يفتخر الكثير من أبناء المجتمع، لاسيما العاملين في قطاع التعليم، بتقدّم التربية على مهمتهم الأساس (التعليم) في صياغة عنوان الوزارة المعنية لتكون "وزارة التربية والتعليم" ضمن مؤسسات الدولة، لإيمانهم بآثار التربية على التلميذ خلال اثني عشر سنة (الابتدائية والاعدادية) في إعداد الأرضية المناسبة لتلقي مختلف العلوم بما يضمن أفضل النتائج.

وبعيداً عن مآلات الوضع الاجتماعي الحالي، وخلفياته واسبابه، يبقى الناس يؤشرون على اسماء لامعة سطعت في سماء الأدب والعلم والمعرفة في العراق، وفي بلاد اخرى، ويعزون الفضل في تلك المراتب السامية الى الجهد التربوي المبذول والمسبوق على الجهد التعليمي في سالف الزمان.

ولم تكن هذه التسمية بهذه الصياغة معهودة حتى أواسط القرن الماضي، فقد كانت التسمية في بعض البلدان؛ "وزارة المعارف"، ولكن عندما نقلب صفحات التاريخ نجد أن فلسفة هذه الصياغة تعود الى عهد الإمام الصادق، عليه السلام، الذي نعيش هذه الايام ذكرى مولده العطِر، فقد كتبنا؛ والآخرون ايضاً عن الجهد التعليمي للإمام، وكيف أنه شيّد دعائم أول جامعة في الحضارة الاسلامية، و تخرّج بين يديه كبار الفقهاء والعلماء، بيد أنه، عليه السلام، شيّد قبل هذا دعائم التربية الصالحة وجسّدها بنفسه ليكون النموذج الحيّ أمام الطامحين للارتقاء في سماء العلم والمعرفة.

الإبن ملازماً والده

تسلّم الامام الصادق، مهما الإمامة من أبيه الإمام محمد الباقر، وهو ابن اربعة وثلاثين سنة، وهي قمة نضوج الشاب، و أدرك من حياة جدّه الامام زين العابدين خمسة عشر سنة، مما يجعله خازناً للمعارف؛ من رسالة الدعاء والبكاء لجدّه، وللعلوم؛ من رسالة أبيه الباقر، وكان الامام السجاد يملي على ابنه الباقر رقاع (أوراق) من الدعاء، والامام الصادق ينظر اليهما وهو صغير، وذات مرة أمر الامام الصادق ابنه اسماعيل باحضار "الدعاء الذي أمرتك بحفظه وصونه، ولما جاء به قبله ووضعه على عينيه وقال: هذا خطّ أبي وإملاء جدي، بمشهد منّي"، مما يستفاد انه كان يحضر مجلس جدّه الامام زين العابدين، ويستمع الى أحاديثه وأماليه". (الامام الصادق، من المهد الى اللحد).

وجود التلميذ الى جانب أبيه وجدّه –إن وجد- أمرٌ في غاية الأهمية والتأثير في النفس والقلب لما يكسبه من الأخلاق والآداب وتجارب الحياة، لاسيما ما يتعلق بطرائق التعليم وآداب التتلمذ واحترام الكتاب، وتبجيل المعلّم، حتى وإن كان الآباء او الأجداد أميون، فميزة العلم والمعرفة لوحدها تدفع بالمجتمع لاحترام صاحبه، وتثمين ما يقدمه من خدمات جليّة في حياة الانسان.

إن قيم اخلاقية وانسانية مثل؛ الصدق، والأمانة، والمروءة، والعفو، وغيرها من الفضائل، ربما لا يتوفر الوقت الكافي دائماً في المدارس لتعليمها التلاميذ الصغار، بينما تكون هذه مهمة الأب او الجد، وايضاً الأم والكبار في العائلة، وبقدر التكاملية في المشروع التربوي بين الأسرة والمدرسة نضمن النجاح في تربية جيل يحمل العلم والاخلاق كجناحين يحلق بهما بين أرجاء المجتمع.

"هذا أدب جعفر"

كما نشكو اليوم من كثرة المتعلمين والباحثين عن الالقاب والمراتب، بالمقابل؛ قلّة المتأدبين –إن جاز التعبير- نفس الأمر كان في عهد الامام الصادق، عليه السلام، قبل حوالي اثني عشر قرناً من الزمن، وربما هي المعضلة النفسية لدى البشر كما كشف حقيقتها القرآن الكريم، بأن الانسان عجول، وجدلي، ومحب لذاته ومعتدّ بنفسه، لذا نقرأ أن حوالي ثلاثة آلاف طالب علم في الكوفة جميعهم يقولون: "حدثني جعفر بن محمد"، فهؤلاء وغيرهم كثير أخذوا العلوم من الامام الصادق، ولكن؛ هل أخذ الجميع من أخلاقه وآدابه؟

"كان الامام الصادق يرى أن من وظائف الامام الشرعية تربية المجتمع البشري بصورة عامة، والمجتمع الاسلامي بصورة خاصة، والمجتمع الشيعي بصورة أخصّ"، أما آلية هذه التربية يبينها لنا الامام من خلال تعامله مع تلاميذه والمقربين منه، فهو يدعو الى إفشاء السلام، وبشاشة الوجه، ورحابة الصدر، والعفو، والاحترام، في نفس الوقت كان يجسّد كل هذه الصفات والفضائل والمكارم فتكون أخلاق تسير على قدمين، وهذا ما شهد له –كما كان مشهوداً لسائر الأئمة المعصومين- الصديق والعدو؛ كل هذا ليكون للتربية الصالحة عنوان مميز بين افراد الأمة، وهي التربية على الأخلاق والآداب المستمدة من قيم السماء.

وفي كتابه القيّم المشار اليه آنفاً، يشرح المؤلف القدير آية الله السيد كاظم القزويني المنهج التربوي للإمام الصادق، ثنائية "النظرية والتطبيق" في الأخلاق والآداب، فهو يذكر أمثلة من وصاياه، عليه السلام، بأن "أدّوا الامانة الى من ائتمنكم عليها، براً أو فاجراً، فإن رسول الله، صلى الله عليه وآله، كان يأمر بأداء الخيط والمخيط. صِلوا عشائركم، و اشهدوا جنائزهم، وعودوا مرضاهم، وأدّوا حقوقهم، فان الرجل منكم اذا ورع في دينه، وصدق الحديث، و أدى الأمانة، وحَسُن خُلقه مع الناس قبل: "هذا جعفري، فيسرّني ذلك، ويدخل عليّ منه السرور، وقيل: هذا أدب جعفر، واذا كان على غير ذلك، دخل عليّ بلاؤه وعاره، وقيل: هذا أدب جعفر"!

أما ميدان التطبيق العملي فقد كان الامام الصادق يجسّد ما يدعو اليه بنفسه، كما حصل مع ذلك الرجل الذي لاحظ الامام الاخطاء الفاحشة في صلاته، فأظهر الامام، عليه السلام، تبرماً منه وقال: "ما أقبح الرجل منكم، يأتي عليه ستون سنة فلا يقيم صلاة واحدة بحدودها تامة"! ثم وقف أمام ذلك الرجل، وكان اسمه "حمّاد"، و راح يصلي بكامل تفاصيل وأركان وواجبات الصلاة من لحظة تكبيرة الإحرام الى نهاية الصلاة، ثم قال له: "يا حمّاد هكذا صل".

وهكذا يجب أن نتحدث نحن؛ وهكذا يجب ان نصمت، وهكذا يجب ان نتعامل مع الصغار والكبار، والمرأة، والجاهل، والعالم، وحتى مع من يخالفنا الرأي، وربما يعادينا ايضاً، فالتربية على الأخلاق والآداب تضخ الروح في العالم، وهو يمارس مهنة الطب، او الهندسة، او المحاماة والعمل بالقانون، وايضاً؛ علماء الاقتصاد والاجتماع والنفس والسياسة، بل وأكثر من هؤلاء؛ هي تضخ الروح فيمن يروم قيادة الناس وإصلاحهم وتغيير واقعهم السيئ الى ما هو حسن، هذه الروح ستُحيي الوعود الكبار مثل مكافحة الفساد، والمحسوبية، والرشوة، وتجعلها ذات مصداقية حقيقية على الأرض.

اضف تعليق