لا زالت القوى السياسية في عالمنا العربي تعيش حالة
خلط واضح بين الهموم السياسية اليومية ، بما فيها من انفعالات وغضب ،
واختلافات متوقعة في وجهات النظر ، وبين الأهداف المبدئية التي يجب أن
تحكم العمل السياسي كإستراتيجيات ثابتة وغير قابلة للجدل، في مثل تكوين
(كتلة مجتمعية) تقف أمام تغوُّل الدولة وتمددها على حساب الناس
والمجتمع، وفي مثل بناء قوة مجتمعية تمنع محاولات الدولة لاحتكار مراكز
القوة السياسية والإقتصادية والثقافية، والتي تعد أساس بناء المجتمعات
الحرة والقادرة.
نلاحظ ذلك الخلط فيما ذكرناه في المقال السابق من
توسل الأطراف السياسية بالسلطة لضرب أو تحجيم القوى المنافسة الأخرى،
رغم أن هذا التوسل سيُضعف الجميع، ويقوي من موقف السلطة إذ سيبرر
تدخلها في الأنشطة التي يفترض أن تكون من حق المجتمع وهو وحده من يقرر
مصيرها، سنجد الدولة تتدخل فيها تحت غطاء سياسي أو شرعي توفره لها
القوى المنافسة، خذ على سبيل المثال صمت (جماعة الإخوان) في مصر عندما
قامت سلطة عبد الناصر بضرب الأحزاب الوطنية المصرية، إذ اعتبروا أنفسهم
جماعة وليسوا حزبا، وأن خطوة الحكومة ستفرغ البلد من المنافسين
والحزبيين بما يتيح لهم حرية الحركة والدعوة، ولكن سرعان ما تفرغت
السلطة ضدهم وأدمتهم في الأحداث المعروفة .
اليساريون من جهتهم وفي خضم الصراع المرير بين
الدولة والمجتمع العربي في أكثر من بلد عربي، لم يحتجوا على اضطهاد
التيارات السياسية الأخرى من قبل الحكومات بل اعتبروها فرصة تفسح
الطريق لهم من المنافسين السياسيين ، لكن عجلة القمع طحنتهم بعد أن
استفادت منهم في طحن وإلغاء الآخرين .
وهو ما يثبت أن الديمقراطية والحرية ( كل لا يتجزأ
) فإما أن تنعم بها جميع التيارات بلا إستثناء ، وإلا ستحرم جميعها
منها ولكن بصورة تدريجية ، حسب أولويات وتحالفات وحاجات السلطة ، وهو
ما يستتبع تفريغا منظما للمجتمع الأهلي القائم على توازن القوى ، أو
بالأحرى القائم على مجتمع قوي وسلطة تابعة له .
إن ما يتوجب إقراره دون تأخير هو حق جميع الأطراف
باختلاف توجهاتهم في العمل السياسي ، وهذا الحق يجب أن يلقى الدَّعم من
جميع القوى الأهلية والسياسية بصورة أو أخرى ، أما الدولة فلها مجالها
الذي تتحرك فيه والذي يجب أن لا يصل إلى مكتسبات الناس وحقوقهم الأصيلة
.
فلك الحق ( كتيار سياسي ) أن تختلف معي ولي الحق (
كتيار منافس ) أن اختلف معك ، ومن حق كل طرف أن يلجأ إلى الوسائل
المختلفة لكسب أكبر قدر من الجمهور لصالحه ، ولتفعيل أدواره ، وتحقيق
غاياته ، لكن ضمن أُطر العمل الأهلي الذي تدعو له القوى السياسية دوما
وليس عبر اللجوء إلى السلطة والتحالف معها ضد الآخرين ، الذين هم نظراء
عمل في الساحة الواحدة .
طبيعة الدولة في العالم العربي أنها دولة معزولة عن
مجتمعها ، وتزيد من درجة عزلتها رغبتها الجامحة في إستخدام القوة
والقهر لبسط النفوذ والإحترام ، بما يؤدي في النتيجة إلى تنامي سلطة
مستبدة تتجاسر دون قلق على مكتسبات الأمة ، وفيما لو وفرت لها بعض
القوى الأسباب المساعدة لقمع الآخرين وإضعافهم ، فلن تتردد في إضعاف
الجميع .
فضمن التجربة التاريخية لم تترك الدولة التسلطية في
العالم العربي تياراً سياسياً إلا وحاولت قمعه ، وسعت جاهدة لدمج
المجتمع كله في إطار الدولة السياسي ، وعملت على تضيق المجال السياسي
المجتمعي وتقليصه حتى يتطابق بالكامل مع مجال السلطة ، وهو ما نفهمه من
محاولتها الدائمة للربط بين الولاء للسلطة والولاء للوطن .
فالدولة العربية بطبيعتها تعيش حالة من الجبروت ،
ولن يكون في أيدينا من حل لتقليل هذا الجبروت سوى في إعادة القوة
للمجتمع السياسي ، عبر تحييد الدولة عن التدخل ضد أي تيار مهما كان
منافسا ومهما كنا غير متوافقين معه ، أو غير هاضمين لأطروحته الفكرية
أو السياسية ، فالاختلاف فن يجب أن نُحسن التعامل معه إذا رغبنا في
بناء مجتمع سياسي كما نستحقه وتستحقه مجتمعاتنا .
* كاتب كويتي
AHMED_HJ@HOTMAIL.COM
|