صحيح إن أبا طالب هو الذي جاء بابنه عليّ الى فراش النبي الأكرم ليلة هجرته تحت جنح الظلام ليوهم المتآمرين على قتله بأنه لم يغادر بيته، بيد إن القرار النهائي بيد عليّ، و أي شخص مكانه في تلك اللحظة، وفي أي زمان ومكان، سيجد الصور الدموية تتهافت في مخيلته وهو يتعرض لاغتيال مميت لا محالة، بيد إن عليّاً كان ذلك الصبور عند الشدائد منذ نعومة أظفاره، قد وطّن نفسه ليكون الدرع الواقي للنبي، و في قادم الأيام؛ يكون الدرع الواقي لمسيرة الإسلام وتقدمه في الحياة، وانتشاره في الآفاق، مهيئاً نفسه لكل اشكال الضغوط والمنغّصات والتحديات منذ أن وطأت قدمه أرض المدينة، واندماجه بالمجتمع الاسلامي الأول، وما تخلله من صدام مباشر مع أخطر فئة في المجتمع الاسلامي الأول، ألا وهي؛ المنافقين، لكن؛ صبره كان بحجم شجاعته، و رباطة جأشه الفريد من نوعه بحجم يقينه وإيمانه، ليبين للمجتمع الاسلامي وللأمة على مر التاريخ مواصفات الخليفة الحقيقي لرسول الله، فأصبح أميراً للمؤمنين.

اضف تعليق