تصور المسلمون الأوائل بعد رحيل رسول الله، صلى الله عليه وآله، أنهم باستمرارهم في طريق الفتوحات وضمّ البلدان شرقاً وغرباً الى الدولة الاسلامية، يكونون قد نشروا التوحيد وبشروا بالنظام الاسلامي لحياة أفضل للبشرية، دون أن يكون لعملهم هذا آثار جانبية، فربما لم يكونوا على علم بوجود عمق حضاري في بلاد الشام وبلاد فارس وبلاد الهند، فاذا كان القبول بالاسلام ديناً من قبل الشعوب، فان هذا لا يعني محو الافكار والعادات والتقاليد من القاموس الثقافي لتلك البلدان، لاسيما ما يتعلق بالايمان وطريقة العبادة.

وبالرغم من تأكيدات نبي الإسلام على طلب العلم حتى وإن كان في الصين، و عدّه فريضة في حديث صريح وواضح، بيد أن المشكلة كانت في القدرة الاستيعابية الضئيلة للمسلمين آنذاك بمدى أهمية العلم بالنسبة لهم كأبناء يفترض ان تكون النموذجية في تاريخ البشرية، فكانت النتيجة تأثر المسلمين خلال فتوحاتهم للبلاد البعيدة، بثقافات و افكار تلك الشعوب، ومنذ ذلك الحين ظهرت المدرسة الكلامية المستوحية مبادئها من الفلسفة اليونانية، لتقف بالضد من مدرسة الوحي، فبدأ المسلمون يتحدثون عن العلاقة بين صفات الله وذاته –تعالى-، ونفي القدر، والتجسيم، وخلق القرآن، وما أغراهم في هذا السبيل؛ اتخاذ العقل القاعدة الاساس لصياغة العقيدة وتكريس الايمان، وأن العقل أساس التشريع.

عند هذه النقطة المفصلية في تاريخ الاسلام، برز دور الامام محمد بن علي الباقر، عليه السلام، الذي نعيش هذه الايام ذكرى استشهاده سنة 114 للهجرة، فكان تصدّيه للانحراف الفكري وتبيين معالم الطريق الى الايمان الحقيقي، كما أراد جدّه المصطفى، صلى الله عليه وآله، بالعلم والمعرفة، فكانت المرحلة تقتضي تربية جيل من العلماء في شتّى المجالات، لاسيما المطلوبة آنذاك، مثل؛ علم الكلام (الفلسفة)، وعلم الفقه، وعلم التفسير.

ومن هؤلاء؛ محمد بن مسلم، وكان من كبار الفقهاء، إذ لم يكن راوياً للحديث فقط، بل كان فقيهاً أيضاً، ويقول عنه آية الله السيد محمد رضا الشيرازي – طاب ثراه- "الى الآن وعلى مدى حوالي ألف و أربعمائة عام، يعكف علماؤنا على رواياته يحللّونها، كلمة كلمة، وما يكون مراده بهذه الكلمة؟ في إحدى رواياته، يقول محمد بن مسلم: سألت الإمام الباقر، صلوات الله عليه، عن ثلاثين ألف حديث، من شأنها حل مشاكل الفكر والعقيدة والفقه، لكن للأسف فان كثيراً منها، لم تصل إلينا بسبب صلاح الدين الأيوبي، وأمثاله الذين قاموا بإتلاف هذه الأحاديث وإحراق هذه الثروة الضخمة".

ومن تلاميذ الإمام الباقر الآخرين؛ جابر بن يزيد الجعفي، "وهو من الثقاة الكبار والأجلاء وقد روى عنه، صلوات الله عليه، سبعين ألف حديث، لكن هذا الفقيه الكبير يعيش في ظروف يضطر فيها لأن يتظاهر بالجنون، ويُنقل عن الإمام الباقر، صلوات الله عليه، أنه كتب حرف "جيم" لثلاثة أفراد، وعندما وصلت الرسالة إلى هؤلاء الثلاثة، وكان أحدهم جابر، فهم أنها تعني الجنون"!

وايضاً من التلاميذ الذين تحولوا فيما بعد الى قامة عالية في سماء العلم آنذاك، وهو؛ إبان بن تغلب، "وهو من ألمَع الفقهاء، وقال له الإمام الباقر يوماً: "إجلس في مسجد المدينة وأفتِ الناس فإني أُحبُّ أن أرى في شيعتي مثلك"، ولا أدلّ على علميته ومصداقيته بين سائر العلماء والمحدثين في التاريخ ما جاء عن الذهبي "وهو من كبار النقاد العامة والمتعصبين، عن أبان: إنه شيعيٌ جَلِد لكنه صدوق، فلنا صدقه وعليه بدعته"!

هذه الاسماء وغيرها التي تربو على الأربعمة و إثنين وثمانين تلميذاً هم الذين تحولوا الى علماء كبار اعتمد عليهم الامام الصادق، عليه السلام، فيما بعد لتوسيع نطاق الجامعة الاسلامية ومواجهة العلم بالعلم، كما فعل الامام الرضا، عليه السلام، في تلك المناظرة التاريخية الشهيرة عندما حاجج أهل الكتاب بكتبهم التي يؤمنون بها، كما حاجج المتكلمين (المتفلسفين) بمنطقهم، وهؤلاء هم انفسهم الذين وقفوا بقوة أمام الزنادقة والغلاة والمعتزلة والقدرية وأهل القياس من المتأثرين بالفلسفة اليونانية.

وثمة رواية ينقلها الفقيد الراحل آية الله الشيرازي بأن الامام الباقر، أوصى ولده الصادق، عليهما السلام، بأن يتكفل نفقات عيش هؤلاء العلماء ليتفرغوا لطلب العلم ونشره، ولا ينشغلوا بتحصيل المال لتوفير المستلزمات البيتية لعوائلهم، وربما تكون هذه المبادرة الرائدة في التاريخ الاسلامي في مجال الحثّ على طلب العلم، وتربية العلماء.

إن الرسالة التي حملتها لنا الحياة العلمية للامام الباقر، عليه السلام، الاهتمام بالعلماء والمفكرين والمثقفين ممن يأخذون على عاتقهم نشر الوعي وصياغة الثقافة الصحيحة في الامة، وذلك لتحقيق الهدفين الاساس؛ الاول: تحصين افراد الأمة من التسلل الفكري الاجنبي وما يمكن ان يبثه من تشكيك وقلب للحقائق. والهدف الثاني: تحصين الامة داخلياً من خلال تكريس الوعي الديني على نطاق أوسع بالمجتمع، وهذا يأتي بعدم ترك أي سؤال بلا جواب للجيل الناشئ فيما يتعلق بالعقيدة و الاخلاق والتاريخ، وهو ما يمكّن الشباب، بل وعامة الناس من الحديث بكل ثقة عن عقائدهم وايمانهم على صفحات التواصل الاجتماعي وبطريقة علمية تضع العقل أمام الامر الواقع.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4