بحث العلماء والمفكرون في عوامل بقاء حرارة ذكر الامام الحسين، عليه السلام، في النفوس رغم تعاقب الازمان والدهور، وتضافر التحديات والضغوط من منع وقطع وقتل، كل هذه الالغام الفتاكة لم تحل يوماً دون توافد الزائرين من كل فجٍ عميق نحو مرقده الشريف في كربلاء المقدسة، ونحن نعيش هذه الايام شهر رجب المرجب، ومن بعدها نستقبل شعبان المعظم، ومن ثم شهر رمضان، فذهب التفسيرات الى أزمات نفسية وأخرى اقتصادية و ايضاً سياسية، فقالوا بمشاعر الذنب ومحاولة التطهير وتهذيب النفس، وفي الميدان الاقتصادي عزا البعض الآخر توافد الملايين الى كربلاء للاعراب عن سخطهم واحتجاجهم على الواقع الفاسد للانظمة الحاكمة التي تركت الناس تصارع الفقر والبطالة والاوبئة حتى الموت، وساق البعض دليلاً على هذا بوجود الشريحة الفقيرة بشكل كبير بين قوافل الزائرين، لاسيما المشاة على الاقدام في ذكرى اربعين الامام الحسين.

و ذهب آخرون الى الدافع السياسي، وأن الحراك الحسيني –إن جاز التعبير- يمثل ردة فعل إزاء الظلم والاضطهاد، ومحاكاة أجواء واقعة الطف، ومحاولة استلهام دروس الصمود والتحدي والتضحية لتعبئة القوى نحو مواجهة اكثر نجاحاً مع الانظمة الديكتاتورية.

بعض هذه الاستنتاجات ربما يكون صائباً ويلامس الواقع الاجتماعي كون فكرة الزيارة بالاساس، الى جانب الحضور عند ضريح الامام الحسين يمثل امتداداً مستمراً مع الزمن لمعركة الطف سنة 61 وهو ما استشعره الحكام بكل حواسهم منذ المتوكل العباسي، مروراً بالحكام الذين سعوا جاهدين لمحاربة هذه الزيارة والزائرين، وصولاً الى عهد حزب البعث العراقي وحكم صدام، كل هؤلاء سعوا جاهدين لمحو ليس معالم البناء الظاهري للمرقد الشريف، وإنما البناء الداخلي المتجذر في النفوس، او تفريغه من محتواه، او التقليل من أهميته وتهميشه من الحياة العامة.

الزيارة تجسيد انتصار الدم على السيف

توافد الزائرين على قلتهم، وبالآحاد في الايام بعد استشهاده، عليه السلام، وعلى كثرتهم، وبالملايين بعد اربعة عشر قرناً من الزمن، يؤكد انتصار الدم على السيف، هذا المفهوم الخارج عن الحسابات المادية المرتكزة على عوامل قوة ظاهرية مثل المال، والافراد، والسلاح، ثم التقنيات الحديثة في الوقت الحاضر، فمن يملك مثل هذه العوامل بامكانه دخول ساحة الصراع في العالم لنيل ما يريد، وهو ما يشير اليه سماحة المرجع الديني السيد صادق الشيرازي في كتابه "إضاءات مرجعية" متحدثاً عن آثار النهضة الحسينية في الحياة بان "المواجهة غير المتكافئة من ناحية العدة والعدد اسفرت عن انتصار الحق واندحار الباطل، وآثار هذا الانتصار واضحة في كل زمان ومكان، فهذا اسم الحسين يُطبق اطراف الدنيا، وهذا علمه الخفاق يرفرف في كل بقعة".

ما هو الحق الذي انتصر به الامام الحسين؟ علماً أن يزيد، و واليه على الكوفة؛ ابن زياد، وايضاً عمر بن سعد كانوا يدعون أنهم على حق عندما قاتلوا الامام، و بهذه الخديعة تمكنوا من تعبئة الآلاف من اهل الكوفة لاشراكهم في دم الامام الحسين، وابعادهم عن الوجه الناصع للحق المتضمن منظومة القيم المتنافرة مع القيم الجاهلية للأمويين، فهم يريدون الحق لشرعنة نهبهم بيت مال المسلمين، وتبرير الاضطهاد وتكميم الافواه، وسياسات التمييز العنصري، بينما الحق عند الامام الحسين يتجسد في العدل والحرية والمساواة والكرامة الانسانية، فالقضية تعود الى الصراع المرير بين أمير المؤمنين ومعاوية والذي انتهى بانتصار الاخير ظاهرياً على شاكلة ما جرى فيما بعد بكربلاء، والسبب أن أمير المؤمنين، ومنهج أهل بيت رسول الله، يعمل ويضحي لغرس الوعي والثقافة الصحيحة في فكر الامة وأن يرقى الانسان الى مستوى أن يعرف الحق فيعرف أهله.

وهذا تحديداً ما يخشاه الحكام على مر الزمن، والى يوم القيامة من هذا المرقد تحديداً دون سائر المراقد، فالاشعاع الثوري المنبعث منه يحرك الفكر ويغير السلوك بما لا يرتضيه هذا الرئيس، وذاك الوزير، وذاك المدير، فهم يحرصون أن يكون افراد المجتمع (المواطنون) رهن اشارتهم وتعليماتهم هم فقط، وإلا لن يشعروا بالأمان على مناصبهم و امتيازاتهم وفسادهم المريع، تطبيقاً لنصيحة المنظر السياسي الايطالي "ميكافيلي"!

إن هذه الزيارة تعطي الناس ما لا يسع أعظم حاكم في الارض ان يعطيه، وهذا العطاء لا يقتصر بشفاء مرض عضال، او قضاء حاجة مستعصية، او حتى استشعار راحة النفس والقلب من التشفّع بالامام الحسين الى الله –تعالى- لغفران الذنوب والمعاصي والنجاة في الآخرة من النار، وإنما يمنحه الوعي والبصيرة النافذة لاتخاذ اصعب القرارات في الحياة ليكون فيما بعد مسؤولاً عن كلامه ومواقفه التي تنجيه يوم القيامة، كما يمكن ان ترديه اذا كان في الاتجاه المعاكس، ونحن نقرأ في زيارة الامام المروية عن الامام الصادق، عليه السلام: "وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة".

هذا الوعي نجد آثاره المباشرة وبدرجات متفاوتة حسب مستويات الفهم والاستيعاب لدى افراد الامة، أقله الشعور بوجود مظلوم مقابل ظالم في معركة الطف، وفي مستوى وعي أرفع نكتشف تطبيقات عملية للصراع بين قيم النهضة الحسينية، وقيم الجاهلية الاولى التي تبناها الأمويون مثل؛ عبادة الذات، والمال، ما يمكن ملاحظتها في الحياة الاجتماعية والسياسية، وطبيعة العلاقات بين الافراد، كلها تُكلل بمفاهيم وقيم النهضة الحسينية، حيث الوفاء، والصدق، والحرية، لذا جاءت تأكيدات العلماء، لاسيما الأسرة الشيرازية، وفي طليعتهم؛ سماحة الامام الراحل، والمرجع الديني السيد صادق الشيرازي، والفقيه الراحل السيد محمد رضا الشيرازي، على أداء واجب الزيارة للامام الحسين عن قرب أو بعد، وايضاً إقامة مجالس العزاء في البيوت لاشراك الاطفال وجميع افراد الأسرة في استذكار قضية الامام، لما لها من آثار تكوينية على حياة الافراد.

الزيارة مدرسة

عندما نذكر الامام الحسين ونستذكر ملحمته المدوية فنحن نقف امام دروس وعبر تجد مصاديقها في حياة الانسان، وقد أكد سماحة المرجع الشيرازي في كتابه المشار اليه بان القرب من الامام يكون بمقدار التعلّم من مدرسته، فكل من يزور الامام ويكون الى جوار ضريحه او يزوره وهو في أقاصي الارض انما يقصده وهو محمّل بالآهات والازمات في نفسه وأهله ومجتمعه وشعبه، ولعل جائحة كورونا تكون أصدق تعبير عن عمق العلاقة بين الزائرين وبين إمامهم، وهذا يدعونا الى الحرص لتكريس هذه العلاقة والحفاظ على نتائجها وآثارها الايجابية عندما "نتعلم من الامام الحسين دروس الاعتماد على الله –تعالى- والعزة، والتضحية، والاخلاق"، يقول سماحة المرجع الشيرازي.

أولاً: الاعتماد على الله –تعالى-

بينت هذه الحقيقة في مقالات سابقة حول حياة الامام الحسين، عليه السلام، بانه كان مثال العابد المتهجّد والمتمحّض في الصلة بالله قبل أن يكون ثائراً ومقاتلاً، فقد كانت علاقته بالله قبل ان يقيم العلاقة مع الناس، ولا أدلّ على هذا من دعاء عرفة المشحون بالمعارف الالهية، و ما فيه من عبارات تقشعّر لها الابدان يصف فيها الامام طبيعة علاقته بربّ العزّة والجلال ليبين لنا أن مصدر قوة الانسان في حياته هي الله، وليس أي مصدر آخر.

هذه العلاقة السامية رافقت الامام طيلة أيام حياته وحتى ساحة المعركة ثم اللحظات الاخيرة من حياته، حيث جاء في كلام له صبيحة يوم عاشوراء: "اللهم انت ثقتي في كل كرب ورجائي في كل شدّة"، وجاء في الروايات ان الامام كان بامكانه الاستعانة بالقوى الغيبية للقضاء على جيش عمر بن سعد والانتصار عليه، لكنه رفض هذا النوع من الانتصار خارج التقدير الإلهي، كما فعل من قبل نبي الله ابراهيم الذي رفض عروض الملائكة لنجاته من النار، بل وحتى رفض تقديم الطلب من الله بالنجاة قائلاً: "علمه بحالي يغنيه عن سؤالي"، ومرّ الامام الحسين بنفس التجربة عندما وجد رضيعه مذبوحاً فقال على الفور: "هوّن ما نزل بيّ انه بعين الله".

ثانياً: العزّ

الجميع يدعيه، فلا أحد يحب لنفسه الذلّ والمهانة، إنما السؤال عن كيفية الوصول الى هذا العزّ؟ وما مصدره؟

ينقل سماحة الامام الشيرازي حديثاً عن الامام الحسين قوله: "من أقرّ بالذل طائعاً فليس منّا أهل البيت"، وقال يوم عاشوراء: "ألا وأن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين؛ بين السلّة والذلّة وهيهات منّا الذلة".

وقد حدد القرآن الكريم مصدر العزّ الحقيقي بأن {أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً}، (سورة النساء،139) أما من يدّعي منح العز للآخرين كأن يكون زعيم قبيلة، او قائد عسكري، او زعيم سياسي، وحتى ثائر ومحرر فانه ما يقدمه للناس لن يكون بالمستوى الذي يغير حياتهم الى الافضل وبشكل جذري، اذا لم نقل انه يعكس عليهم النتائج فيجعلهم أذلاء مهانين من قبل آخرين أكثر قوة وعزّة منهم.

ثالثاً: التضحية

وهي من أعظم قيم النهضة الحسينية "فقد ضحى في سبيل الله، بنفسه الكريمة وبأسرته الميامين، حتى الطفل الرضيع، كما وضحى باصحابه الاخيار"، بما يعني أن القضايا الكبيرة والعادلة التي تناضل من اجلها الشعوب تحتاج اقصى درجات التضحية لتحقيق الاهداف الكبيرة.

رابعاً: الاخلاق

وقد تجسدت بأروع صورها في واقعة الطف، بل وأسهمت في صياغة المشهد، وتغيير مواقف لدى الكثير من المرافقين للامام الحسين، فقد انسحب من قافلته العشرات ممن رافقوه من المدينة ومكة المكرمة، بعد أن أبلغهم بأنه متوجه الى الموت، ثم أحلهم من بيعته حتى لا يكونوا مأثومين بعد استشهاده، ولكن بالمقابل انضم اليه رجل يعادل ألف رجل وهو؛ الحر الرياحي في تلك اللحظات الحاسمة والاستثنائية، ويشير سماحة المرجع الشيرازي الى موقف الامام الحسين من الحر مع السرية التي كان يقودها يوم التاسع من المحرم، وكان قوامها ألف فارس، فقدم لهم أعزّ ما يملك انسان وسط الصحراء، وهو يعلم بمصيره في يوم غد، وهو الماء، فسقى الفرسان باجمعهم، بل حتى سقى الخيول ايضاً!

ان قيم النهضة الحسينية يمكن قراءتها في الكتب، او سماعها من خطباء المنبر الحسيني، وكله حسنٌ، بيد أن استلهامها خلال زيارة الامام الحسين فهو أمر آخر تماماً عندما يتماهى الزائر مع الامام، ومع تضحياته ومنهجه، لاسيما اذا وقف الزائر امام الاصحاب، وهم أناس عاديين، ويقول: "يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

12