أجمع العلماء على آثار ايجابية عدّة تتركها إقامة المراثي على مصاب اهل البيت، عليهم السلام، يمكن ملاحظتها على ملامح الفرد وايضاً المجتمع، فالبكاء واقامة مجالس العزاء، له انعكاسات سريعة على الحالة النفسية للانسان الفرد، وعلى الاخلاق العامة، بل وحتى على الحالة العقدية للناس، لاسيما وأن مصاب الامام الحسين، عليه السلام، يمثل محور هذه المجالس، ولذا فانها مجالس حسينية.

بالنسبة للفرد، فان مشاعر الحزن ثم ذرف الدموع على مصائب ذات أبعاد واسعة، ليس فقط ترقق القلب وتربي النفس على التعاطف، بل من شأنها ايضاً ان تعمق العلاقة مع اصحاب تلكم المصائب، في المجالات كافة، وليس فقط الجانب الانساني، كما ان الايمان والولاء يتعزز لدى الفرد والمجتمع بالدين والمذهب، وايضاً بالقضايا التي ضحى أهل البيت من أجلها.

انه بحر عميق لا حدود له، كما هي المشاعر الانسانية والفطرة السليمة التي غرزها الله –تعالى- في نفس الانسان، تدفع نحو التعاطف والتضامن مع الضعيف والمقهور مهما كان، إلا في حالات نادرة يكون فيها الانسان في حالة غير سويّة، متأثراً بظروف معينة تبعده عن فطرته، ولذا كان لابد من مرفأ للاستراحة والتأمّل والتفكّر فيما أجهده من إظهار المشاعر الجياشة، وذرف الدموع الساخنة، والتحقق من الآثار الايجابية المرجوة من وراء كل ذلك على حياته العامة.

التفكّر للبناء

بما أن المشاعر الانسانية بشكل عام تأتي عفوية، ولا تكلف الواحد منّا فترة معينة لأن يقرر ما اذا كان سيتعاطف مع طفل يتعرض للضرب من قبل أبيه –مثلاً- أم لا، فهي بالسرعة التي تظهر على الواقع الخارجي، تخبو ايضاً بنفس السرعة، او بعد حين، فلا يبقى شخصٌ دائم البكاء والحزن على أي شيء مهما كان، إلا الاستثناءات في تاريخنا فيما يتعلق بالمعصومين، بينما التفكّر والتدبر يتميز بالديمومة في النشاط الذهني، فهو يبدأ ببطئ ويستمر الى أمد غير معلوم، لاسيما اذا كان الامر يتعلق بقضية ذات أبعاد تلتقي فيما بينها او تفترق، من بعد انساني، او بعد عقائدي، او بعد فكري، او بعد اجتماعي وسياسي، إلا اذا كان القرار بالترجل عن سفينة التضامن و"النجاة" والركون الى ما هو بعيد عن مدرسة أهل البيت، بشكل كامل.

ومن أجل ذلك يوصي العلماء بالاحتكام الى العقل لفهم أبعاد القضية الحسينية في جانبها المأساوي، وكذلك الحال للمآسي التي جرت على أهل البيت، وفي مقدمتهم الرسول الأكرم، وابنته الصديقة الزهراء، صلوات الله عليهم أجمعين، حتى بكاء الزهراء على أبيها رسول الله، وبذلك الشكل المفجع، كان يمثل رسالة صارخة ومدوية عبر التاريخ ملؤها التقريع والتأنيب للأمة التي خذلت أهل بيت نبيها من بعده، هذا الى جانب مشاعر الحزن والأسى الذي لا حدّ له على مصاب جلل بهذا الحجم.

وهذا بالتحديد ما بادر اليه أهل البيت قبل وقوع السيف بينهم بين مناوئيهم، وقبل حصول الحوادث المفجعة، ولعلمهم اليقيني بما يحصل، فقد خاطب الامام علي، افراد جيشه، وقبل ظهور الخوارج من بين هذا الجيش، بأنه القرآن الناطق، وما يتوهمونه على الرماح بأنه القرآن، فهو القرآن الصامت، وقبل ذلك نقرأ في الحوار الساخن المفعم بالأدلة والبراهين الذي خاضه الامام والصديقة الزهراء أمام الحكام الجدد بعد وفاة النبي الأكرم، وأن الادعاءات بعدم ملكية الزهراء لفدك، والحاجة الى الشهود بأن النبي وهبها لابنته، وغيرها من المعاذير الواهية لا تصمد بالمرة أمام آية التطهير في حق الامام علي والصديقة الزهراء معاً، وفي صحراء كربلاء، حيث وقف الامام الحسين، عليه السلام، ودعاهم للتفكر فيما هم فيه، ومن يقاتلون؟ بل وفلسفة وجودهم في الحياة! وهذه من المفارقات العجيبة في النهضة الحسينية، ففي وقت تكون الحاجة –حسب الاعتقاد السائد- الى التعبئة النفسية واستدرار العاطفة، نجد الامام الحسين يتحدث عن الحرية والكرامة الانسانية امام أناس مغرر بهم، وقد ران على قلوبهم، وقد تراجع الايمان في نفوسهم بسبب الجُبن وحب المال.

ربما لم يكن للمتدافعين على معسكر الامام الحسين يوم عاشوراء من أهل الكوفة وغيرها، الفرصة لاستيعاب ما تحدث به الامام لهم، بيد أن هذه الفرصة كانت للتوابين، ومن بعدهم لأنصار المختار، وللأجيال التالية التي أسهمت في تفجير ثورات عارمة أسقطت الشرعية من أنظمة حكم قامت باسم الاسلام وباسم خلافة رسول الله، وكشفت زيفها من خلال المبادئ والقيم التي ضحى من اجلها الامام الحسين، كونها الصورة الناصعة للرسالة المحمدية.

التوازن الحذر

المشاعر والعواطف جزء من تكوين الانسان، والذي يفكر ايجابياً نحو عمل الخير والصلاح، لابد وان يكون سليم السريرة، طيب القلب، مطمئن النفس، وهذا يتحقق بوجود قدر من الاستجابة للمثيرات العاطفية تخلق لديه مشاعر انسانية إزاء قضايا الظلم والتعسف والاستضعاف، وهذا ما نبه اليه الرسول الاعظم منذ الايام الاولى من تشكيل المجتمع الاسلامي في المدينة، فقد علّم الناس كيفية ترويض القسوة والغلظة بالابتسامة، و معالجة عادة مقيتة وخطيرة مثل وأد البنات بإظهار المزيد من الحب والود للجنس المؤنث بشكل عام، بل وحتى طريقة التعامل مع الحيوانات برفق. كل هذا وغيره كثير يمهد الارضية النفسية لاستيعاب العقل حزمة من الانظمة والاحكام الاجتماعية، مثل التسامح والتآخي والتكافل وغيرها كثير.

بالمقابل نلاحظ محاولات تناقض سيرة الرسول الاعظم، وتدعو الناس للعودة الى النزعة الجاهلية الداعية الى العنف والغلظة والقسوة، وهذه المرة بلباس الدين والايمان، فعندما يؤتى بامرأة متهمة بالزنا وهي تنكر ذلك، لا يسع الحاكم المدعي خلافة رسول الله، إلا ان يقيم عليها الحد، بيد أن تنجو بفضل الحكم الصائب لأمير المؤمنين، عليه السلام. وعلى هذا النهج سار جمعٌ من المسلمين منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا ينشرون ثقافة العنف والقسوة على أنها الطريق الوحيد والصائب لنشر الاسلام في العالم، فكانت النتيجة أن يقتل المسلم أخاه المسلم بدم بارد ويتقرب بقتله الى الله –تعالى-!

وثمة اعتقاد لدى البعض أن العودة الى النهج النبوي في بناء النفس يكون من خلال الشحن المتواصل للمشاعر الانسانية وإثارة العواطف على طول الخط، وجعل الانسان سريع البكاء على المظلومين والمضطهدين، وهذا يشبه الى حدٍ كبير بمن يصاب بارتفاع شديد في الضغط او السكري، فيسارع الاطباء الى تزويده بحقن تخفظ هذا الارتفاع بشكل سريع وآني، بيد أن هذا الانخفاض لن يدوم، فستعود الشرايين المتصلبة او الغدد الفاشلة بعمل دورها السلبي بالارتفاع، تبقى مهارة الطبيب في السيطرة على هذا الارتفاع ومعالجة الفشل والمشكلة التي تنتج المرض او تفاقمه اكثر.

بمعنى أننا نحتاج الى إثارة المشاعر الانسانية والتفاعل الشديد مع المراثي الحسينية ومصائب اهل البيت، عليهم السلام، بنفس القدر الذي نحتاجه الى إثارة دفائن العقول للتدبر في أبعاد القضايا التي من أجلها وقعت تلكم المصائب. وكلما حققنا هذا التوازن بين العقل والعاطفة، كلما فهمنا سيرة المعصومين واسباب تضحياتهم العظيمة، وكلما فقدنا هذا التوازن، قفز التطرف الى الواجهة، سواءً بالتركيز على مظاهر الحزن والشكليات والمثيرات، او بالتركيز على التفكّر المحضّ وتحويل مصائب أهل البيت الى نظريات فلسفية لا يستوعبها إلا "ذو حظ عظيم".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0