القصف على دهوك مؤخرا والتي راح ضحيته عشرات العراقيين بين شهيد وجريح، فتح الباب على حكايات مؤلمة كثيرة، تم السكوت عنها مؤخرا، فالعراق مازال رهن التجاذب الاقليمي، ولعل اشده الان بين ايران وتركيا، فهناك ملفات ساخنة يختلف البلدان بشأنها ومنها الملف السوري الذي ترى حكومة اردوغان ان بقاءها هناك ضروري، بدواعي ضمان عدم قيام كيان كردي في شمالي سوريا (قسد) او غيرها، يهدد وحدتها بدعم اميركي، مستحضرة استفتاء اكراد العراق وسوريا العام 2017 الذي وقفت خلفه اميركا وتخلت عن دعمه لاحقا لحسابات سياسية، مرحلية ربما، بالاضافة الى طموح اردوغان في وجود تركي في سوريا بعد ان ظن هو واخرون غيره ان المنطقة باتت على ابواب تقسيم شامل و(الشاطر) من يستطيع العودة منها باكبر غلّة من الاراضي والثروات!

ايران لها حسابات مشابهة لكنها جعلت الوصول اليها بإسلوب مختلف.. هي موجودة في سوريا قبل الازمة ومازالت، وبأدوات ميدانية جديدة، او فصائل (ولائية) اغلب عناصرها من العراقيين. ولكي تؤمن الطريق الى سوريا مرورا بالعراق لابد من السيطرة على العقدة الستراتيجية (سنجار) التي جيء بعناصر حزب العمال الكردستاني التركي اليها ليمسكوا بالارض بعلم وموافقة الحكومات العراقية وقتذاك، حيث كان سليماني وراء ذلك، فأصبحت سنجار منطقة تنازع اقليمي ومحلي.

فمسعود البارزاني يسعى للسيطرة عليها، لاسيما بعد ان صار الاقوى في الاقليم نتيجة تراجع غريمه حليف ايران (الاتحاد الوطني) بفعل تقلص نفوذ ايران في العراق بشكل عام بعد ثورة تشرين ونتائج الانتخابات الاخيرة التي جعلت غطاءه السياسي اقوى، وقد عمل مع الحكومة المركزية على (تطبيع الاوضاع في سنجار) بورقة لم يتحقق منها الكثير حتى الان.

بينما ترى ايران ان فقدانها وجودها في سنجار يعني فقدانها الشريان الذي يوصلها بسوريا ولبنان .. تركيا ايضا تريد ان يكون لها وجود في شمالي العراق لتؤمن مصالحها، لاسيما بعد الزحف الايراني ووصول الحشد (الفصائل الولائية منه تحديدا) تخوم كردستان بعد طرد داعش، وفي الوقت نفسه تريد انهاء وجود حزب العمال الذي تراه يهدد امنها بعملياته من داخل الاراضي العراقية، والحكومة العراقية غائبة في الاقليم، اي عدم وجود قوات اتحادية كما هو الحال في دول العالم الاتحادية او الفيدرالية، ما يجعل تركيا تتسلح بهذه الذريعة القوية وتعزز وجودها في شمالي العراق، لتناكف الايرانيين وتنافسهم في العراق وسوريا معا!

الحكومة العراقية محرجة في الرد على الاسئلة التركية بشأن تواجد حزب العمال وغير قادرة على اخراجه ايضا، لان الارادة السياسية العراقية حتى الان تحت تأثير ايراني غير قليل من خلال حلفاء ايران، وان الفشل في تشكيل حكومة اغلبية ومن ثم انسحاب الصدريين اضعف القرار السياسي نسبيا وابقى الامور تراوح مكانها، لان ايران لم تعد قادرة على حسم ملف الحكومة كالسابق ولا خارجة من العراق تماما.

استثمرت القوى القريبة من ايران القصف التركي بشكل كبير من خلال الاعلام وتعبئة الشارع، على الرغم من نفي تركيا ان قواتها قامت بالعملية، لتحقيق اكثر من هدف، منها الضغط على حكومة الكاظمي لقطع العلاقات مع تركيا او لإخراجها من شمالي العراق، منوهين لتهديدات فصائل من الحشد الولائي لتركيا، لابعاد الخطر عن حزب العمال الذي بات شريكا لايران في العراق، وهناك من يقول انه يتسلم رواتب من هيأة الحشد الشعبي.. وايضا للفت انتباه الناس عن التسريبات الاخيرة التي اضرت بالاطار التنسيقي كثيرا وربما تسببت بتشتيته. وايضا بتقديم نفسها على انها الاكثر حرصا على امن الشعب ومصالحه.

خصوم حلفاء ايران في العراق يرونهم يتعاملون بازدواجية مع الاعتداءات الخارجية، حيث يتقبلون حجج ايران في ضرب اهداف في كردستان ومنها القصف الصاروخي على اربيل مؤخرا، ولا يتقبلون او يقتنعون بذرائع تركيا، وهذا مأزق عراقي آخر صنعته التدخلات الاجنبية...

الحكومة العراقية توافقت اعلاميا مع القوى الموالية لايران وحاولت امتصاص الغضب الشعبي الذي حصل بعد القصف، كونها تدرك الهدف الابعد من تصعيد القوى القريبة من ايران فارادت قطع الطريق عليها . ويبقى العراق منطقة تجاذب اقليمي ودولي طالما اننا لم نحزم امرنا، فلم نذهب للانتخابات بكثافة لكي نغير المعادلة بعد ان باتت الفرصة الاخيرة سانحة وابقينا الامر شبه معلق على الرغم من النجاح الكبير الذي تحقق.. المؤلم حقا ان تبقى دماء العراقيين مادة للّعب السياسي.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق