وفق المعايير الإنسانية والأخلاقية والقانونية والشرعية، يعتبر تنظيم داعش من التنظيمات الإرهابية والإجرامية، التي مارست كل الموبقات بحق الإنسان والإنسانية.. ولعل الكثير من المهتمين العرب، لا يختلفون حول أن تنظيم داعش من التنظيمات الإرهابية، لأن ما قام به هذا التنظيم التكفيري، لا يمكن وصفه إلا بالإرهاب..

ولكن الاختلاف يتم بين المهتمين حول كيف نشأت هذه المجموعات الإرهابية في البيئة العربية، وهل تتحمل هذه البيئة الاجتماعية والسياسية مسؤولية مباشرة في ولادة هذا التنظيم الإرهابي..

وحتى لا نقع في متاهات نظرية وأيدلوجية عديدة، نود القول ان بعض ما يعيشه العرب من أوضاع سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية، ساهم في نشوء داعش في المنطقة العربية..

وهنا نحن لا نحمل جهة بعينها مسؤولية مباشرة في تأسيس تنظيم داعش الإرهابي.. وإنما نقول إن بعض الأوضاع والأحوال العربية، ساهمت في إنتاج هذه الظاهرة الإرهابية الخطيرة.. وإنه بمقدار ما يعمل العرب على إنهاء وتغيير هذه الأوضاع والأحوال، بذات القدر يتمكن العرب من تجفيف منابع العنف والإرهاب في الفضاء السياسي والاجتماعي والثقافي العربي.. فالمجموعات الإرهابية في كل البيئات والثقافات، ليست نبتاً صحراوياً، وإنما هي نتاج عوامل وأسباب مركبة، ساهمت هذه العوامل والأسباب في تغذية النزعة الإرهابية ودفع هذه المجموعات إلى تبني أقصى الخيارات على المستويات السياسية والاجتماعية..

لذلك فإن الفضاء العربي يتحمل مسؤوليته المباشرة في إنتاج هذه الظواهر الإرهابية، التي بدأت بتهديد كل المكاسب العربية، كما أنها تهدد الأمن والاستقرار العالميين.. فلا يصح أن تبرز هذه الظاهرة الإرهابية في الفضاء العربي، والعرب لا يتحملون مسؤولية مباشرة في إنتاج هذه الظاهرة..

بمعنى أن هناك أخطاء عربية متراكمة، هي المسؤولة بشكل مباشر عن إنتاج هذه الظاهرة.. وبدون تصحيح هذه الأخطاء، لن يتمكن العرب من المساهمة في إنهاء ما يهدد أمنها واستقرارها، كما يهدد أمن واستقرار كل دول العالم..

ونحن هنا لا نتهم طرفاً عربياً محدداً، ولكننا نقول إن العرب جميعاً يتحملون مسؤولية مباشرة في وأد هذه الظاهرة وإنهاء مفاعيلها السلبية على الاجتماع العربي المعاصر..

وإن استسهال التعامل مع هذه الظواهر الإرهابية، سيكلف من يستسهل الكثير من الأثمان على الصعد كافة..

وفي هذا السياق نود ذكر بعض العوامل التي تساهم بطريقة أو أخرى في إنتاج ظواهر الإرهاب في الفضاء العربي..

جمود سياق الإصلاح والتطوير يساهم بطريقة أو بأخرى في انسداد أفق المعالجة للكثير من المشاكل والأزمات.. لذلك فإننا ندعو كل الدول العربية، إلى التعامل مع مقولات الإصلاح والتطوير، بوصفها من المقولات الضرورية لأي مجتمع ولأي تجربة سياسية.. فالإصلاح لا يساوي إنهاء الحقائق القائمة، وإنما يساوي توفير الإرادة المجتمعية لإنهاء كل العوامل السلبية التي تساهم في تعويق تقدم المجتمع.. وعليه فإن الإصلاح في كل الدول العربية، هو حاجة وضرورة للدول، قبل أن تكون حاجة وضرورة للمجتمع..

فمياه الإصلاح حينما تصاب بالجمود، فإن جمود الإصلاح سيدفع إلى انسداد أفقه في الواقع العام.. وانسداد أفق الإصلاح والتطوير في أي مجتمع، سيساهم في بروز وإنتاج نزعات عنفية وإرهابية ترى أن خيار العنف والإرهاب، هو القادر على تحريك مياه الإصلاح في المجتمع..

وكلنا يعلم أن العنف لا يحرك مياه الإصلاح، وإنما يكدرها ويزيد من صعوبتها وهواجسها المتنوعة.. من هنا فإن جمود فكرة الإصلاح والتطوير، ينعكس سلباً على طبيعة قناعات بعض الناس الأساسية.. ولا معالجة حقيقية لذلك إلا باستمرار تدفق مياه الإصلاح في أروقة الدولة العربية المعاصرة، لإنهاء كل الظواهر السلبية التي قد تنشأ من حالة الجمود والترهل.. وعلى رأس هذه الظواهر ظاهرة العنف والإرهاب..

وفي هذا السياق أيضاً من الضروري الالتفات إلى مسألة تجديد الخطاب الديني والثقافي.. لأن جمود هذا الخطاب وتوقف نزعة الإصلاح فيه، يساهم في تراكم بعض السلبيات في الفضاء الديني والاجتماعي دون القدرة على معالجتها..

فالإصلاح الديني اليوم ضرورة من ضرورات الاجتماع العربي المعاصر.. فلا انعتاق من بعض الأزمات إلا بخيار الإصلاح الديني.. ولا حيوية وفعالية لكل المؤسسات الدينية والشرعية إلا بتبني رؤية جديدة قادرة على مواكبة العصر ومشكلاته، وقادرة على توظيف كل الممكنات الذاتية والموضوعية في البناء والعمران..

لعلنا لا نضيف شيئاً حين القول إن أغلب المجتمعات العربية المعاصرة، تتكون اليوم من جيل الشباب.. ولا يمكن إدارة جيل الشباب إلا بوسائل تناسب هذا الجيل بكل قلقه وحيويته..

وإذا لم تتمكن هذه المجتمعات من تطوير أدائها واهتمامها بهذا الجيل، فإن هذا الجيل سيذهب وراء خيارات لا نتمكن من ضبطها أو السيطرة التامة عليها.. من هنا فإن العرب اليوم معنيون قبل غيرهم لتطوير سياساتهم وأوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية بما يناسب الجيل الطالع الذي أصبح أكثرية العرب..

والدول العربية تتحمل مسؤولية مباشرة في تطوير برامجها وأنشطتها الخاصة بالشباب.. وإن اندفاع بعض الشباب العربي صوب هذه التنظيمات العنفية والإرهابية، يعود في أحد جوانبه إلى توقف الدول العربية عن برامجها الاستيعابية والترفيهية والتثقيفية الخاصة بالشباب.. فحينما تتراجع الدولة عن القيام بمهامها تجاه الشباب، فإن بعض هذه التنظيمات ستملأ فراغ هؤلاء الشباب.. لذلك فإننا نقول إن حيوية الدولة العربية المعاصرة وفعاليتها في كل شؤون الحياة، هي القادرة على إفشال كل خطط جماعات العنف والإرهاب في الفضاء العربي..

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1