ينفجر البطل شهيداً في أرض المعركة في تاريخ محدد تستذكره الأجيال بالاعتبار والحزن في آن، وينفجر بطلٌ آخر في ميدان آخر ثم تستذكره الأجيال في تواريخ متعددة ومتقاربة، مما يبقي جذوة الحزن متّقدة في النفوس لفترة أطول، كما تطيل فترة التأمل والتفكّر في الاسباب والدروس والعِبر.

هذا ما نعيشه مع ذكرى الصديقة الزهراء، عليها السلام، في ذكرى استشهادها الأليمة هذه الايام، والتي لم تتحدد بيوم معين، وإنما توزع على ثلاثة روايات نقلها كبار العلماء في كتب الحديث:

الرواية الأولى: تأخذ بكون الصديقة الزهراء عاشت بعد استشهاد أبيها رسول الله اربعين يوماً فقط، وعليه يكون تاريخ استشهادها في الثامن من ربيع الثاني.

الرواية الثانية: فهي تستند على حديث مروي عن الامام الصادق، عليه السلام، بان الفترة المشار اليها؛ خمسة وسبعين يوماً، فيكون التاريخ يوم الثالث عشر من جمادى الأول.

أما الرواية الثالثة: فهي تقول ببقاء الصديقة الزهراء خمسة وتسعين يوماً، أي إن يوم استشهادها يكون في الثالث من شهر جمادى الثاني.

و تقف خلف هذه الروايات قامات سامية من العلماء والمحدثين والمؤرخين مثل؛ صاحب بحار الانوار، وكتاب سليم بن قيس الهلالي، والكافي للشيخ الكليني، والاختصاص للشيخ المفيد، والشيخ الطوسي، في كتابه "مصباح المتهجّد"، والشيخ الطبرسي، في "تاج الأئمة"، و رغم وجود هذا التعدد بمصادر الرواية في يوم استشهاد الصديقة الزهراء، فان مراجع الدين المعاصرين، وحتى في الازمان الماضية لم يفضلوا رواية على حساب أخرى، إنما بقي هذا التعدد، لتتعدد مجالس الذكر، ويتوسع البحث والتحقيق في أمر هذه الشخصية العظيمة، وطرح المزيد من الاسئلة عن اسباب وخلفيات الاحداث التي جرت بعد ساعات من غياب نبي هذه الأمة عن الحياة.

اسباب تعدد الرواية

هنالك اسباب موضوعية وراء عدم وجود تاريخ محدد لاستشهاد عدة من الأئمة المعصومين، وليس فقط الصديقة الزهراء، و مردّ ذلك الى اسباب عديدة أهمها:

1- الكتمان والسرية في ظروف القمع والاضطهاد، لاسيما في العهد العباسي، حيث بلغ التصعيد من قبل الحكام العباسيين أوجه ضد أئمة أهل البيت، والشيعة بشكل عام، مما عقّد عملية التواصل بين الشيعة وأئمتهم، وجعلها مصحوبة بالمخاطر.

2- عدم وجود تدوين لتاريخ الوفيات او الولادات إلا بشكل نادر، او نقلاً عن لسان الأئمة الاطهار، عليهم السلام، فحتى عملية التدوين التي يفترض انها من صميم الحضارة والتقدم التي نادى بها الاسلام، طالها القمع والكبت بشكل قاسٍ، وفي وقت مبكر، عندما تم حظر تدوين الحديث النبوي في عهد عمر بن الخطاب، وفرض عقوبات قاسية على من يجدون عنده صحائف او كتابات عن النبي بدعوى مكافحة التقوّل والكذب على رسول الله! الامر خلق ثقافة سلبية في المجتمع الاسلامي إزاء عملية التدوين بشكل عام، وهو الامر الذي جعل الرواة الموثوقين ممن دونوا الروايات قلائل جداً، وربما يعدون على أصابع اليد.

3- لو نراجع الفترة الزمنية بين استشهاد الصديقة الزهراء، والفترة التي عاشها آخر أئمة أهل البيت في القرن الثالث الهجري، وهي فترة طويلة جداً، أكثر من مائتي سنة، نجد أن هذا التعدد كان منظوراً من قبل الأئمة المعصومين، حتى الامام الحسن العسكري، وابنه الامام الحجة المنتظر، عليهم السلام، ولم يذكروا في رواية أنهم يفضلون تاريخاً على آخر، فالقضية ليست عادية، إنما تعود الى ملحمة عظيمة فاصلة فَرَقت لأول مرة في تاريخ الإسلام بين جبهة الحق وجبهة الباطل، فكانت الاحداث التي وقعت بعد أيام من استشهاد رسول الله، بمنزلة الكشف المبكر لكل نوايا التزييف والانحراف، بل وأماطت لأول مرة، اللثام عن وجود النفاق والازدواجية بعد ان كان الامر متعذراً في عهد رسول الله، وبذلك تكون الزهراء في ذكرى استشهادها ايقونة الجهاد لاحياء قيم السماء، والامتداد الطبيعي والرسالي لرسول الله.

هذا الدور الكبير والمميز لهذه السيدة العظيمة لجديرٌ بالإحياء والنشر والتذكّر في المجالس البيتية، وفي المؤسسات الثقافية، وفي المحافل الدينية (الحسينيات والجوامع والمساجد)، وكلما كان هذا التذكّر والنشر على فترة أطول، كان التأثير أعمق في النفوس، وأكثر في السلوك والثقافة العامة، لاسيما اذا عرفنا أن ايقونة الجهاد من بعد رسول الله، امرأة، وليست رجل، ولهذا دلالات لا نعرف منها إلا القليل، بل وأسرار وحكم في إرادة الله –تعالى- لاختبار هذه الأمة في إيمانها واستقامتها.

اضف تعليق