يفتخر الكويتيون بمجلسهم البرلماني، ويعتقدون
انه يمثل صمام امان يحد من الاخطاء الحكومية، لكن النخبة السياسية
والفكرية تطمح للمزيد من الحريات، وتجادل السلطة حول عدد من القضايا
نراها لا تقل اهمية عن وجود البرلمان وعلى رأسها التعددية الحزبية
واطلاق يد مؤسسات المجتمع المدني.
وفي دول الخليج الاخرى ينظر الى تجربة الكويت
السياسية كأحد ألمع التجارب في المنطقة، تليها من حيث الحراك السياسي
التجربة البحرينية رغم العواصف الامنية والسياسية التي مرت بها فان
سنوات التحول تؤذن بانفراج نسبي بدأ بما عرف بالتصويت على الميثاق
وتحويل الامارة الى مملكة، ثم الانتخابات البرلمانية رغم ما شابها من
حركة مقاطعة بارزة، ولا يزال البحرينيون يطالبون بالغاء مجلس الشورى
المعين، وايقاف عملية التجنيس وزيادة مساحة الحريات العامة.
في قطر لا يوجد برلمان منتخب، لكن على مستوى
البلديات تم السماح للمراة القطرية بالمشاركة السياسية عبر منحها حق
الترشيح والانتخاب، وحالت العادات والتقاليد والنظرة المتأخرة للمرأة
من حصولها على مقعد في المجلس، لكنها مثل جارتيها عمان والامارات تعيش
ضغوطا داخلية تقلل من اهمية المطالبات السياسية، كما انها بعيدة عن
خطوط العنف التي مرت بها بلدان الخليج الاخرى، ويمتلك مواطنوها نسبة لا
بأس بها من الاستقرار الاقتصادي، يجعلهم ينظرون الى الاصلاحات السياسية
«كحاجة كمالية» لتحسين صورة الدولة في الخارج او لمسايرة التحولات
المتسارعة في دول الجوار الجغرافي، رغم ذلك فان بذور المطالبة بالتنمية
السياسية بدأت تنمو فيها بصورة ستسفر في المستقبل عن المزيد من
المطالبات وعلى هذه الدول ان تهيىء نفسها لتلبيتها.
وفي المملكة العربية السعودية يوجد مجلس شورى
معين من قبل الملك، وصلاحياته محدودة لا تتعدى صلاحيات اي مجلس شوراه
معلمة وليست ملزمة، كما اتخذت مجموعة من الاجراءات السياسية فحددت
«نظام اساسي، ونظام مناطق» لكن ثمة حراكا سياسيا لا يخفى تقوده نخب
اصلاحية يتجه نحو تحصيل المزيد من الحقوق والمساواة والرغبة الواضحة في
المشاركة السياسية، وبدأت اسئلة مثل: حقوق المواطنة، وحق الانتخاب،
وحرية التعبير، والتنمية الاقتصادية تأخذ مجالها المناسب في حديث النخب
السياسية والاجتماعية.
ظروف الخليج تتمايل بين المد والجزر، فمن جهة
ترغب دول الخليج في دخول دائرة الدول العصرية، عبر تحديث التعليم،
وعصرنة المؤسسات، ولبرلة الدولة، لكنها من ناحية اخرى لا تزال تعيش
تحديات اعراف قبلية كانت ولا تزال سببا في وأد الكثير من رغبات الاصلاح
والتحديث، فالتعليم من الناحية الفعلية في اسوأ درجاته، والمؤسسات تدار
بطريقة تقليدية رتيبة، والدولة لا تكاد تتمايز عن السلطة.
غير ان سيرورة اعادة النظر التي تعيشها دول
الخليج تتسم بصفة سلبية وهي صفة الاعتماد على الزمن لحل المشكلات
العالقة، وانتظار اعلى درجات الضغط لادخال تحسينات سياسية كان من
المفترض ان تحدث منذ فترات سابقة وفي ظروف سلمية توافقية.
فمن المعلوم وعبر العديد من التجارب ان احدا في
الخليج لا يريد ان ينازع السلطة صولجانها لكن تصب المطالبات عادة في
ضرورة استحداث اصلاحات سياسية مستمرة ومتوافقة مع امال بناء الدولة
العصرية التي يرغبونها، ولا عيب ابدا في ان يعيد أبناء الخليج النظر
بمفهوم الدولة لديهم. ولا عيب باعتراف الحكومات بفشل مشروع الدولة في
السنوات السابقة، وانما العيب الحقيقي يكمن في دخول التحديث السياسي
برغم انف الجميع او عبر سلسلة من التوترات الامنية والسياسية في
المنطقة لاسيما وان مؤشرات ذلك واردة.
ومنه ما اشار اليه الرئيس السابق لوكالة
الاستخبارات المركزية الامريكية «سي اي ايه» جيمس ولسي، في كلمة القاها
خلال مناظرة نظمها اتحاد الطلبة في «جامعة اوكسفورد البريطانية» ان
الوقت قد حان لكي تستبدل الولايات المتحدة جميع الانظمة العربية وقسم
ولسي الدول العربية الى قسمين: «الدكتاتورية المطلقة.. وانظمة الاسر
المحدودة، مؤكدا ان الحرب التي تشنها الولايات المتحدة على العراق لا
ترتبط بالضرورة بموضوع اسلحة الدمار الشامل بل هي اساسا لنشر
الديمقراطية في العالمين العربي والاسلامي.
لقد مرت منطقة الخليج العربي بحالات من عدم
الاستقرار، وكان لغياب ارادة التغيير اثر واضح في استمرار حالة التوتر
وسيادتها زمنا طويلا من الوقت، كما ادى الى تبعثر طرق التفكير في شكل
الدولة التي يأملونها، لقد تكتمنا كثيرا وتحدثنا بخلسة وفي دوائر مغلقة
لسنوات طويلة فما زادنا ذلك الا غموضا والتباسا في مفهوم الدولة وفي
الافاق التي نحلم بها وقد آن أوان المصارحة والحديث بصوت عال وان
اجتهدنا فاخطأنا فالمستقبل تخطيط وارادة.
*
كاتب كويتي
AHMED_HJ@HOTMAIL.COM |