إسلاميات - اهل البيت

الامام الرضا (ع): قمة الفضائل وقدوة الاجيال

من مقدمة كتاب كلمة الإمام الرضا (ع) لآية الله الشهيد السيد حسن الشيرازي

ما أجمل أن تنتقل في الربيع بين الحقول الخضراء.. حيث تأخذك المناظر المبهجة بتنوعها وتلونها الأخاذ.. الذي يعجز أي فنان عن تصورها.. فأنى لهم ومادتهم - الفنانين - كلهم من الطبيعة.. ومادتها - الطبيعة - من الله عز وجل فأنى لهذا من تلك.

فتأخذك الخضرة.. ويسكرك عبق الزهور بتنوعه.. ويعجبك زقزقة العصافير الربيعية بأناشيدها الكونية.. وتزعزع أسماعك سقسقات الينابيع الصغيرة.. وتشفيك تلك النسيمات العليلة.. وتدفئك أشعة الشمس الناعمة وتسحرك زرقة السماء الصافية.. فلا تملك من نفسك شيء إلا أن تقول سبحان ربي الأعلى وبحمده.. سبحان الله..

هذا بالنسبة الى بعض الجمال الطبيعي.. أما إذا ذهبت إلى تاريخ الأئمة الأطهار (عليهم السلام) وسيرتهم العطرة.. فتأخذك الأنوار من كل جانب وتقف متحيرا متسائلا.. هل هؤلاء بشر مثلنا.. أو ملائكة مكرمون..؟ أو..

فأئمتنا (عليهم السلام).. هم منبع النور للكون.. ونورهم من نور الله.. وهم أصل الفضائل، وفضائل العالمين من فاضل فضلهم.. وأساس الأخلاق في منازلهم.. تعلم الأجيال الأخلاق الحسنة، فهم أخذوا أخلاقهم ممن كان خلقه القرآن.. وأما علمهم.. فهم أصحاب الولاية.. وعلمهم رباني، وكان من ذلك إرثا مباركا من جدهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومنه ما كان إلهاما ونقرا في الأسماع.. أو غيرها من أساليب العلم الإلهي المذكور في المفصلات، وهذه حالهم جميعا لا واحدا منهم (عليهم السلام) فأيا من تلك الكوكبة الدرية ذهبت إليه وجدته قمة في جميع مناحي ونواحي الخير والفضائل.. من الأخلاق والعلم والتقى والزهد والكرم والشجاعة.. وبقية مصطلحات الخير في قاموس الوجود الكوني.

ونقف الآن أمام التاريخ الرضوي المشرّف.. أمام الولاية والسياسة.. أمام الدين والدنيا الصالح.. أمام الطيب والحب والحق.. أمام العلم الإلهي والرحمة الواسعة أمام الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السّلام)...

الميلاد الميمون

ولد الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السّلام) في المدينة المنورة إلى جوار جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) عام (148 هـ).

جدّه: هو الذي ملأ الدين والدنيا وشغل الأنام إلى اليوم والى قيام القائم من أبنائه الكرام (عليهم السلام) الإمام جعفر الصادق أكرم به وأنعم..

أبوه: هو الكاظم المظلوم الذي قضى أكثر من أربعة عشر عاماً في السجون العباسية المظلمة.. موسى الكاظم (عليه السّلام).

أما أمّه: فقد ذكر الشيخ المفيد (قدس سرّه) قصة (تكتم) والدة الإمام الرضا (عليه السّلام) في إرشاده قائلاً:

عن هشام بن أحمد قال: قال لي أبو الحسن الأول (عليه السّلام): هل علمت أحداً من أصل المغرب قَدِمْ..؟ قلت: لا..

قال (عليه السّلام): بلى قد قدم رجل من أهل المغرب المدينة.. فانطلق بنا فركب وركبت معه.. حتى انتهينا إلى الرجل.. فإذا رجل من أصل المغرب ومعه رقيق.. فقلت له: أعرض علينا.. فعرض علينا سبع جواري وكل ذلك يقول أبو الحسن (عليه السّلام): لا حاجة لي فيها.. ثم قال: أعرض علينا. فقال: ما عندي إلاّ جارية مريضة.. فقال (عليه السّلام): ما عليك أن تعرضها.. فأبي عليه وانصرف.. ثم أرسلني من الغد فقال لي: قل له كم كان غايتك فيها فإذا قال لك كذا وكذا، فقل له قد أخذتها. فأتيته فقال: ما كنت أريد أن أنقصها من كذا وكذا. فقلت: قد أخذتها.. قال: هي لك.. ولكن أخبرني من الرجل الذي كان معك بالأمس؟

فقلت: رجل من بني هاشم.. قال: من أي بني هاشم؟.

فقلت: ما عندي أكثر من هذا.. فقال: أخبرك أني لما اشتريتها من أقصى المغرب فلقيتني امرأة من أهل الكتاب: فقالت: ماهذه الوصيفة معك؟ قلت: اشتريتها لنفسي.. فقالت: ما ينبغي أن تكون هذه عند مثلك.. إن هذه الجارية ينبغي أن تكون عند خير أهل الأرض فلا تلبث عنده إلاّ قليلاً حتى تلد غلاماً له لم يولد بشرق الأرض ولا غربها مثله.

وذكر بعض المؤرخين والرواة أن السيدة حميدة المصفاة. أم الإمام موسى الكاظم (عليه السّلام)، كانت عظيمة وخبيرة بالجواري والنساء، فاشترت جارية ولدت في البلاد العربية ونشأت بها.. وحين أخبرتها ببعض الأمور وجدتها من أفضل النساء ديناً ودنيا.. فاختارتها لولدها الإمام موسى الكاظم (عليه السّلام) قائلةً له: يا بني إنّ تكتم جارية ما رأيت جارية - قط - أفضل منها.. وليست أشك أن الله تعالى سيظهر نسلها - إن كان لها نسل - وقد وهبتها لك فاستوص بها خيراً.

فكانت (عليها السلام) نعمت الجارية.. وكما وصفتها سيدتها (حميدة المصفاة) علماً وأدباً وخلقاً.. وكان لها العديد من الأسماء وهذه عادة الجواري بين القبائل قديماً فكلّ سيد يطلق عليها اسما يراه مناسباً لها.. ومن أسمائها: (نجمة) و(أروى) و(سكن)، و(سمان)، و(شقراء النوبية) و(الطاهرة).. إلاّ أن اسم - تكتم. هو أشهرها. وكذلك (الطاهرة) بحيث أطلقه عليها الإمام الكاظم (عليه السّلام) بعد ولادتها للإمام الرضا (عليه السّلام).

وكانت ولادته المباركة في يوم الخميس 11 ذي القعدة، وقيل ذي الحجة، سنة (148 هـ). وهو نفس العام الذي استشهد فيه جدّه العظيم الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليهم السلام) وقيل غير هذا التاريخ إلا أنّ هذا هو المشهور..

أما في أحوال حمله وولادته (عليه السّلام) فقد حدّثت أمه المباركة (تكتم) قائلة:

لما حملت بابني علي لم أشعر بثقل الحمل، وكنت أسمع منه تسبيحاً وتهليلاً وتمجيداً وهو في بطني، ولما وضعته وقع على الأرض واضعاً يده رافعاً رأسه إلى السماء يحرك شفتيه كأنه يتكلم.. فدخل إليّ أبوه موسى بن جعفر (عليهما السلام) فقال: هنيئاً لك يا نجمة كرامة ربك.. فناولته إياه في خرقة بيضاء فأذّن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى.. ودعا بماء الفرات فحنكه به ثم ردّه إليّ وقال: خذيه فإنه بقية الله تعالى في أرضه. فتبرّك البيت الكاظمي بهذا المولود الجديد المبارك.

وكان سلام الله عليه تام الخلقة سميناً وضاءاً وجهه كالبدر في كبد السماء...

فسمّاه أبوه موسى الكاظم (عليه السّلام) بـ (علي) ولقّبه بـ (الرضا) وكناه بـ (أبي الحسن) بعد ولادته مباشرة، عليهما من الله السلام والتحية.

النشأة الطيبة

في مهبط الوحي ومنازل الآيات.. في تلك المنازل التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه.. ويسبح لله فيها بالغدوّ والآصال.. الرجال الذين لا تلهيهم عن ذكر الله لابيع ولا تجارة ولا أي شيء في الحياة الدنيا.

فذكر الله واقام الصلاة وإيتاء الزكاة هو دائم وكأنه نبع لا ينضب من تلك البيوت المباركة.. بيوت آل البيت الأطهار الذين أراد الله تعالى لهم أن يكونوا قدوة البشرية في الكمال وأسوة لهم في الأعمال.. وذلك بجعل من الله وحصر كذلك.. فقال عز من قائل: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)[1].

هذه الإرادة الربانية وهذا الجعل الإلهي بالطهارة وإذهاب الرجس وأي نوع من أنواعه الظاهرة والباطنة، جعلهم للناس أسوة حسنة على مرالدهر والعصور ولكل طبقات الشعب.. قال تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر)[2].

فرسول الله (صلى الله عليه وآله) أسوة حسنة وكذلك أهل بيته (عليهم الصلاة والسلام) أسوة حسنة لكل من أراد النجاة في عرصات القيامة.

ومن يدرج ويتربى في تلك البيوت ما عساه أن يكون؟

وكيف ستكون أخلاقه.. وصفاته.. ومعاشه؟

وكيف سيكون علمه وتقاه وزهده..؟

وللجواب المختصر نلمع إلى علياء ذلك الإمام العظيم ونشير إليه إشارة خجولة.. وإننا مقصرون وقاصرون.. فأين الثرى من الثريا.. وأين الذرة من المجرّة.. وأين نحن من الإمام علي الرضا (عليه السّلام).

ففي ذلك البيت العلوي المبارك.. والذي كان يضج بالأولاد والذريّة الطيبة للإمام موسى الكاظم (عليه السّلام) وذلك لأنه كان أكثر أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ذريّة.. حتى أنه فاق جده أمير المؤمنين (عليه السّلام) بذلك.. وهذه ميزة فريدة في الإمام موسى الكاظم (عليه السّلام) مع أنه قضى عمراً مديداً في السجون العباسية المظلمة ورغم ذلك كان الذي كان بمشيئة الله عزوجل..

فالإمام علي الرضا (عليه السّلام) هو واحد من ست وثلاثين من الأبناء الكرام للإمام موسى الكاظم (عليه السّلام).. كان الامام الكاظم (عليه السّلام) بحراً من أي النواحي أتيته، بحر من النور والعطاء والحب والحنان والعلم والفضل والأخلاق وهذه الكوكبة الطيبة كانت تسبح في ذاك البحر وكل يأخذ حاجته ليربو وينمو على اسم الله.

إلا أن حظ الإمام علي الرضا (عليه السّلام) كان الأوفر والأعظم لأنه كان يملك القابلية والأرضية الصالحة لكل ما يبذره الإمام موسى الكاظم (عليه السّلام).

وراح الإمام موسى الكاظم (عليه السّلام) يبذر كل ما يريده الله سبحانه وتعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) على أرضية تلك النفس الطيبة والعقل الجبار.. ويفيض عليها من نور الإمامة والرسالة حتى ترتوي فتنبت العلم والخير والفضيلة وكل شيء بهيج.

فالإمام علي الرضا (عليه السّلام) ولد في العام الذي تسلم فيه أبوه الإمام موسى الكاظم (عليه السّلام) قيادة الأمّة الإسلامية من الإمام جعفر الصادق (عليه السّلام) في ظروف حساسة وحاقدة من قبل الأعداء، سنبحث بعض جوانبها بعد قليل.

فمدارج الإمام علي الرضا (عليه السّلام) وشبابه ورجولته كلها كانت في ظل أفياء الإمام موسى الكاظم الوارفة الظلال.. وبلغت حوالي خمساً وثلاثين سنة.. وهذا السن يكون الرجل فيها قمة في العطاء والقابلية.

وهذه الرعاية المكثفة والاستثنائية وبهذا العمر الطويل.. لم تتوفر لأحد من الأئمة المعصومين (عليهم السلام) إلا سيدي شباب أهل الجنة (عليهما السلام).

لذلك كان يشار إلى الإمام علي الرضا (عليه السّلام) بالبنان بين أبناء الإمام موسى الكاظم (عليه السّلام) وهو الذي حاز المكارم كلها.

فمنذ ولادته وربما قبل ذلك كان مسمى ومكنى وموصوف من قبل أبيه.. فاسمه علي وكنيته أبو الحسن ووصفه الرضا.. فكان الإمام الكاظم (عليه السّلام) يجل ولده كثيراً ولا يذكره إلاّ بكنيته ولا يذكره إلاّ بالتعظيم والتبجيل.. ولا يتوانى عن ذكره بين العام والخاص منوّهاً ومصرّحاً بإمامته من بعده..

فروى عبد الله بن مرحوم قال: خرجت من البصرة أريد المدينة فلما صرت في بعض الطريق لقيت أبا إبراهيم (الإمام موسى (عليه السّلام)) وهو يذهب به إلى البصرة فأرسل إليّ.. فدفع إليّ كتباً وأمرني أن أوصلها بالمدينة فقلت: إلى من أدفعها جعلت فداك.

قال (عليه السّلام): إلى ابني علي فإنه وصييّ والقيّم بأمري وخير بنيّ[3].

وقال (عليه السّلام): (علي ابني أكبر ولدي وأسمعهم لقولي وأطوعهم لأمري)[4].

وقال (عليه السّلام): (علي أكبر ولدي وأبرّهم عندي وأحبهم إليّ)[5].

ومن هذه بعض أحوال نشأته فماذا سيكون منه؟

1: في الأخلاق..

كان خلقه القرآن.. وتخلقه بأخلاق رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأدبه واضحة لكلّ من عاشره أو قرأ عنه (عليه السّلام).

وبرواية عيون الأخبار للشيخ الجليل الصدوق (رحمه الله) أنه ينقل وصف إبراهيم بن العباس الصولي للإمام الرضا (عليه السّلام) قائلاً:

ما رأيت أبا الحسن الرضا (عليه السّلام) جفا أحداً بكلمة قط.. ولا رأيته قطع على أحد كلامه حتى يفرغ منه.. وما ردّ أحداً عن حاجة يقدر عليها.. ولا مدرجله بين يدي جليس له قط..

ولا اتكأ بين يدي جليس له قط..

ولا رأيته شتم أحداً من مواليه ومماليكه قط..

ولا رأيته يقهقه في ضحكة قط.. بل كان ضحكه التبسّم.

وكان إذا نصب مائدته أجلس معه على مائدته مماليكه ومواليه حتى البواب والسائس.

وكان (عليه السّلام) قليل النوم بالليل كثير السهر.. يحيي أكثر لياليه من أولها إلى الصبح..

وكان كثير الصيام فلا يفوته صيام ثلاثة أيام في الشهر ويقول: ذلك صوم الدهر.

وكان (عليه السّلام) كثير المعروف والصدقة في السر، وأكثر ذلك يكون منه في الليالي المظلمة.. فمن زعم أنه رأى مثله في فضله فلا تصدق[6]... وهذه أخلاق الأنبياء حقاً..

2: في الكرم:

فهو بحر الجود والكرم.. فهو يجود بكل ما كان عنده لفقير أو محتاج أو طالب حاجة.. وقصصه بذلك كثيرة حتى أنه فرّق ماله كله عندما كان بخراسان.. وهو ولي عهد، وقيل بذلك أنه لمغرم.. فقال (عليه السّلام): بل هو المغنم[7].

وروى الكليني في الكافي الشريف بسنده عن اليسع بن حمزة قوله: كنت في مجلس أبي الحسن الرضا (عليه السّلام) وقد اجتمع عليه خلق كثير يسألونه عن الحلال والحرام.. إذ دخل عليه رجل طوال آدم - أسمر - فقال: السلام عليك يابن رسول الله.. رجل من محبيك ومحبي آبائك وأجدادك. مصدري من الحج، وقد افتقدت نفقتي وما معي ما أبلغ به مرحلة.. فإن رأيت أن تنهضني إلى بلادي.. ولله عليّ نعمة إذا بلغت بلدي تصدقت بالذي تولني عنك فلست موضع صدقة - أي أنه غني -.

فقال (عليه السّلام): اجلس رحمك الله..

وأقبل على الناس يحدثهم حتى تفرقوا.. وبقي هو وسليمان الجعفري وخيثمة وأنا.. فقال (عليه السّلام): أتأذنون لي بالدخول.

فقال سليمان: قدم الله أمرك.

فقام فدخل الحجرة.. وبقي ساعة -أي بعض الوقت- ثم خرج وردّ الباب وأخرج يده من أعلى الباب وقال: أين الخراساني..

فقال: ها أنا ذا.

فقال (عليه السّلام): خذ هذه المائتي دينار واستعن بها على مؤونتك ونفقتك وتبرّك بها ولا تتصدق بها عني.. واخرج فلا أراك، ولا تراني.. وستر وجهه عنه..

فقال له سليمان الجعفري: جعلت فداك، لقد أجزلت ورحمت فلماذا سترت وجهك؟

فقال (عليه السّلام): مخافة أن أرى ذلّ السؤال في وجهه لقضائي حاجته.. أما سمعت حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله): (المستتر بالحسنة تعدل سبعين حجة.. والمذيع بالسيئة مخذول والمستتر بها مغفور له)[8].

كرم لا يضاهى.. وأخلاق لا تجارى.. فسبحان الذي امتحن الخلق بالخلق.. ولم يمتحن الخلق بالحق..

3: أما العلم:

فهو الإمام المفترض الطاعة وعلمه من علم الله.. إرثاً رسوليّاً أو إلهاماً أو ما أشبه.

فعلمه لدني، لا بشري مكتسب، وهو معصوم مسدد من الباري تعالى. وأفاض من علمه بما ملأ الخافقين فهو أحد الأئمة الأربعة الذي أتيح لهم -ولو بنسبة- نشر مبادئ الإسلام وحقائق الأحكام في الدنيا كلها، وكان آخر من سنحت له تلك الفرصة بعد أجداده الكرام (عليهم أفضل الصلاة والسلام): أمير المؤمنين.. الامام الباقر والامام الصادق (عليهم السلام).

أما بقية الأئمّة الكرام (عليهم السلام) فلم تسمح لهم تلك الظروف بسبب الطغاة والجبابرة من الحكام (أمويين وعباسيين لا فرق بينهما) ومع ذلك فقد ربوا الأجيال الى يومنا هذا..

هذا وقد قال الإمام موسى الكاظم (عليه السّلام) بحقه أقوالا كثيرة منها:

(هذا أفقه ولدي.. قد نحلته كنيتي)..

كما أوصى ولده: (هذا أخوكم علي بن موسى -عالم آل محمّد- فسلوه عن أديانكم واحفظوا ما يقول لكم..) وغير هذا كثير..

أما اعتراف البشر وشهادتهم من علماء وفقهاء وحكماء وحتى الأعداء بسعة علمه وإحاطته بمحتوى الكتاب المجيد وأسراره اللطيفة ومعارفه المنيفة، وشمول معرفة الإمام لكليات الشريعة وجزئياتها وأدق دقائقها على كل المستويات وبمختلف الاتجاهات.. فمما لا يمكن حصره.

فقد كافح الفساد الثقافي المستشري في الأمّة سواء كان وافداً أو بدعاً من المبتدعين والضالين المضلّين من فلاسفة ومتصوّفة ومتكلمين وزنادقة وملاحدة و.. وذلك إما بالمناظرات أو المحاورات أو الإفتاءات (الاستفتاءات) العقائدية.. وكان بكل ذلك ثقة ومأمون على الحلال والحرام والشريعة الغراء.

ومنذ أن كان في العشرين من عمره الشريف كان يجلس في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويفتي.. وكان قبلة الأنظار عند المعضلات والكل يشير إليه بالبنان عند تعرضهم لأي مسألة عويصة أياً كان نوعها..

هذا في فتوته وشبابه.. أما في أيام تواجده في طوس وأيام إمامته المباركة فقد كان ما سارت به الركبان وتحدثت به الشيوخ والفتيان.. وروى الرواة أن حديثاً واحداً حدثه الإمام (عليه السّلام) في نيسابور بعد اجتماع العلماء والفقهاء وأهل الفضل حوله.. فقد كان باجتماعهم أمور عجيبة حقاً.. فكانوا خلقاً كثيراً وكلهم بين صارخ وباك ومتمرّغ في التراب. ومقبل لحافر بغلته.

فحدثهم حديث السلسلة الذهبية المشهور الذي قيل في إسناده: (لو قرأت هذا الإسناد على مجنون لبريء من جنته)[9].

هذا وقد أحصى أهل المحابر والدوى الذين كانوا يكتبون فأنافوا على عشرين ألفاً.. الله أكبر.. الكتّاب كانوا عشرين ألفاً فكم كان عدد من حضر ذاك المحضر المبارك..؟

وبكلمة..

علم الإمام لا يدركه ولا يعرفه إلاّ إمام مثله.. إلاّ أن الأمّة يجب أن تنتفع من علمه كانتفاعها بالقرآن الكريم.. ولا غرو.. فهم عدل القرآن وشقه الناطق وهم أهل الذكر الذي أمرنا أن نسألهم إذا التبس علينا شيء من علوم الدين والدنيا..

الإمام.. والعصر.. والخلفاء..

من خلال تاريخ ولادة الإمام علي الرضا (عليه السّلام) عام (148 هـ)، وإلى تاريخ استشهاده عام (203 هـ).. نجد أنه عاصر سنة من خلفاء بني العباس هم: المنصور- المهدي - الهادي - الهارون - الأمين - المأمون.

فعاصر ثلاثة منهم وهو برعاية والده العظيم الإمام موسى الكاظم (عليه السّلام) (المنصور - المهدي - الهادي) وهارون العباسي عاصره الإمام علي الرضا (عليه السّلام) وشهد أباه الإمام الكاظم (عليه السّلام) بين السجون العباسية ببغداد حتى قتل في سجن السندي بن شاهك.

هذا وربما أوصى الإمام موسى الكاظم (عليه السّلام) ولده بأن ينتظر مادام الطاغية هارون حيا، حتى إذا مات ينطق بالحق.. فلماذا ذلك يا ترى..؟

لأن الحياة السياسية للحكام العباسيين كانت مضطربة وقلقة من ناحية العلويين بشكل عام والأئمة الأطهار بشكل خاص. وذلك لعلم كثير من الناس بأحقيتهم وأن الحكام باسمهم كانت دعوتهم وإليهم كانت نجدتهم.. ولكنهم اغتصبوا القيادة الإسلامية كما اغتصبها الأمويون ومن سبقهم من أصحابها الشرعيين.. أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأبنائه الكرام (عليهم الصلاة والسلام).

لذلك كان العباسيون لا يهنأ لهم عيش ولا ينعم لهم بال وإمام من تلك العترة الطاهرة حي على وجه البسيطة.. ينطق بالحق ويعلم وينشر علوم القرآن في كل الاتجاهات وتجبى له الحقوق الشرعية من كل البلدان عن طريق الوكلاء في الأمصار.

وكذلك أحوال الدولة العباسية كلها كانت قلقة غير مستقرة وذلك لكثرة الانتفاضات والثورات على سلطانهم الطاغي لأنهم أعطوا أبشع صورة للحكام بالبذخ والفسق والفجور.. والقتل والتعذيب والتنكيل.. وملاحقة المعارضين والمجاهدين بالحق.

فالذي يدرس حياة حكام بني العباس في تلك الفترة (المهدي - الهادي - هارون - الأمين - المأمون) والتي عاصرهم الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السّلام) ويحلل أسلوب الحكم ومنهجه تحليلا منطقيا وواقعيا.. وكيفية إدارة شؤون البلاد والعباد.. ومدى العلاقة بين الحاكم والمحكومين - الأمة كلها - واتجاهات الرأي العام السائدة حينها..

وكذلك يدرس -حتى إذا كان بدون تدقيق- حياة الحكام في القصور العامرة بالجواري والغلمان.. والمغنين والشعراء.. وكؤوس الطلى تعب بدون رادع ولا وازع.. لا من دين ولا من ضمير.. والعياذ بالله.

وكتب التاريخ تضج بتلك المخازي وإليك ما رواه ابن الأثير في كامله عن الأمين العباسي فإنه يقول:

لما ملك الأمين وكاتبه المأمون وأعطاه بيعته.. طلب الخصيان وأتباعهم وغالى فيهم، فصيرهم لخلوته ليله ونهاره.. وقوام طعامه وشرابه، وأمره ونهيه.. وفرض لهم فرضا سماهم الجرادية.. وفرضا من الحبشان الغرابية. وفرض للنساء الحرائر والإماء حتى رمي بهن وقيل فيه الأشعار.. ثم وجه إلى جميع البلدان في طلب الملهين.. وضمهم إليه وأجرى عليهم الأرزاق، واحتجب عن أخويه وأهل بيته (العباسيين كافة) واستخف بهم وبقواده، وقسم ما في بيوت الأموال وما بحضرته من الجواهر في خصيانه وجلسائه ومحدثيه.. وأمر ببناء مجالس لمنتزهاته، ومواضع خلواته ولهوه ولعبه.. وعمل خمس صراقات في دجلة على صورة الأسد والفيل والعقاب والحية والفرس، وأنفق في عملها مالا عظيما[10].

هذه صورة عن الأمين.. وأما أبوه فحدث ولا حرج ومن يقرأ التاريخ يشاهد العجب من التبذير والترف في أموال الأمة، فآلاف الملايين من الدنانير والدراهم الذهبية والفضية كانت تنثر بين يدي الراقصات والمغنين والصبيان..

ويكفيك أن تقرأ أنه وعلى مائدة واحدة للمأمون العباسي وضع ثلاثمائة نوع من الأطعمة اللذيذة، (أي ما لذ وطاب) على وجبة واحدة، في يوم عيد وكان في الأمة الإسلامية من لا يجد ما يسد به جوع أبنائه المحرومين..

وكيف لا تجوع الأمة وتعرى والأموال والأرزاق كلها مكدسة في بيت المال لدى الحاكم هارون وحده، فعند ما مات - غير مأسوف عليه - خلف مائة ألف ألف دينار (مائة مليون دينار ذهبي) ومن الأثاث والجواهر والورق منه مليون وخمس وعشرون ألف دينار ذهبي.

.. من أين أتت كل هذه الأموال.. أليس من حقوق الأمة الشرعية..؟ احتكرها لورثته.. وليتهم يطبقون عليه القانون القائل حديثا: من أين لك هذا؟. طبعا هذا عدا عما كان يصرفه في حياته اليومية على شهواته ولذاته وغرائزه الشيطانية الخبيثة.

وهذا غيض من فيض.. وقبس من حيال النار العباسية البغيضة التي تركت الأمة في حيص وبيص لا يدرون ما العمل.. فخابت آمال الأمة مجددا بالعباسيين وراحت الانتفاضات تلو الانتفاضات والثورات تلو الثورات وكان أشدها الثورات الطالبية لأنها كانت عقائدية وجماهيرية بنفس الوقت.

1: ثورة ابن طباطبا (محمّد بن ابراهيم بن إسماعيل بن ابراهيم بن الحسن بن الحسن السبط ) 199 هـ.

2: ثورة الحسين بن علي بن الحسن (صاحب فخ) وثورته المشهورة.

3: ثورة محمّد بن جعفر (عليه السّلام) (النفس الزكية).

وغيرها كثير في الديلم وخراسان والأهواز والبصرة والكوفة والمدينة ومكة وأفريقيا واليمن.. فكانت الأمة كالنار تحت الرماد لا تكاد تسمع بمعارض أو ثورة أو انتفاضة إلا وتهب إلى الاستجابة لها.. وخاصة إذا كانت قيادتها قريبة من القيادة الشرعية أي من الطالبيين حصرا..

فتردى الوضع السياسي والأمني والأخلاقي والسلوكي للحكام العباسيين انعكس على كافة طبقات الشعب، فلم يسلم منه أحد سواء العامة والجمهور أو قادة الرأي وأقطاب المجتمع والعلماء والفقهاء لذا كان الرأي العام قد اتجه وبشكل قوي وواضح إلى أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

وذلك حيث أن الإمام جعفر الصادق (عليه السّلام) ملأ دنيا الإسلام بالعلم والعلماء فقد تتلمذ على يديه المباركتين آلاف التلاميذ واكثر من عشرين ألفا، وانتشروا في جميع أنحاء الأمة الإسلامية. وكذلك الإمام الكاظم (عليه السّلام) فقد استلم من أبيه العظيم أمة كبيرة ومدرسة جامعة وتنظيما إماميا قويا.. لذلك عمل الذي عمله هارون خوفا منه ومن شيعه وأتباعه ذوي التأثير الواضح في مسيرة الأمة الإسلامية يومها..

أما الإمام علي الرضا (عليه السّلام) فقد استلم القيادة الدينية للأمة بعد أبيه وهو عالم بكل التفاصيل ودقائق الأمور ومداخل المؤامرات ضد هذه الطائفة الحقة وضده شخصيا. كيف لا..؟ وبالأمس رأى تنقل أبيه من سجن إلى سجن حتى قضى نحبه وانتقل إلى جوار ربه مسموما في سجن ابن شاهك اللعين بأمر هارون العباسي.

فحاصر الإمام علي الرضا (عليه السّلام) بدعوته إلى الإصلاح واستمر في بعث الوكلاء وتوجيه الأمة واستلام الحقوق الشرعية وهو في حرم جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهذا صفوان بن يحيى يحدث قائلا:

حين مضى موسى الكاظم (عليه السّلام) وقام ولده من بعده أبو الحسن الرضا (عليه السّلام) وتكلم خفنا عليه.. وقلنا له إنك أظهرت أمرا عظيما.. وإنا نخاف عليك من تلك الطاغية.. يعني هارون العباسي.

فقال (عليه السّلام): ليجهدن جهده، فلا سبيل له علي[11].

ورغم الدسائس من قبل الأزلام الملاعين الذين لا عمل لهم إلا الكذب والافتراء والتدليس وتمسيح الجوخ على الحاكم وتحسين أعمالهم مهما بلغت من الكفر والطغيان.. وهذا خالد بن يحيى البرمكي قال لهارون العباسي:

هذا علي بن موسى الرضا قد تقدم وادعى الأمر لنفسه.

فقال هارون: يكفينا ما صنعنا بأبيه.. تريد أن نقتلهم جميعا[12].

وهكذا ابتليت الأمة بمثل هؤلاء الحكام.. وابتلت الأئمة (عليهم السلام) بمثل هذه الأمة وبمثل هؤلاء الحكام الفجرة..

إلا أن الحكومة فقدت شرعيتها وسقطت هيبتها من عيون الأمة.. وهذا يعني أنها فقدت مبرر وجودها.. وهذا إيذان بسقوطها واضمحلالها. إلا أن يسعفها رجل قوي طاغية وذكي داهية.. يمكنه العمل على إعادة شيء مما فقدته حكومته المتصدعة.

وهذا ما رآه بنفسه عبد الله المأمون العباسي.. فأعلن خلع أخيه محمّد الأمين.. وحاربه وقتله به حتى علق رأسه على باب قصره.. ونصب نفسه حاكما جديدا على الدولة الإسلامية.. ونقل العاصمة من بغداد إلى (مرو) بخراسان.. حيث كان له بعض المؤيدين والناصرين من الفرس والأتراك.. فعمل أعمالا تنم عن خبث ودهاء عميقين..

1: إغداق الأموال على القادة والرؤساء وتقريبهم.. وكذلك تخفيف العبء عن الأمة الإسلامية من أجل التخفيف من تأججها وغليانها.

2: الضرب على أيدي العرب عامة والعباسيين خاصة لإظهار أنه من أهل العدل والصلاح ولا يهتم بشأن القرابة والأنساب..

3: تقريب العلويين بشكل عام ومعاملتهم معاملة حسنة وبسعة صدر وانفتاح وارتياح أمام أنظار العامة لخدع الناس، وبحقد وانتظار الفرصة للتنكيل بهم في دخيلة نفسه الخبيثة.

4: المراقبة الدائمة على إمام الأمة الإسلامية وشرفها العالي ونورها اللامع، وهو الإمام علي الرضا (عليه السّلام)، فأرسل إليه واستدعاه إلى خراسان معززا مكرما واستقبله استقبالا عظيما وعرض عليه تسليم الحكم فورا - وهو ينوي في قلبه قتل الامام - فقال:

يابن عم.. يابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) تفضل أنت أحق بهذا الأمر مني..

وهل تنطلي مثل هذه الكلمات المعسولة على الإمام الرضا (عليه السّلام).. وأين يمكن ذلك أبدا، فرفضها الإمام رفضا قاطعا لأنه يعلم أنها كلمة حق أريد بها باطل.. وما اراد المأمون بهذا العرض وجه الله أبدا.. ولكن هيهات وأنى له ذلك..؟

وبعد أن اصر الإمام الرضا (عليه السّلام) على الرفض.. أجبره على قبول ولاية العهد وقال انه لا يرضى أعذارا أبدا، فقبل الإمام الرضا (عليه السّلام) هذا العرض ولكن بشروط هو حددها تتمثل في أن لا يتدخل في شؤون الحكومة أبدا.. وبهذا أظهر للناس أنه كاره لهذا المنصب ومجبور عليه.. فلم يتمكن المأمون ان يأخذ من الإمام الشرعية لحكومته الظالمة.

5: وقد عمل مناورة عن الأمة بشكل عام -غاية الخبث والدهاء- وهي أنه شغلها ببعض الأمور العلمية والثقافية والترجمة والتأليف وغيرها فشغلت الأمة فترة طويلة من الزمن.. وفسح المجال لأهل الباطل فكثرت الزنادقة والملاحدة والفلاسفة والمتصوفة ومن كان يرى نفسه فقيها.. وراح يجمعهم ويدير حلقات البحث ويوقع كل منهم بالآخر فيؤيد هذا تارة ويصوب رأي ذاك أخرى..

وتخرج الجموع وتلهي الأمة عماهم فيه.. ولكن الامام استفاد من هذه المناظرات الكبيرة والطويلة فنشر التعاليم الاسلامية الصحيحة ومعارف أهل البيت (عليهم السلام) فظهر علم الإمام وحقانيته على الجميع مما اضطر المأمون ان يدس السم اليه..

ولكن ماذا كان يريد أن يستفيد عبد الله المأمون من هذه الأعمال الذكية كالتظاهر بالتقرب الى الإمام:

1: إرساء قواعد حكمه حين وجد أنصارا أقوياء.

2: إبعاد العباسيين الطامعين والحاقدين عليه نتيجة قتل أخيه إلى حد ما والتخفيف من ضغوطهم عليه.. والتحرر من العنجهية العربية وجهالهم ومشاغبيهم إذ لم يلق إليهم بالا ولم يراع لهم أحوالا.

3: تقريب العلويين ليخفف من ثوراتهم ويهدأ من روعهم وطلب ثاراتهم بمن قتلوا من آبائهم وإخوانهم من قبل آبائه الجبابرة..

4: ولاية العهد للإمام الرضا (عليه السّلام) كانت لإضفاء الشرعية على حكمه وربما لكسب البعيدين والبسطاء من شيعة الإمام.. أما أصحاب البصائر النافذة والمتصلين بالأئمة (عليهم السلام).. عرفوا مكره ودهاءه.

إذ كيف لأمير أن يكلف رجلا - بولاية العهد وهو يكبره لا اقل من عشرين عاما..؟ ومن خارج أسرته.. وممن كانوا.. ولا يزالوا، يعتبرهم من ألد أعدائه.. كيف..؟ وأسئلة كثيرة ترد حول هذه القضية.

ومبررات الإمام الرضا(عليه السّلام) أكثر وأجمل: إلا أن الإسهاب له مورد آخر إن شاء الله.. ولكن بإمكان -القارئ الكريم- أن يستفيد الكثير من خلال الكتاب لحل هذه المسائل والمعضلات..

الشهادة

وهكذا.. كان العصر العباسي مضطربا وقلقا، والحكم العباسي ظالما وباغيا وغادرا.. وطال غدره أقرب المقربين وأقوى الأعوان لديه.. ومناصريه الأوائل من أمثال أبي مسلم الخراساني والبرامكة والفضل بن سهل.. وغيرهم كثير ممن اغتالتهم السلطات الحاكمة من العباسيين.

فقد كانوا يعتمدون على هذا الأسلوب الخبيث من أجل تصفية الأقوياء والذين يمكن أن يشم منهم إمكانية التعامل مع الغير أو حتى لمجرد الخوف لا أكثر.. وهذا ديدن كل الطغاة. فإنهم أول ما يفكرون به بعد استيلائهم على السلطة هو تصفية الأعوان في طريق الوصول.. وذلك ليظهر أنه هو الرجل الوحيد وليس لأحد عليه فضل ولا منة.

وعبد الله المأمون الحاكم العباسي الداهية.. الذي عمل كل ما بوسعه لتوطيد حكمه وسلطانه على البلاد الإسلامية.. وبعد أن هدأت الثورات العلوية والشيعية بتقريب الإمام الرضا (عليه السّلام) وسكنت النفوس وتلهت العامة بما نشره من أفكار ومبادئ وفلسفات لا تسمن ولا تغني من جوع.. ولاحت في الأفق ثورة الأهل وأصحاب البيت العباسي.. فعاد إلى بغداد وقربهم وسلمهم المناصب العالية في الدولة كما كانت سيرة آبائه العباسيين الأوائل..

وقبل ذلك لابد من تصفية المعارضين لعودته ولخطته في ذلك.. أول من تناوله الاغتيال ساعده الأيمن الفضل بن سهل حيث اغتاله رجاله وهو في الحمام وقتلوه شر قتلة..

ولم يبق ممن لهم فضل ومنة ونفوذ وقوة بين صفوف الأمة إلا ولي العهد الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السّلام) ولم يجد سبيلا للتخلص منه إلا أن يدس السم إما بالعنب أو الرمان أو الطعام فاغتيل الإمام (عليه السّلام) وهو في الطريق إلى طوس وما أن وصل إليها فأقام بها أياما عليلا من أثر السم حتى قضى نحبه غريبا مسموما شهيدا.

فعليه من الله آلاف التحية والسلام.. وعلى آبائه وابناءه الكرام.

فجهز وغسل وكفن ودفن. بنفس المكان الذي دفن به هارون الطاغية العباسي المشهور.. عليه وعلى ولده ما يستحق من الله أجر ما اقترفت يداهما الآثمتان الملوثتان بقتل أولاد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله).

قضى الإمام علي الرضا (عليه السّلام) وهو ابن خمس وخمسين عاما.. قضى منها خمس وثلاثون في ظل والده العظيم الإمام الكاظم (عليه السّلام) وعشرون عاما كان إمام الأمة الناطق.. وقائدها بالحق والصدق.

والظاهر انه لم يكن للإمام الرضا (عليه السّلام) ابنا غير الإمام محمّد الجواد (عليه السّلام) فقد كانت الوصاية والإمامة له بعد أبيه الشهيد.

قال الشيخ المفيد (رحمه الله): ومضى الرضا علي بن موسى (عليه السّلام) ولم يترك ولدا نعلمه الا ابنه الإمام بعده أبا جعفر محمّد بن علي (عليه السّلام) وكانت سنه يوم وفاة أبيه سبع سنين وأشهرا[13].

ولكن ذكر البعض ان للإمام الرضا (عليه السّلام) بنتا اسمها فاطمة[14].

وكان نقش الخاتم للإمام الرضا (عليه السّلام): (ما شاء الله - لا قوة إلا بالله).

.........................................
[1] - سورة الأحزاب: 33.
[2] - سورة الأحزاب: 21.
[3] - عيون الأخبار: ج 1 ص 27.
[4] - بحار الأنوار: ج 49 ص 38.
[5] - بحار الأنوار: ج 49 ص 38.
[6] - عيون الأخبار: ج 1 ص 197.
[7] - بحار الأنوار: ج 49 ص 101.
[8] - في رحاب أئمة أهل البيت: ج 4 ص 111.
[9] - الصواعق المحرقة لابن حجر، راجع (فضائل آل الرسول) للإمام الشيرازي ص 158.
[10] - الكامل في التاريخ: ج 6 ص 263.
[11] - الفصول المهمة لابن صباغ ص 245.
[12] - المصدر السابق.
[13] - راجع (منتهى الآمال) ج 2 ص 500 الفصل السادس من حياة الإمام الرضا (عليه السّلام) النكتة الثانية.
[14] - راجع (منتهى الآمال) ج 2 ص 500 الفصل السادس من حياة الإمام الرضا (عليه السّلام) النكتة الثانية.

اضف تعليق