"إذا أردت عزّاً بلا عشيرة وهيبة بلا سلطان باخرج من ذلّ معصية الله الى عزّ طاعة الله".

الامام الحسن، عليه السلام

ولد الإمام الحسن المجتبى، عليه السلام، فشعّ البيت العلوي بنور أول سبط لرسول الله، صلى الله عليه وآله، وأول ثمرة مباركة من زواج علي من فاطمة، فكانت فرحة النبي عارمة بهذا المولود الذي قطع على المشركين والمنافقين دعواهم بأن النبي أبتر، فها هو الحسن يشقّ الطريق لنسل رسول الله الى يوم القيامة، ثم جاء من بعده أخيه الحسين، عليه السلام، ليماشيه في الطريق نفسه، فهما ريحنتاه من الدنيا، وسيدي شباب أهل الجنة.

أمضى الحسن سبع سنين تقريباً في حضن جدّه رسول الله، ينهل من أخلاقه وصفاته وخصاله، فقد أخذ منه الحلم، والعلم، والحكمة، والتواضع، كما أنه شمّ رائحة الوحي، و أبصر تعاليم الرسالة والسماء منذ نعومة أظفاره، فكانت هذه السنين تمثل المقدمة السعيدة والبهيجة لمراحل مفجعة ومؤلمة في حياته بعد وفاة جدّه، وبعد فترة قصيرة، فقدانه أمه الصديقة الطاهرة، ليعرف أنه مقبل الى مِحن عظيمة؛ بينه وبين الله –تعالى- وهو ثاني الأئمة المعصومين المنصوص عليهم من السماء، ثم بينه وبين الأمة التي ستكون الشاهدة والمشهودة على كل ما حصل وجرى على الإمام الحسن المجتبى، عليه السلام.

الأمة ومِحنة المال

رغم ما كُتب في التاريخ من المظالم والتمييز في العطيّة في عهد الحكام الثلاثة من بعد رسول الله، وما تسببوا به من ايجاد طبقة فقيرة ومهمشة في المجتمع الاسلامي، فان عودة أمير المؤمنين الى الساحة السياسية، وتوليه الحكم ضخت دماء جديدة في جسد الأمة، جعلها تستنشق العدل والمساواة والحرية والعيش الكريم، فحتى اللحظات الاخيرة من حياته، سلام الله عليه، لم يكن ثمة أحد يشكو الجوع والعوز، ولا الاضطهاد والظلم، إلا بعض الحالات الفردية هنا وهناك، حتى أنه خاطب قاتله؛ ابن ملجم بلهجة يندر أن تصدر من شخص يتعرض للاغتيال يخاطب من ينوي قتله: "ويلك لم فعلت هذا؟! أبئس الإمام كنت لك"؟! وقبل فعلته الشنيعة والمدوية في التاريخ، كان الإمام يستقبله و يحترمه ويجزل له العطاء، فلم يكن شاكياً قط.

وعلى هذا النهج النبوي- الرسالي سار الإمام الحسن، عليه السلام في الأمة، فالمهم لديه ليس أن يصل الى قمة الحكم، وإنما تلامس الأمة قيم ومفاهيم السماء بكل مشاعرها، ثم تعيها وتؤمن بها لتكون ثقافتها في الحياة، فعندما كانوا يتحدثون عن التسامح والتعاون والصدق والأمانة والوفاء، كانت غاية أهل البيت ان تتجسد في سلوك الناس، لذا كان يجسدون كل هذه المفاهيم والقيم وهم يعيشون بينهم، وبين فترة وأخرى يسجل التاريخ: "الله أعلم حيث يجعل رسالته".

مع ذلك؛ يبدو أن بقايا من الثقافة الجاهلية كانت تتفاعل وتغلي في نفوس البعض، أبرز هذه البقايا؛ حب المال، وعدّه رمزاً للقوة والمنعة والوجاهة الاجتماعية، أما العدل فلم يرو غليل من يحبون المال حبّاً جمّا، والى هذا أشار عبد الله بن العباس الذي أنفذه الإمام الحسن الى البصرة والياً في بداية توليه الحكم، بأن ما فرّق الناس عن أباك –مضمون الرواية- عدم بذله المال على الناس او الجُند، وهذا ما كان يفعله معاوية المتمرس بالرشوة وشراء الضمائر والبحث عن مفاصل القوة مثل شيخ العشيرة او رئيس القبيلة، او المحدثين والرواة ممن شهدوا رسول الله، وسمعوا كلامه، ولهؤلاء بالغ التأثير على نفوس الناس، فهم مصدر ثقتهم، وهذا لا يعني أن الامام الحسن ترك افراد الأمة يعانون شضف العيش، يشكون الفقر وقلّة ذات اليد، لاسيما من كانوا في صفوف الجيش لمواجهة تمرد معاوية وأهل الشام، فقد جاء في مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الاصفهاني أن "اول شيء أحدثه الحسن أنه زاد المقاتِلة مئة مئة، وقد كان علي فعل ذلك يوم الجمل، والحسن فعله على حال الاستخلاف"، بمعنى أن الإمام ضاعف رواتب الجنود ليسد أي حاجة لهم، فيقاتلوا وهم مطمئنين على عوائلهم.

فأين كانت مشكلة جيش الإمام الحسن حتى يخذله ذلك الخذلان المريع ويجبره على مهادنة معاوية وتسليم الحكم له؟

إنها مشكلة الطمع بالمزيد، فقد كانت الثغرة الخطيرة لأصناف التوجهات في جيش الامام كما ذكره المؤرخون، فقد كان الشكاكون، والمحكّمون، من بقايا الخوارج، وأهل العصبية القبلية من اصحاب الطاعة العمياء لكبرائهم قبل طاعة الدين، جميع هؤلاء تتجمع كلمتهم على حبّ المال، بل كان هو الثغرة الكبيرة في نفوسهم، وهو ما أدركه معاوية جيداً، فراح ينثر الاموال على قادة الجند ليفكك عُرى التماسك في جيش الإمام، عليه السلام، وهذا ما حصل لأقرب المقربين من الإمام، وهو عبيد الله بن العباس، الوالي من قبل أمير المؤمنين على اليمن، ثم جعله الامام الحسن قائداً لجيش جرار قوامه اثني عشر ألف فارساً، وتحدث اليه بلهجة ملؤها الرقّة والحنان والرجاء: "يا بن عم! إني باعث معك اثني عشر ألفاً من فرسان العرب وقراء المصر، ألِن لهم جانبك، وابسط وجهك، وافرش لهم جنابك، وادنهم من مجلسك، فانهم بقيةُ ثقة أمير المؤمنين، و سِر بهم على شط الفرات، ثم امض حتى تستقبل معاوية، فان أنت لقيته فاحبسه حتى آتيك فإني في إثرك وشيكاً"، وفي الوصية حرص أبوي من الإمام على المؤمنين المخلصين من شيعة أبيه، وكان من في مقدمة هؤلاء؛ قيس بن سعد بن عبادة الانصاري، وسعيد بن قيس، حيث أوصاه بمشاورتهما قبل اتخاذ أي قرار.

هذا الرجاء، وهذه الثقة العالية، والمودّة لم تنفع عبيد الله بن العباس وقد ران على قلبه، فلم ينتظر معاوية طويلاً لاستلام ردّه على رسالة الخيانة والغدر، فجاءته الموافقة على الرشوة المغرية بمليون درهم مقابل التخلّي عن بيت الرسالة السماوية والعودة الى الجاهلية الأموية، والتنكّر لكل تضحيات النبي وأمير المؤمنين، وما حصل عليه؛ هو وإخواته وابيه، من الكرامة والعزّة في ظل الاسلام.

المال النظيف يُحيي النفوس

عشر سنوات أمضاها الامام الحسن المجتبى في مدينة جدّه بعيداً عن الحكم، لكنه أقرب الى سياسة الناس والأمة بأروع ما يكون، فهو الإمام المفترض الطاعة بنصّ حديث رسول الله: "الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا"، فهو لم يتوقف من السخاء، ولم يغادره حلمه قط، فاستحقّ بجداره لقب: كريم أهل البيت، عليهم السلام.

لنتصور شخصٌ تغدر به الأمة، وتتنكّر له ولمنزلته ومكانته من الاسلام ومن رسول الله، وتفضّل عليه شخص مثل معاوية، وما له ولأسرته من تاريخ يعجز عنه الوصف، مع ذلك يبقى الحليم، والودود، والكريم للجميع، حتى لمن يواجهه بالسبّ والشتم، له ولأبيه، أمير المؤمنين، وكان شامياً، بمعنى أنه مدعوم من مركز القرار والقيادة، هذا والإمام لا يتكلم بشيء، ولمّا فرغ من سبابه، أقبل عليه مبتسماً ومسلماً، وقال: يا شيخ أظنك غريباً، ولعلك شُبهت، فلو استعتبنا اعتبناك، ولو سألتنا اعطيناك، ولو استرشدتنا ارشدناك، وان كنت محتاجاً اغنيناك، وان كنت طريداً آويناك، وان كانت لك حاجة قضيناها لك، لما سمع الرجل كلامه بكى، ثم قال: اشهد انك خليفة الله في راضه، الله اعلم حيث يجعل رسالته، وكنت أنت و أبوك أبغض خلق الله إلي، والان أنت أحب خلق الله الي.

جاءه بعض الأعراب في حاجة فقال الامام أعطوه ما في الخزانة، فكان نصيبه عشرين ألف درهم، فقال الاعرابي: يامولاي! ألا تتركني أبوح بحاجتي؟ فبادره الامام:

نحن أناسٌ نوالنا خَضِلٌ

يرتع فيه الرجاء والأملْ

تجودُ قبل السؤال أنفسنا

خوفاً على وجه من يَسَلْ

لو علم البحر فضل نائلنا

لفاض من بعد فيضه خجِلْ

وكتب التاريخ مليئة بحكايات السخاء والكرم للإمام الحسن المجتبى لابناء الأمة، بغضّ النظر عمّن يحبه او لا يحبه، أو هو من شيعته أو من آخرين، يكفي أنه انسان مسلم يكشف عن ضائقة مادية فيكشفها الامام فوراً، وأكثر من هذا؛ جارية له تهديه "طاقة ريحان"، كما في المصادر، فيجيبها بـ "أنت حرّة لوجه الله"، فيُسأل عن هذا، والجارية يومذاك ربما تكون بسعر سيارة فارهة في هذا الزمان، فيقول: ادبنا الله بقوله: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا}.

هذه الخصلة تحديداً، الى جانب خصال ومكارم وفضائل، هي التي تشكل لُبنة في بناء المجتمع الاسلامي السليم، وتقوّم سلوك الامة، وتعمّق وعيها وثقافتها على المال الحلال، والحذر من مغبة السقوط في مستنقع الاغراء مهما كانت الظروف، وكان سائر الأئمة المعصومون، عليهم السلام، في هذا الطريق، وفي مقدمتهم؛ الامام الحسين، عليه السلام، فان سخاءه بالماء لفرسان الحر الرياحي، ماتزال تمثل علامة استفهام لدى بعض المؤرخين والباحثين.

بهذا السخاء والكرم انتصر الامام الحسين، عليه السلام، على السيف، وقبله أخاه، الامام الحسن، انتصر على معاوية بحكمته وأخلاقه الرفيعة، وهكذا الأئمة من بعدهم، فهم يقودون الأمة بالمفاهيم والقيم النبيلة الى الأمان والحرية والرفاهية، أما سياسة الترغيب والإغراء ومنح الامتيازات فهي التي تدفع بالأمة وبالبلاد الى شفير الهاوية.

اضف تعليق