ارتفعت، في الآونة الاخيرة، وتيرة الخلافات الدينية والحرب الطائفية على مستوى العالم بصورة مخيفة، اصبح معها الاحتكام الى السلام ونبذ العنف، الذي تدعو اليه جميع الاديان امرا مستبعداً، سيما وان اللجوء الى استخدام النزاع المسلح والعنف والقتل كلغة الحوار الاكثر انتشارا بدلا من الاساليب الاخرى في الحوار وقبول الاخر، وساهمت حركات متطرفة (اغلبها مجهولة المصدر من حيث الدعم والتبعية) كثيرة يعتنق عناصرها اديان مختلفة (اسلامية، مسيحية، يهودية، بوذية...الخ) في تغذية الفرقة واشتداد الصراع الانساني بين الاديان المختلفة من جهة، وبين الفرق والمذاهب المنتمية الى الدين الواحد من جهة اخرى، والغريب ان اساليب العنف والدمار والقتل والاغتصاب وغيرها، وحدت جميع العناصر والحركات والمنظمات التي مارست هذا العنف باسم الدين الذي تنتمي اليه، فيما ساهمت اطراف دولية ومنظمات استخبارية ودول بعينها في دعم بعض الحركات المتطرفة من اجل تحصيل مكاسب سياسية تصب في تقوية نفوذها ومصالحها على حساب الاخرين، وشهدت مناطق واسعة من العالم قتال لأسباب دينية عنيف راح ضحيته الالاف من المدنيين، اضافة الى استهداف الاقليات الدينية بشكل كبير، خصوصا في الشرق الاوسط، الذي يعتبر من اكثر المناطق صراعا وخلافا، خصوصا مع بروز الربيع العربي الذي مهد لاشتداد الصراع الطائفي وحرب الاقليات الدينية المنتشرة في العديد من الدول الشرق اوسطية، ويرى الكثير من المراقبين ان المجتمعات الدولية بحاجة ماسة الى اعادة التوازن الى العلاقات بين الاديان والعودة الى التسامح الانساني والديني، بعد موجة العنف التي ربط ممارسوها افعالهم بالدين، وهو امر منافي للمبادئ الاساسية التي وجدت من اجلها الاديان، التي تدعوا الى التسامح وقبول الاخر، واستخدام لغة الحوار بديلا عن لغة العنف التي يصر المتطرفون على استخدامها من اجل فرض رؤيتهم المتشددة، والتي قد تؤدي الى المزيد من الصدام الديني.

المسلمون وهندوس الهند

فقد خلق إعلان حركة هندوسية، مقربة من الحزب الحاكم في الهند، عن دفع المسلمين والمسيحيين إلى اعتناق ديانتها، جدلا واسعا في هذا البلد، وقال رئيس الحركة إن الهند "أمة هندوسية" وتم إرغام الكثير من الهندوس على اعتناق ديانات أخرى، وتعهد موهان بهاجوات، رئيس حركة "راشتريا سوايامسيواك سانغ"، وهي أقوى الجماعات الهندوسية في الهند، بمواصلة حملة لدفع المسلمين والمسيحيين للتخلي عن دياناتهم وإقناعهم باعتناق الهندوسية استمرارا للجدل الدائر حول هذه المسألة الحساسة، والتي أدت إلى تعطل أعمال البرلمان وهددت برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي يتبعه رئيس الوزراء ناريندرا مودي، وقال بهاجوات إن الهند "أمة هندوسية" تم فيها إرغام الكثير من الهندوس على اعتناق ديانات أخرى وتمثل حركته الجناح العقائدي لحزب رئيس الوزراء. بحسب رويترز.

وصرح بهاجوات في كلمة، الليلة الماضية، قائلا "سنعيد من ضلوا الطريق إلى سواء السبيل، فهم لم يذهبوا من تلقاء أنفسهم، بل تم إغراؤهم على الذهاب"، وجاءت تعليقاته بعد أن قال حزب "بهاراتيا جاناتا"، الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء مودي، إنه لا يؤيد إرغام الناس قسرا على ترك دياناتهم واعتناق ديانات أخرى ودعا إلى إصدار قانون لمنع هذه العملية، وأغلب سكان الهند البالغ عددهم 1.2 مليار نسمة من الهندوس لكن عدد مسلمي الهند يبلغ 160 مليونا كما توجد بين سكانها نسبة صغيرة من المسيحيين، ويتعرض مودي لانتقادات بسبب تباطؤ خطاه في كبح جماح الجماعات المتشددة التي اتهمت بالترويج لبرنامج عمل تهيمن عليه قضايا الهندوس ويشمل إغراء المسلمين والمسيحيين لاعتناق الهندوسية، وشكا مجموعة من المسلمين من أنهم تعرضوا للخديعة وحضروا مراسم "تحويل الديانة" التي أجرتها جماعات هندوسية، وكان كاهن هندوسي أصبح نائبا برلمانيا يعتزم إجراء مراسم من هذا النوع لعدد من الهنود يوم عيد الميلاد غير أن هذه الترتيبات ألغيت بعد تدخل رئيس الوزراء، وقال بهاجوات "نحن لا نريد تحويل أحد عن ديانته، لكن يجب أيضا ألا يتم تحويل الهندوس عن ديانتهم"، وأضاف أن على من لا يؤيدون تحويل الناس من دين إلى آخر أن يعملوا على سن قانون يمنع ذلك، ومن المتوقع أن تؤدي تصريحات بهاجوات إلى استياء أحزاب المعارضة التي عطلت عمل البرلمان بسبب هذه القضية وطالبت رئيس الوزراء نفسه بإصدار بيان في هذا الصدد.

من جانبها فتحت الشرطة تحقيقا حول حريق اندلع في كنيسة للكاثوليك في نيودلهي، ما ادى الى نزول مئات المسيحيين الى الشارع احتجاجا على ما اعتبروه هجوما متعمدا، وانتشرت رائحة وقود قوية بعد الحريق الذي دمر جزءا من كنيسة سانت سيباستيان، احدى اكبر كنائس العاصمة الهندية، بحسب متحدث باسم بطريركية دلهي، وصرح المتحدث سفاريموتو سنكار "انه هجوم متعمد، نجهل من يقف وراءه لكن تم الاعداد له بدقة"، واضاف ان "محول الكهرباء الرئيسي سليم، ما يعني انه لم يحصل احتكاك كهربائي"، واعلنت الشرطة فتح تحقيق في "حريق ناتج عن عمل خبيث" وبدات الاستماع الى بعض الشهود بينهم حارس الكنيسة، وصرح رئيس اساقفة نيودلهي انيل كوتو لقناة ان دي تي في "اكدت لنا الشرطة انها ستنشئ فريقا خاصا للتحقيق في اسرع وقت والعثور على الجناة"، وتظاهر حوالى 1500 مسيحي امام مقر الشرطة في الحي حيث تقع الكنيسة للمطالبة بتحقيق سريع، وازدادت المخاوف من تفاقم التوتر الديني في الهند منذ وصول الحزب القومي الهندوسي بهاراتيا جاناتا الى الحكم في ايار/مايو، وطلب النائب ديريك اوبراين من السلطات التحرك سريعا، ويشكل المسيحيون حوالى 2,3% من عدد سكان الهند البالغ 1,25 مليارا.

حدّ القتل في الجزائر

فيما اثارت دعوة اطلقها متطرف سلفي للنظام الجزائري بتطبيق حد القتل ضد الكاتب الصحافي كمال داود متهما اياه ب "الكفر"، استنكارا واسعا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في بلد مازال يعاني من اثار حرب اهلية كان الاسلاميون المسلحون احد اطرافها، ونشر الناشط السلفي عبد الفتاح حمداش زراوي الذي اسس جبهة "الصحوة الحرة" الإسلامية السلفية (غير المرخصة) "دعوة لتطبيق الحد" على الكاتب الصحافي كمال داود بسبب "حربه الفاجرة بالعدوان على الله تعالى وكتابه العظيم ومقدسات المسلمين"، وجاء في صفحته على شبكة فيسبوك "الكاتب الزنديق الكافر الجزائري كمال داود المتصهين المجرم يسب الله تعالى ويتطاول على القرآن ويحارب الإسلام واللغة العربية ويعادي أبناء أهل الإسلام"، وتابع "ندعو النظام الجزائري الى الحكم عليه بالإعدام قتلا علانية". بحسب فرانس برس.

وجاء رد فعل "الصحوة الاسلامية" بعد مشاركة كمال داود في برنامج على محطة تلفزيونية فرنسية لمناقشة روايته "ميرسو تحقيق مضاد" التي كانت بين الاعمال المرشحة للفوز بجائزة غونكور الفرنسية العريقة، وانتقاده لعلاقة المسلمين بدينهم، ويعرف حمداش بتصريحاته الاعلامية المثيرة للجدل ومنها دعوته لمنع الاختلاط في الشواطئ وغلق الحانات التي تعمل بموجب ترخيص صادر عن الحكومة، واغلقت الكثير من هذه الحانات في تسعينيات القرن الماضي خلال الحرب الاهلية عقب الغاء الجيش نتائج انتخابات تشريعية فازت الجبهة الاسلامية للانقاذ التي كان حمداش احد اعضائها بدورتها الاولى، وعقب دعوة "جبهة الصحوة"، بدأت حملة عبر فيسبوك تندد بها حتى من الذين لا يتفقون مع افكار كاتب عمود "رأينا رأيكم" في صحيفة "لوكوتيديان دوران"، ونشر الناشطون عريضة لتوقيعها ضد حمداش موجهة "لوزيري العدل والداخلية من اجل تحريك دعوى قضائية ضده بتهمة دعوات للقتل تذكرنا بالجماعة الاسلامية المسلحة" التي استهدفت في سنوات 1990 الصحافيين والمثقفين تحت شعار "نحارب بالسيف من يحاربنا بالقلم"، ورد كمال داود بدوره على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي قائلا "هناك فتوى لقتلي من طرف حركة سلفية جزائرية وقعها عبد الفتاح حمداش، هذا نتيجة عدم تطبيق القانون ضد مثل هؤلاء الاشخاص".

الردة في موريتانيا

الى ذلك أعلن مصدر قضائي موريتاني بدء محاكمة الشاب محمد شيخ ولد محمد في نواديبو بتهمة الردة بعد كتابات اعتبرت "تجديفا"، وبدأت جلسة المحاكمة أمام المحكمة الجنائية في نواديبو حيث أبلغ أحد القضاة المتهم بالاتهامات الموجهة له، حسب ما أعلن مصدر قضائي فضل عدم الكشف عن اسمه في اتصال أجري معه من نواكشوط، وأضاف المصدر أن ولد محمد متهم بالردة بعد "أن تحدث باستخفاف عن النبي محمد وخالف الأوامر الإلهية" في مقال نشر على مواقع إنترنت موريتانية أعرب فيه عن رفضه لقرارات اتخذها النبي محمد والصحابة أثناء غزواتهم، وأشار المصدر إلى أن المتهم نفى التهم الموجهة إليه، وقال إن هدفه "لم يكن الإساءة إلى النبي ولكن الدفاع عن طبقة من السكان (الحدادين) تتعرض لسوء المعاملة وهو ينتمي إليها"، وكان المتهم محمد شيخ ولد محمد، وهو في الثلاثين من العمر، قد اعتقل في الثاني من كانون الثاني/يناير الماضي، وقد يصدر بحقه حكم بالإعدام مع الإشارة إلى أنها أول محاكمة من هذا النوع في موريتانيا. بحسب فرانس برس.

ازدراء الاديان في مصر

بدورها تمثل الكاتبة الصحفية المصرية فاطمة ناعوت أمام القضاء بتهمة "ازدراء الأديان" لكتابتها على "فيس بوك" في عيد الأضحى في تشرين الأول/أكتوبر الماضي تعليقا وصف بأنه مسيء للإسلام، كما قال مسؤول قضائي، وكانت فاطمة ناعوت، وهي مسلمة، كتبت على "فيس بوك": "كل مذبحة وأنتم بخير"، وذلك في إشارة إلى ذبح الخراف في هذا العيد، وأضافت: "بعد برهة تساق ملايين الكائنات البرية لأهول مذبحة يرتكبها الإنسان منذ عشرة قرون ونصف ويكررها وهو يبتسم، مذبحة سنوية تكرر بسبب كابوس أحد الصالحين بشأن ولده الصالح، وبرغم أن الكابوس قد مر بسلام على الرجل الصالح وولده، إلا أن كائنات لاحول لها ولا قوة تدفع كل عام أرواحها وتنحر أعناقها وتزهق دماؤها دون جريرة ولاذنب ثمنا لهذا الكابوس القدسي"، وقامت ناعوت بمحو هذه التدوينة في وقت لاحق بسبب الجدل الذي أثارته، وأكدت خلال تحقيق مع النيابة العامة أن هدفها من هذه التدوينة لم يكن ازدراء الدين الإسلامي وإنما "مداعبة أصدقائها وأنها أرادت أن تعيد على القراء بمناسبة عيد الأضحى، ولكن بشكل مختلف"، وفق ما قال مصدر قضائي. بحسب فرانس برس.

وأوضح المصدر القضائي أن الكاتبة المعروفة بمواقفها المناهضة للإسلاميين ستحاكم بتهمة "ازدراء الأديان والسخرية من شعيرة الأضحية"، وعلقت ناعوت على قرار إحالتها إلى المحاكمة وكتبت على "فيس بوك": "إنها الفاتورة التي يدفعها حملةُ مشاعل التنوير في كل عصر"، وأضافت أنها أحيلت للمحاكمة الجنائية "بسبب بوست عابر على فيسبوك أهنئ فيه الأمة الإسلامية بأضحية العيد وأدعو فيه إلى احترام الذبيحة وحُسن ذبحها بدلا من إهانتها بإغراق الأرض بالدم على مرأى من الأطفال ما جعل طفلا يذبح شقيقته الرضيعة يوم العيد".

باكستان والقتل مقابل التنديد

من جانبه قتل مسلحون في شرق باكستان بالرصاص رجلا من الاقلية الدينية الأحمدية بعد خمسة أيام من تنديد رجل دين إسلامي بالطائفة الأحمدية خلال برنامج حواري شهير بالتلفزيون الباكستاني، وقال سليم الدين المتحدث باسم الطائفة إن لقمان شاه زاد قتل بعيار ناري أصابه في مؤخرة رأسه قرب قرية بيري شاه رحمن وهي تجمع سكني صغير للأحمدية في مدينة جوجرانوالا، ويرتفع بذلك عدد القتلى من هذه الطائفة إلى 11 في باكستان هذا العام، ويعتبر أتباع الطائفة الأحمدية أنفسهم مسلمين لكن الدولة الباكستانية لا تعترف بمعتقداتهم الدينية، وصدر قانون في باكستان عام 1984 يصنفهم بانهم غير مسلمين مما يتيح اعتقالهم بتهمة الادعاء بانهم مسلمون أو بتهمة الإساءة لمشاعر المسلمين، وغالبا ما يندد كبار رجال الدين المسلمون بهم ويستهدفهم المتطرفون، وقال بعض رجال الدين ان من يقتل أحمديا سيدخل الجنة ووزعوا منشورات بعناوين منازلهم، وكان رجل دين مسلم يدعى سيد عارف شاه عويسي ظهر في برنامج تلفزيوني وقال فيه "هذا العدو عدو مشترك وهو عدو لباكستان كلها، وهذا العدو هم طائفة القاديانية" في اشارة الى الأحمدية، وأضاف "انهم يكفرون بالنبي، يجب على كل المسلمين إدراك ذلك العدو". بحسب رويترز.

أماكن عبادة قانونية

من جانب اخر ذكرت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) أن الصين تعتزم نشر بيانات أماكن العبادة القانونية على الانترنت في مسعى على ما يبدو لتحديد الجماعات غير المصرح بها و"التخلص من الأنشطة الدينية غير القانونية"، ونقلت الوكالة عن وانغ تشو ان مدير إدارة الدولة للشؤون الدينية قوله في مؤتمر إن أسماء وعناوين "كل الأماكن الدينية البوذية والطاوية" ستنشر في غضون عامين، ولم تذكر شينخوا شيئا عن الديانات الأخرى لكنها قالت نقلا عن وانغ إن المعلومات ستساعد في وقف الأنشطة الدينية غير القانونية في الأماكن غير المصرح بها، وخففت الحكومة الصينية من موقفها تجاه مسألة الديانة كثيرا في العقود القليلة الماضية حيث يسمح للناس بممارسة الأنشطة الدينية في مؤسسات تصرح بها الدولة وتطالبها بإظهار الولاء لها، ويوجد خلاف قديم بين الحكومة والفاتيكان بشأن الجهة التي تتولى تعيين القساوسة الكاثوليك، وأزال مسؤولون بعض الصلبان من الكنائس خلال الشهور القليلة الماضية وحظروا الاحتفال بعيد الميلاد، وحاولت بكين الحد من ممارسة الشعائر الإسلامية أيضا في منطقة شينجيانغ، وتقول الحكومة إن المقاومة لحكمها في المجتمعات الإسلامية ومجتمعات البوذيين في التبت تستلهم قوى خارجية تحاول تفكيك الصين وتدافع بكين عن سياستها الدينية التي تصفها بأنها ملائمة "للممارسين المعتدلين".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0