من الصعب المفاضلة بين الدول القابعة تحت نير الإستبداد ، وإن
تباينت درجة ونوع هذا الإستبداد ، فمجرد غياب الديمقراطية وحق المشاركة
السياسية في الدولة يؤدي بالضرورة إلى تقارب مستوى التخلف السياسي
والإجتماعي والثقافي بين المجتمعات .
لجوء السلطة إلى إعتماد القسوة ضد المواطنين يؤدي إلى إرتفاع درجة
الكراهية ضد الدولة ، ويساهم في تكريس ثقافة المفاصلة بين الدولة
والمجتمع ، لكن عزوف الدولة عن تعذيب المواطنين لا يؤدي وحده إلى خلق
حالة وئام وطني ، بل يقلل فقط من حجم التصادم الداخلي ، وأميل هنا إلى
ما قاله جون لوك " ليس للطغيان صورة واحدة فمتى استغلت السلطة لإرهاق
الشعب وإفقاره تحولت إلى طغيان أيا كانت صورته " ، أما الإنتقال في
العلاقة بين الدولة والمجتمع إلى الحالة الإيجابية فإنه يستلزم عمل آخر
أبسطه ركون الدولة إلى الديمقراطية وإفساح المجال للقوى السياسية
لإبداء الرأي والمشاركة في صنع القرار .
والحق أن الدول العربية تمتلك كل مظاهر الدولة المعاصرة المتفق
عليها في القانون الدولي من إقليم وحكومة وسيادة وجيش نظامي ، وتتفوق
بعضها بوجود برلمان منتخب وصحف شبه حرة وإذاعة رسمية ، كما تشارك
جميعها في المؤتمرات العالمية وتساهم في التوقيع إلى جانب آخرين على
البروتوكولات الدولية ، وتفتخر بإمتلاكها لهيئات دوبلوماسية ومنتخبات
رياضية وموسيقى وطنية ، لكنها تفتقر لوجود شعب يستوعب هذه المظاهر .
النقص الأساسي الذي تعاني منه الشعوب العربية هو النقص في خبرة
الحرية وخبرة القانون الذي يكفل سلامة الحرية من أي خدش قد يصيبها ،
هذه ( الحرية ) التي تبرر إلتفاف الناس حول الدولة بمضمون عقد إجتماعي
ينظم العلاقة بين الفئات المختلفة ضمن إتفاق يصون حقوق المواطنين
المدنية على إختلاف إنتماءاتهم الدينية أو العرقية ، ويضمن عدم التعدي
عليها .
لعل هذا القول يحمل في طياته بعض المبالغة ، لكنه يعبر من وجهة نظري
عن جزء كبير من الواقع المأزوم الذي تعيشه الشعوب العربية ، هذا الواقع
ليس وليد اليوم بل هو إمتداد لبنية ثقافية عربية وإسلامية طويلة ،
إرتفعت خلالها كل شعارات السياسة البراقة من عدل ومساواة وشورى وتداول
سُلطة بطرق سلمية ونظيفة ، ناقضتها الممارسة الفعلية التي إعتمدت (
عمليا ) على القفز إلى السلطة ، وقمع المختلف ، والإنتصار لمبدء
التفرقة العنصرية والطائفية ، وتقشي الإستبداد .
منذ ما يتجاوز الألف وأربعمائة سنة والإضطهاد السياسي هو الحالة
العامة في العالم العربي ، نقول ذلك دون أن نتغافل عن سوءات الفترة
التي سبقتها ، بيد أن تخصيصنا لهذه الفترة هي بمثابة الإشارة إلى عظيم
المبادئ التي رفعها العرب وأخرجوها من هدي القرآن و سنة نبيهم الصحيحة
، دون أن تكون لهذه المبادئ والقيم أي أثر على حياتهم السياسية الفعلية
حيث إتسمت بالإفراط في إستخدام القوة لبسط النفوذ وضرب التوجهات
المخالفة بكل شراسة ، وإحتكار السلطة ، والتفرد عند إتخاذ القرار .
نكرر هذا القول دون أن نتجاهل أيضا الفترات القصيرة التي إتسمت
بالهدوء النسبي ، وغياب الأحكام العرفية والإستثنائية التي عمت ولا
تزال شطر كبير من البلدان العربية ، إذ ساهمت – فترات الهدوء النسبي –
بحركة نوعية في العلوم والإبتكار والإنشغال بالأهم عن الأقل أهمية ،
حيث تتفرغ المؤسسات الأهلية لتأصيل البرامج التنموية ، ويعكف العلماء
على تصدير إنتاجهم للعالم ، ويمارس المثقفون حركتهم النقدية دون خوف أو
تردد .
على أن هذا الهدوء يربكه إصرار الحاكم الذي يرغب أن يكون محورا في
المجتمع ، ويفرض إهتماماته وأجندته على الناس ، ومثال العراق وإنتشار
صور الرئيس عند كل مدخل وعلى كل قارعة طريق ، ليس علينا ببعيد ، إن
الهدف الأساسي من هذا الفعل هو هدم إنسانية الإنسان ، وتحويل الشعوب
إلى عبيد لا يعترضون على قول ولا يجرؤون على التفكير في حضرة الرئيس .
ومع تعاظم شأن السلطة في الذهن العربي ، إنقسم المجتمع إلى كفتين ،
الأولى إستمرت في نزاعها للوصول إلى الحكم مع إختلاف الوسائل والغايات
، والفئة العظمى إستجابت لإرادة الهدم وأصبحت لديها قابلية للإستعباد ،
وكلا الطرفين باتت تحركات الرئيس وأنفاسه هي محور ومنتهى تفكيريهما ،
هذا ليس غبن بل ثمة دليل يلخصه السؤال التالي : ماذا قدم الطرفان ؟
لست في معرض التعريض أو الدفاع عن مسألة الدخول وعدم الدخول في الهم
السياسي اليومي ، بصفته أحد الهموم التي ترافق الإنسان في كل مراحل
ولحظات حياته ، ولا يمكن تجريده من آثاره ، لكن أن تدمر السُّلطة كل
التمايزات بينها وبين المجتمع ، وتصهر كل قواه ومؤسساته وشخصياته في
قالبها ، فهو ما سيؤدي إلى إرهاق الجميع دون إستثناء ، ويعيدنا دوما
إلى المربع الاول لنتسائل عن أسرار النهوض ؟ دون أن نجني ثماره .
خاتمة القول : في المجتمعات الحديثة يُنظر إلى السلطة كأحد مكونات
الدولة يقابلها مؤسسات في المجتمع لا تقل من حيث التأثير وإتساع النفوذ
عن مؤسسة الحكم ، أما في الدول القديمة ( ذهنيا ) فإن المقصد الأساسي
لكل الفاعلين في الهم العام الوصول للسلطة أو تمجيد السلطة ولا ثالث
لهما ، هكذا ستهب كل الخلافات والصراعات لأسباب تتعلق بالعرش وإن رفعت
المصاحف على الرؤوس .
في المجتمعات الحديثة تنمو الشركات والمؤسسات لتضاهي حجم وتأثير
الدولة ، ولتساهم مساهمة فاعلة في تحريك القرار على مستوى العالم ،
ولإجبار الرؤساء الكبار على الإجتماع والتشاور وحل بعض المشكلات
العالقة التي تعيق عمل ( أصحاب المؤسسات العولمية ) ، أما في الدول
التقليدية فإن غاية طموح المؤسسات الحصول على رضا السيد الرئيس .
الحل يكمن في تهميش السلطة ذهنيا ، تهميش السلطة كثقافة وكأجندة
معرفية تعرقل حركة الأفراد والمؤسسات ، وتتحول إلى غول يأكل كل ما
يصادفها في الطريق ، والإهتمام بالسياسة كشأن عام يخص كل المجتمع بجميع
مكوناته ، إن الإهتمام بالشأن العام لا يعني إطلاقا الإهتمام فقط بشؤون
الحكم ، وتتبع أخبار السيد الرئيس ، بل يتضمن تفعيل حركة المجتمع
والمساهمة البناءة في رفع درجة الوعي بالحقوق والميل للمطالبة بها ،
كما يتضمن إعادة الروح إلى مؤسسات المجتمع الأهلي ، وضخ الكفاءات
الجديدة بإستمرار كبدائل محتملة لقيادة المجتمع نحو المستقبل .
AHMED_HJ@HOTMAIL.COM
|