نعرف الإمام الصادق، عليه السلام، بانه مؤسس أول جامعة في التاريخ الاسلامي، واليه يعود الفضل في انطلاق المسيرة العلمية والفكرية، وظهور القامات الشاهقة من علماء في شتى الميادين، وهو بكل ذلك جدير، بيد أنه، عليه السلام، كان قبل هذا، مؤسساً لمنهج أصيل في الإصلاح والتغيير في الدولة الاسلامية في مرحلة زمنية مفصلية، فكما كانت الفرصة في ظهور علوم أهل البيت، وفي مقدمتها علوم الفقه، في ظل تراجع سطوة النظام الاموي القمعي، وتمكن المسلمين من التوجه نحو طلب العلم والمعرفة من مصادرها الحقيقية، كانت الفرصة ايضاً في بلورة رؤية خاصة لما يكون عليه مستقبل الامة في الدولة العباسية التي ظهرت في حياة الامام الصادق، على انقاض الدولة الاموية.

العودة الى جوهر الرسالة

ففي الحقبة التي تخللها النظام السياسي من بعد رحيل الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، راح أهل السطة في توظيف المبادئ العامة للدين لخدمة طموحاتهم السياسية، و أوهموا الامة والعالم بأنهم امتداد لرسول الله، وللرسالة الخاتمة، مستفيدين من عوامل عدّة لتمرير منهج مغاير لما جاء به النبي، ومن هذه العوامل؛ تحريف، و اختلاق الاحاديث النبوية التي تمنحهم الشرعية السياسية و في موارد كثيرة جداً، ربما تجدر الاشارة الى نكرانهم لحديث المؤاخاة مع الامام علي، عندما حلّ ذلك اليوم الذي أجبروه عليه السلام، على البيعة وإلا القتل؛ فقال لهم: "إذن؛ تقتلون عبد الله وأخا رسوله، فقالوا: أما عبد الله فنعم؛ وأما أخو رسوله فلا"، وغضّهم الطرف عن الآية القرآنية التي تصرح بالتوارث عند الانبياء، مقابل حديث مزيف عن النبي بأننا "معاشر الانبياء لا نورث..."، من اجل حرمان الصديقة الزهراء من أرض فدك. والى جانب التزييف والتحريف في السيرة النبوية، فانهم عكفوا على تفسير الآيات الكريمة بما يخدم مصالحهم السياسية مثل الآية: ((أطيعوا الله و رسوله وأولي الأمر منكم)).

هذه المنهجية البعيدة عن منهج الرسالة، وعن قيمها حضارية و الانسانية، لم تمض دون ردٍ وتصدٍ من أهل بيت رسول الله، وكان في المقدمة، وحامل راية الإصلاح؛ أمير المؤمنين، عليه السلام، منذ الساعات الاولى لرحيل رسول الله، وكذلك فعل الأئمة من بعده، وكانت النقطة الانفجارية في صحراء كربلاء وبقيادة الامام الحسين، عليه السلام.

ومنذ ذلك الحين انطلقت حراكاً واسعاً في الامة لتصحيح المسار، وعلى طريقين؛ الاول: طريق الثورة الجماهيرية والانتفاضات المسلحة، والثاني: طريق الإصلاح الذاتي في داخل افراد الأمة. ولسبب منطقي –الى حدٍ ما- كانت جماهير الأمة تنساق مع الدعوات الثورية والانقلابية على الاوضاع الفاسدة وسياسات بني أمية، للتخلص من الفساد والظلم والعنصرية وكبت الحريات، وكل ما يتعلق بالنظام الجاهلي قبل بزوغ فجر الاسلام، بينما كانت القلّة القليلة والنخبة من المجتمع ممن يتجهوا الى الطريق الثاني الذي كان يمثل التمهيد الاساس لنجاح أي حراك مطلبي أو إصلاحي.

ولابد من التأكيد من الانضمام الى الثورات الشيعية عبر التاريخ إنما مثّل رد فعل طبيعي على المظالم والانتهاكات الأموية، وأيضاً ما تكرر من سياسات مماثلة في العهد العباسي، لاسيما وأن قادة معظم تلك الثورات رفعوا شعار "يالثارات الحسين"، ومنهم أيضاً؛ العباسيون في بدء انطلاقهم للقضاء على الحكم الأموي، وهو ما كان يدعو اليه الإئمة الاطهار من حيث المبدأ، كون مقارعة الظلم والطغيان والتصدّي للانحراف، من المبادئ الاساس في الاسلام، بيد أن المشكلة في قراءة آفاق المرحلة، وما تخفيه الأيام.

الإصلاح الجسر الآمن الى الحكم

كان سير الاحداث يتجه بسرعة فائقة في الايام الاخيرة من الحكم الأموي، وهو ما دعى العلويين لاستعجال الامور ليكونوا هم من يملئون الفراغ السياسي، بدعوى أنهم الأحق في الحكم، وأنهم امتداد للنهضة الحسينية، بل وامتداد لرسول الله، صلى الله عليه وآله، ولكن؛ لم يكن هذا مما يراه الامام الصادق، عليه السلام، لذا نجد الانطلاقة تكون على يد أبناء الامام الحسن، دون ابناء الامام الحسين، عليهما السلام، فقد هيأ عبد الله بن الحسن المثنى بن الامام الحسن المجتبى، ابناه؛ محمد وابراهيم، ليكونوا في قمة الحكم بعد الانتصار على الأمويين، وهو ما سكت عنه ابناء العباس (العباسيون)، وهم تحديداً –أنذاك- المنصور، وأخواه؛ ابو العباس السفاح، وابراهيم، وعمّهم صالح بن ابراهيم،وانعقد الاجتماع المصيري والشهير في التاريخ، ويطلق عليه بعض المؤرخين باسم "مؤتمر الابواء"، وهي منطقة بين المدينة المنورة ومكة المكرمة، تبعد عن المدينة ثلاثين ميلاً، وفيه قبر السيد آمنة بنت وهب، والدة النبي الأكرم. وفي هذا الاجتماع اتفق العلويون (ابناء الامام الحسن) والعباسيون على بيعة محمد بن عبد الله، المعروف بـ"محمد ذي النفس الزكية"، لما كان يعرف بالنُسك والزهد العبادة.

وبعد عقد البيعة لمحمد ذي النفس الزكية، بلغ الخبر الامام الصادق، عليه السلام، فقال: "لا تفعلوا فان هذا الامر لم يأت بعد، إن كنت –يقصد عبد الله- أن ابنك هو المهدي فليس به، ولا هذا أوانه، وإن كنت تريد أن تخرجه غضباً لله، وليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإنا –والله- لا ندعك وأنت شيخنا، ونبايع ابنك في هذا الامر".

وبالرغم من الخطاب المنطقي للإمام الصادق، ثم تحذيره من المخاطر القادمة، إلا ان شخص عبد الله بن الحسن المثنى، كان عازماً على أمره بلا عودة، حتى أن الامام ذهب أبعد من ذلك عندما ضرب على كتف عبد الله، وقال: إنها (الحكم) –والله- ما هي اليك، ولا الى ابنيك، ولكنها لهم (العباسيين)، وان ابنيك لمقتولان، بل وكشف له من يقتلهما وأشار بالبنان امامه، الى المنصور، صاحب الرداء الاصفر، في تفاصيل يرويها التاريخ. مع كل ذلك؛ وجه عبد الله بن الحسن، تهمة الحسد الى الامام الصادق!

واذا كان ابناء الحسن المجتبى، عليه السلام، يسعون لملء الفراغ السياسي، فقد أعدّ الإمام الصادق، نفسه لملء الفراغ الفكري والثقافي في الامة، ويحدد قاعدتين لبوصلة الهداية نحو شاطئ الامان:

القاعدة الأولى: الاطمئنان الى القاعدة الجماهيرية

هذا الاطمئنان، الذي طالما عمل عليه الأئمة من قبله، عليهم السلام، يشمل مواصفات الايمان، والوعي الديني، والاستعداد النفسي للتضحية بكل شيء، وهذا ما كان يفتقده المجتمع الاسلامي آنذاك، وهو ما كان يثيره الامام الصادق غير مرة لدى وصول وفود الامصار الاسلامية المتوثبة للثورة، والمدعية الولاء له، فكان رأي الامام الرفض الدائم لعدم توفر شروط النهضة في جماهير الامة.

القاعدة الثانية: التقيّة والكتمان

وهذا ما كان يخشاه العباسيون، فقد كان سهلاً عليهم التعامل مع رموز الحراك المعارض كونهم معروفين لديهم، كما كان يسهل اختراق صفوفهم والتجسس عليهم واكتشاف مواعيد تحركاتهم، كما حصل في ثورة محمد ذي النفس الزكية، وثورات اخرى أجهضه العباسيون وقمعوها بكل قسوة ودموية.

وفي المرحلة الزمنية الفاصلة التي كان الجميع يرجو وضع بصمته على الهيكلية الفكرية والثقافية للأمة من خلال حركة الإصلاح الواسعة في نهايات الحكم الأموي، فقد التزم الامام الصادق، عليه السلام، اسلوب التقية للمضي قدماً في هذه الحركة، وليؤكد للجميع وللتاريخ والاجيال انه يمثل الاصلاح الحقيقي الذي تحتاجه الأمة، علماً أن التقية هو المبدأ الذي التزم به سائر الأئمة الاطهار في حياتهم، بيد أن الامر يختلف تماماً مع الامام الصادق، نظراً للمنعطف التاريخي الذي مرت به الامة.

وجاء في الحديث عنه، عليه السلام، يبين فيه مفهوم التقيّة: "انه ليس من احتمال أمرنا التصديق والقبول به فقط، من احتمال أمرنا ستره وصيانته من غير أهله، فاقرأهم السلام وقل لهم: رحم الله عبداً اجترّ (جر) مودة الناس الى نفسه، حدثوهم بما يعرفون، واستروا عنهم ما ينكرون"، ثم قال: "والله ما الناصب لنا حرباً بأشد علينا مؤنة من الناطق علينا بما نكره".

وفي كتابه؛ التاريخ الاسلامي، دروس وعبر، يقول سماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي، إن من دوافع التزام الامام الصادق بالتقية؛ الحفاظ على سرية الخطط والبرامج الخاصة بإدارة شؤون الأمة، فقد تمكن الامام الصادق، التمويه على أنشطته وأعماله وعلاقاته الواسعة، في حين كان لديه الآلاف من الشيعة في كل الامصار الاسلامية، بينهم العلماء والادباء، وكانت تُجبى له الاعمال الكبير من كل مكان، كل ذلك؛ ولم يتمكن المنصور الدوانيقي، ولا مرة واحدة من الإيقاع بالامام الصادق، يقول مؤلف "التاريخ الاسلامي": لو عرف المنصور طريقة تحرك الامام الصادق، وكيفية قيادته للأمة، حتى وإن حصلت هذه المعرفة بعد حياة الامام الصادق، فانه سيستفاد من ذلك في ضرب الامام موسى بن جعفر، عليه السلام، وهكذا بالنسبة لسائر الأئمة الاطهار في مواجهتهم للانحراف في النظام السياسي والاجتماعي، وينقل المرجع المدرسي رواية عن المعصومين، بان "كتمان أمرنا جهاد"، و يتساءل عن معنى الأمر، وأي أمر يقصدون، عليهم السلام؟ "انه ما يرتبط بالخطط والاساليب، وما يسمى بالتكتيك الذي يتبعه الأئمة في تبليغ الرسالة والمحافظة عليها في ظل النظم الارهابية".

الاصلاح الاجتماعي قبل الطموح السياسي

إن حركة الاصلاح التي قادها الامام الصادق، عليه السلام، انما هي استجابة للمرحلة التي عاشها، فقد كان التوجه العام نحو نبذ التحجّر والتزمّت والطريقة الكنسية التي أتبعها الامويون في ادارة شؤون البلاد والعباد، فقد انفتحت امام افراد الامة ابواب الترجمة والتلاقح الفكري والثقافي مع الأمم الاخرى، كما فتحت الابواب واسعة امام حركة العلم والمعرفة والأدب والعمران، وهو ما كان العباسيون يسعون للإيحاء بانهم ابطال هذه الحركة التجديدية في الامة، في حين كان الامام الصادق تحديداً ينظر الى آفاق المرحلة، وكيف يجب ان الانسان المسلم في علاقته مع ربه، وعلاقته مع الآخرين، لذا وقف بقوة امام الافكار الدخيلة مثل؛ القدرية والجبرية والمعتزلة والزنادقة وغيرهم، فكان طموحه صياغة انسان رسالي بما تعنيه الكلمة من "رسالي" بأن يحمل القيم الانسانية والدينية والاخلاقية معاً.

واذا نجد أن جميع الثورات التي ظهرت في عهده، عليه السلام، تم قمعها من قبل السلطات العباسية، فان الثورة الاصلاحية له ظلت عصيّة على أي اجراء قمعي حتى الايام الاخيرة لحياته، لانها كانت في نفوس العلماء و الادباء والفقهاء وعامة ابناء الامة، وهذه الثورة الممتدة هي التي أسست للحراك الذي قاده ابنه الامام الكاظم من بعده، حيث تحول شيعة أباه و اتباعه والمخلصين في زمانه، الى رجال إصلاح ومعارضة مزلزلة في عهد الامام الكاظم، ولعل وجود شخص مثل علي بن يقطين؛ الذي جمع بين الولاء للامام الكاظم، والاحتفاظ بوظيفته داخل البلاد العباسين يُعد ثمرة من الحراك الكبير الذي قاده الامام الصادق، وربما هنالك العديد من هذه الاسماء أخفاها التاريخ عنا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0