لم يكن الخلاف بين تنظيم "داعش" واغلب الجماعات الدينية المتطرفة، التي لها نفوذ وهيمنة واضحة فرضتها، (بالترهيب والترغيب)، في مناطق تواجدها، بالأمر الجديد، بخلاف التنظيمات والحركات الناشئة حديثا، والتي غالبا ما تتبع بولائها الى احدى الجماعات "الجهادية" القوية، والتي ترى فيها صورة "الخلافة" المزمعة، وقد تبايع الامير ذاته... ومناطق النفوذ او "المجال الحيوي" الذي عادة ما يخضع لسيطرة هذه المنظمات، وهو محور الخلاف فيما بينهم.

لكن ما حكاية تنظيم "داعش" الذي خير جميع التنظيمات الاسلامية المتطرفة، بين القتل او مبايعة زعيمهم "ابو بكر البغدادي"؟.

طبعا الجميع يتذكر القصة الخلافية التي برزت على اثر بروز "جبهة النصرة"، التي ادعى "البغدادي" بانها جزء من تنظيمه (الارهابي)، بعد ان كلف "الجولاني"، بإقامتها في سوريا ابان الفوضى "الجهادية" التي شهدتها اواخر عام 2012، الا ان زعيم "جبهة النصرة" لم يعترف بالبغدادي، وبايع "الظواهري" زعيم تنظيم "القاعدة"، (التي كان ينتمي اليها البغدادي ومؤسس تنظيم داعش الزرقاوي)، على السمع والطاعة.

وقد خاض التنظيمان، حروب كثيرة انتهت بهزيمة وانسحاب "الجبهة" امام "داعش"... وهو ما ولد صراعا ايديولوجيا وعقائديا، حول احقية "الخلافة" وشرعيتها بين التنظيم الام "القاعدة" والتنظيم المتمرد "داعش"... وانتهى بإعلان الناطق باسم تنظيم "داعش"، بان "الظواهري" انحرف عن نهج مؤسس التنظيم "اسامة بن لادن"، وهو لا يمثل "الفكر الجهادي" او "الخلافة الاسلامية"... وجاء هذا الموقف، بعد محاولات فاشلة، للتقريب بين الطرفين، عن طريق وسطاء، اضافة الى رسائل خاصة ارسلها "ايمن الظواهري" الى البغدادي بصورة مباشرة.

بعد ان استطاع تنظيم "داعش" السيطرة على مناطق واسعة من سوريا، واتخاذ "الرقة" مقرا للخلافة المزعومة، والتحول صوب غرب وشمال العراق، والسيطرة على المزيد من الاراضي، مستفيدا من الاوضاع الامنية المرتبكة في كلا البلدين، اعلن اقامة "الخلافة الاسلامية" التي تردد تنظيم "القاعدة" في اعلانها من قبل، ما دفع الكثير من التنظيمات والحركات المتطرفة في مصر وليبيا واليمن وباكستان وافغانستان ونيجيريا...الخ، بتأييد الخلافة والطاعة للبغدادي، واستطاع التنظيم، كسب نفوذ، يفوق ما كسبته القاعدة طوال عقود من العمل "الارهابي" العالمي.

حتى اليوم، لم يصل الخلاف بين "القاعدة" و"داعش" الى "نقطة الصدام"، والاستثناء الوحيد كان لفرع القاعدة، (جبهة النصرة)، في سوريا، لكن القاعدة، في نهاية المطاف، حسمت امرها بان من يقاتل في صفوف "داعش" هم من "الخوارج"، وعليهم ان يتوبوا، وان قتال وقتل مسلحي التنظيم "جائز" بالنسبة لهم، والامر مماثل بالنسبة لتنظيم داعش.

لكن بالنسبة لحركة "طالبان" فان الامر اكثر شدة، سيما وان "الامارة الاسلامية" التي تبنتها طالبان الافغانية، باتت اليوم مهددة بمسلحين موالين للتنظيم، وهم بخلاف توجهات تنظيم القاعدة الذي كان يقاتل الى جانب حركة طالبان ايام الغزو السوفيتي لأفغانستان، فهم مصرون على اقامة "الخلافة الاسلامية" بعد هدم "الامارة الاسلامية" على رؤوس من اسسها.

ربما يكون التهديد لإمارة طالبان الافغانية جدي هذه المرة، فهي لا تعيش افضل حالاتها، بعد رحيل زعيمها الاسطوري، الملا عمر، والخلاف الذي دب بين قيادات طالبان حول البديل، سيما وان عائلة زعيم طالبان، رفضت مبايعة، الملا أختر محمد منصور، وطالبت من علماء التوسط لحل الخلافات الداخلية في صفوف الحركة، كما رفضت حركة طالبان باكستان، الاعتراف بالبديل، لأنه لم يشركهم في الرأي والاختيار.

في هذا الوقت بالذات، تحرك عناصر "ولاية خراسان" الموالون لتنظيم "داعش" تجاه بسط نفوذهم وكسب المزيد من الموالين، اضافة الى بث الرعب المعروف عن داعش بين اهالي المناطق والقرى الافغانية، وقد قام مسلحو داعش في منطقة "مامندو" بولاية "ننجرهار"، بقتل عدد من وجهاء المدينة بإجبارهم بالجلوس على العبوات الناسفة وتفجيرهم، في واحدة من ابتكاراتهم الدموية في القتل... هذا الامر اثار المزيد من الغضب في صفوف "الامارة الاسلامية"، التي توعد قادتها بالرد والثائر لمن اسمتهم بالشهداء.

اغلب الظن ان ما يحصل بين داعش وطالبان، اضافة الى ما حدث بين داعش والقاعدة... سيشعل فتيل الحرب بين هذه المنظمات المتطرفة، فتنظيم داعش لم يعد يهدد المدنية او الدول او الحضارة فحسب، بل بات يهدد حتى التنظيمات المتطرفة "النافذة" في مناطق تواجدها، واحسب ان هذا التصعيد لن يمر من دون استهداف متبادل بين هذه التنظيمات التي احترفت القتل للحفاض على وجودها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0