أعد المركز البريطاني Article 19 ( أُقتبس اسمه
من المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ) وثيقة بعنوان " حق
الجمهور بالمعرفة " جاء في جزء منها المبادئ التالية : وجوب الكشف
المطلق للمعلومات ، ترويج سياسة حكومة الانفتاح ، تحديد نطاق
الاستثناءات ، اعتماد إجراءات تسهل الوصول إلى المعلومات ، تحديد
تكاليف مقبولة للوصول إليها ، فتح اجتماعات الهيئات الحكومية للجمهور ،
تعديل القوانين التي تتعارض مع مبدأ الكشف الكامل أو إلغاؤها ، حماية
المخبر ( الإعلامي ) .
وتتضمن الدساتير العربية نصوصا تكفل حرية
التعبير عن الرأي ، فالدستور الكويتي تضمن نصا واضحا ( المادة 36 )
يكفل حرية الرأي والتعبير عنه ، وتنص ( المادة 30 ) من دستور الإمارات
العربية على ( حرية الرأي والتعبير عنه بالقول والكتابة وسائر وسائل
التعبير مكفولة في حدود القانون ) ، ويتفق مع ذلك الدستور السوري (
مادة 38 ) واللبناني ( مادة 13 ) والأردني ( مادة 15 ) ، والمغربي (
مادة 9/2 ) ، والبحريني ( مادة 23 ) ، والتونسي ( مادة 8 ) وتكاد
تتشابه بقية الدساتير العربية في ذلك ، إلا أن القدرة على التعبير
والتي تُعد أحد الشواغل السياسية والفكرية في العالم العربي ، تصطدم
بحرية الحصول على المعلومة التي بينتها وثيقة المركز البريطاني (
Article 19 ) .
إذ لا تزال السرية تغلف معظم المعلومات في
العالم العربي ، والتي تحاط بتكتم شديد لا سيما تلك المرتبطة بممارسات
وأحداث داخل الدولة ، فما هو متاح لك معرفته عن العالم ، لا يجوز لك
الاقتراب منه في وطنك الأم ، فهو يُعتبر من شؤون الخاصة وليس العامة ،
هذا التحول في شؤون السلطة من الشأن العام إلى الشأن الخاص يثير الكثير
من السلبيات في الحياة العربية ، إن لم أقل أنه سبب رئيسي من أسباب
التخلف المدوي الذي تعيشه مجتمعاتنا في كل لحظاتها الراهنة .
نمتلك في العالم العربي مئات الصحف ، ورغم ذلك
لا يجد القارئ فيها ما يجب معرفته كمواطن ، ويضطر هو وغيره للبحث
المضني عن معلومات بلده في صحف ووسائل إعلامية غربية يراها نموذج
الحقيقة المفقودة في بلده ، والطريف أن هذه المعضلة لا تختص بالمواطن
البسيط أو ما يُصطلح عليهم بالعوام ، بل تشمل حتى مسؤولين كبار في
الدولة وعلى درجة عالية من الأهمية الذين يُضطرون هم أيضا للبحث عن
المعلومة في الصحافة الأجنبية ، إذ أن قصاصات الأوراق التي تقدم لهم في
الصباح الباكر على شكل تقرير يومي لا تُقدم لهم ربع المعلومات التي يجب
أن يعرفها العوام فضلا عن المسؤولين ، وهذا بالضبط سبب علة فشل
الحكومات في دولنا ، فغياب المعلومة من مصادرها الأساسية ، يضع
المسؤولين في موقف الحائر ، أو قل التائه الذي لا يعرف حقيقة ما يجري
حوله .
فالدولة تخاف من كشف الأسرار للعامة ، وبعض
الوزراء يتواصلون بإستمرار مع الناس أو مع جزء منهم ، بما يضاعف من خطر
انتشار المعلومة في المجتمع من وجهة نظر دولتيه ، رغم أن اغلب هذه
المعلومات هي حق مكفول من حقوق الناس القانونية ، ولا يجوز إخفائها بأي
حال .
والأكثر من ذلك أن الدولة تكافح أي منفذ لتسريب
المعلومات ، فدول الخليج وسائر الدول العربية تمنع إصدار جرائد سياسية
، وتحصر هذا الحق في مجموعة محددة تحاول جاهدة أن تحكم قبضتها عليها ،
كما تتحكم الدولة ببقية وسائل الإعلام كالإذاعة والتلفزيون ، وتعتبر
هذه الأجهزة أجهزة رسمية تعكس سياسات الدولة وتوجهاتها ، ولذلك من
الطبيعي أن تكون أولوياتنا لا تتجاوز حدود الانشغال في الأمور الهامشية
( أيهما يعرض حال الأذان صور مساجد الكويت أم الحرمين ؟؟ على سبيل
المثال ) ، بينما يتم إخفاء الكثير من المعلومات المتصلة بسياسات
الدولة الداخلية دون أدنى شعور بالمسؤولية ، وفي عدد من الدول العربية
تتضاعف الرقابة على مواقع الإنترنت السياسية التي تحمل سمة الرأي الآخر
/ الناقد ، وتتم ملاحقة المواقع الجديدة لإغلاقها قبل أن يستثمرها
الجمهور .
إن هذا النوع من التكتم يدفع في إتجاه تغييب
المجتمع وتعطيله عن ممارسة دوره المأمول ، فكيف سيقوم أي مواطن بدعم
الدولة أو توجهاتها العامة وهو لا يعرف أساسا ما هي توجهات الدولة ؟
مطلوب من المواطن أن يكون متعاونا وأن يُجند نفسه في خدمة وطنه ، دون
أن تبذل الدولة أي جهد في تسليح هذا الجندي بما يلزمه من معلومات
أساسية ، تريد الدولة العربية جنديا يقوم بكل واجباته دون حتى أن يعرف
ما هي تلك الواجبات .
إن الإصرار على حجب المعلومات سوف يزيد من حدة
العزلة بين الدولة والمجتمع ، و سيكون من الصعب في الأيام القادمة خلق
الثقة التي تحتاجها الدول لديمومة الإستقرار لا سيما في أوقات تفجر
الأزمات وما أكثرها في الزمن الأمريكي .
* كاتب كويتي
AHMED_HJ@HOTMAIL.COM |