العقيلة زينب لم تكن تريد الشجاعة والتمكين والقدرة والهيبة لنفسها، بقدر ما أرادته للرسالة وللقيم، ثم لأفراد الأمة ليكونوا مؤهلين لحمل هذه الرسالة التي ضحى من أجلها جدها المصطفى، وأبيها امير المؤمنين، وأخويها والصفوة المؤمنة من ابناء هذه الامة، لم تفكر لحظة واحدة بنفسها وذاتها وشخصيتها، ولذلك اصبحت "زينب جبل الصبر"، و "زينب سر ديمومة النهضة الحسينة"...

"شاء الله أن يراهُن سبايا".
الإمام الحسين، في تعليله لاصطحابه النساء الى كربلاء

لحظة ولادة السيدة زينب كان يمثل فرحة عارمة لأهل بيت النبوة، لأنها المولود الأنثى الأول للسيدة الزهراء ولأمير المؤمنين بعد الحسن والحسين، وكان رسول الله في رحلة خارج المدينة، فما أن وصل حتى قصد دار ابنته الزهراء فوراً، لتكتحل عيناه بوجه هذا المولود البهيّ.

ولكن! هذه الولادة العطرة كانت تحمل أنباء الحزن والشجن على هذه المولودة، فيمكننا عدّ السنوات السبع من عمر السيدة زينب في حياة جدّها رسول الله؛ من السنة السادسة وحتى الثالثة عشر للهجرة، حيث انتقل الى جوار ربه، هي سنوات الاستقرار النفسي، والبهجة والحبور قبل ان تعصف رياح الفتن والاضطرابات، ويبدأ مسلسل المصائب ليواكب حياة السيدة زينب الى مماتها.

كيف تعاملت مع تلكم المصائب والاحداث المصيرية، بدءاً من وفاة جدّها المصطفى في ظروف غامضة، ثم حادثة الاعتداء على الدار، وما جرى على أمها وأبيها، ومن ثم استشهاد أمها الزهراء متأثرة بجراح غائرة في البدن، وأخرى في النفس من ظلم وانحراف الأمة، وفي مرحلة تاريخية لاحقة، شهدت الحروب والفتن بوجه أبيها أمير المؤمنين، واستشهاده في محراب صلاته، وبعدها بوقت قصير؛ استشهاد أخيها الحسن بالسُمّ، واستشهاد أخيها الحسين بالسيف على يد أهل الزيغ والضلال؟

ماذا يعني؛ ابنة زعيم خمسين دولة؟!

المال، الجاه، المنصب؛ عوامل من شأنها التخفيف من وطأة الازمات على النفس، و ربما يتعكّز عليه البعض للقفز على واقعه غير المرغوب فيه، الى ما يحلم به ويريد، بيد أن السيدة زينب ابنة أمير المؤمنين، أصرّت على اقتحام الازمات بروح المسؤولية دون كلل او ملل، فبعد خمسة وعشرين سنة من إقصاء والدها من الحياة السياسية، ترى أنه أصبح زعيم الدولة الاسلامية "رسمياً"، مع كونه الإمام المفترض الطاعة على أبناء الامة، وحسب المؤرخين فان الدولة الاسلامية آنذاك كانت تضم حوالي خمسين دولة وفق التقسيمات الجغرافية المصطنعة في الوقت الحاضر.

سكنت العقيلة زينب مع زوجها عبد الله بن جعفر الطيار في حجرة متواضعة في ظهر دار الإمارة بالكوفة بجوار أبيها أمير المؤمنين، وسائر افراد اسرتها بعد أن هجروا جميعاً دار الإمارة، تأكيداً لاستنكارهم لسيرة من سبقهم في التعامل مع بيت المال.

كان بالإمكان تعويض ما فات من الاضطهاد والحرمان تحت شعار "هذا حقّي"! بيد أن هذه المِكنة والفرصة المؤاتية ليست لشخصية مثل العقيلة زينب التي لم تكن تبحث عن "التمكين"، وعن الذات فيما أباها أمير المؤمنين موطناً نفسه على تطبيق أحكام الله، وتحكيم قيم الحق والفضيلة، ومنها؛ العدل، والمساواة، والحرية.

بدلاً من هذا، اختارت العقيلة لنفسها أن تكون معلمة أحكام الدين لنساء الكوفة استجابة لطلب جمعٍ من الرجال استأذنوا أمير المؤمنين أن تأتي بناتهم ونسائهم الى دار ليتعلموا الأحكام والآداب على يد عقيلة بين هاشم، وكان الرد بالايجاب، وكما عهدنا مع التاريخ ظلمه للعباقرة والعظام في شحّة الحديث عن سيرتهم وتفاصيل حياتهم رغم حاجة الاجيال اليها، فكم عدد النساء اللاتي وفدن على درس العقيلة؟ وكم هي الفترة التي استغرقت هذه الدورات المضيئة؟!

الشجاعة أمام الباطل

خوض المواجهة مع قوى الباطل والانحراف في المجتمع والدولة لا ياتي بتصريحات، او كلمات تقال، او حتى افكار تنشر هنا وهناك، بقدر ما يتطلب الأمر أرضية صلبة من الوعي بما يجري من تطورات على الصُعد كافة، وفهم الواقع الاجتماعي والسياسي بما يمكّن صاحبه من استيعابه ثم التأثير عليه، وهذا ما سهل تقبّل قرار الامام الحسين لاصحطابها مع جمع من نسائه الى كربلاء، مع علمها اليقيني بما سيجري عليها بعد استشهاد أخيها، ربما قبل أن يصرّح الامام الحسين لمن سأله عن علّة اصطحابه النساء الى معركة يقتل فيها لا محالة؛ "شاء الله أن يراهُنّ سبايا".

ومن حق كل امرأة أن تسأل: كيف يمكن لإمرأة أن تجمع بين المنزلة الاجتماعية لأسرتها، وحالة الأسر أو الاعتقال بإرادتها على يد أناس تخلّوا عن الدين والأخلاق والانسانية ؟

السيدة زينب عرفت كل شيء، وفمهت الاوضاع بعمق، بما يمكن القول معه؛ كانت النسخة الانثوية للقيادة الرسالية المتمثلة بالإمام الحسين، ولعل هذا ما جعلها تكون مؤهلة للتعامل مع محنة السبي المؤلمة، يكفي أن نكتشف قمة ذكائها في اختيار المنطقة الوسطى لخيمتها في كربلاء أمام خيام النساء، وخلف خيام الرجال، وتحديداً خلف خيمة أخيها الامام الحسين، لتراقب أوضاع النساء والاطفال، وفي الوقت نفسه؛ تراقب التحركات العسكرية وآخر أوضاع المعسكر، "بحيث تشرف على الخيام جميعاً، فهي ترى خيام النساء، ولا تراها خيام الرجال"، (السيدة زينب قدوة المرأة الصالحة- محمد كاظم الحسيني).

إن النفاق والازدواجية والخذلان وغيرها من النتوءات النفسية لأهل الكوفة آنذاك، لم تكتشفها العقيلة زينب حال دخولها مسبية لهذه المدينة، فهي من عاصرت ما جرى على أبيها في فترة حكمه، وراقبت عن كثب كل ما صدر من طائفة منهم مما تسبب لأمير المؤمنين الأذى النفسي الكبير وهو يدعوهم لنصرة الحق بينما كانوا متشوقين لنصرة الباطل، فقبل ان يخذلوا مسلم بن عقيل، ومن ثمّ؛ الامام الحسين، كانوا قبل خذلوا أمير المؤمنين، والامام الحسن.

فمن اجل ان تواصل حمل راية الإصلاح في المواجهة الاعلامية والثقافية، بعد سقوطها لفترة وجيزة في المواجهة العسكرية على أرض كربلاء، كان عليها التحلّي بشجاعة من نوع خاص لتكون بمستوى مسؤولية قضية حضارية كبرى، وكانت كذلك عن جدارة فائقة، عندما وجهت ضرباتها القاصمة الى ما هو أبعد من المجتمع الكوفي المغلوب على أمره، حيث رؤوس الضلال فألقت عليهم حمماً من الحجج والبراهين كشفت بها حقيقتهم أمام الناس، وسلبت شرعيتهم السياسية والدينية بتلك الخطب اللاهبة بوجه عبيد الله بن زياد في الكوفة، و بوجه يزيد في الشام.

العقيلة زينب لم تكن تريد الشجاعة والتمكين والقدرة والهيبة لنفسها، بقدر ما أرادته للرسالة وللقيم، ثم لأفراد الأمة ليكونوا مؤهلين لحمل هذه الرسالة التي ضحى من أجلها جدها المصطفى، وأبيها امير المؤمنين، وأخويها والصفوة المؤمنة من ابناء هذه الامة، لم تفكر لحظة واحدة بنفسها وذاتها وشخصيتها، ولذلك اصبحت "زينب جبل الصبر"، و "زينب سر ديمومة النهضة الحسينة".

اضف تعليق