بقلم: براهما تشيلاني

نيودلهي ــ في الشهر الماضي، قام مهاجر شيشاني يبلغ من العمر 18 عاما بتعقب وطعن وقطع رأس مدرس التاريخ صمويل باتي، في إحدى ضواحي باريس بالقرب من المدرسة الإعدادية حيث كان باتي يعمل. بعد ذلك بفترة وجيزة، قام رجل تونسي يحمل نسخة من القرآن بقطع رأس امرأة وطعن شخصين آخرين في إحدى الكنائس في نيس. في ذات الشهر، جرى إحضار اثنين من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من مواليد بريطانيا إلى الولايات المتحدة لمحاكمتهما بتهمة المشاركة في مخطط اختطاف وحشي في سوريا انتهى بقطع رؤوس رهائن أميركيين وآخرين أمام الكاميرا.

في عالم يمزقه العنف، تبرز أعمال القتل هذه بسبب وحشيتها. فبرغم أن عدد الضحايا في المطلق صغير نسبيا، فإن التهديد الذي تفرضه هذه الممارسة على المبادئ الأساسية للحضارة الحديثة لا ينبغي الاستهانة به.

بدأ قدماء الإغريق والرومان استخدام قطع الرأس كأحد أساليب تنفيذ عقوبة الإعدام. واليوم، يستخدمه الإسلاميون المتطرفون عادة في عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء، والتي جرى الإبلاغ عنها في مجموعة واسعة من البلدان، بما في ذلك مِـصر، والهند، والفلبين، ونيجيريا. في موزمبيق، أوردت التقارير مقتل ما يصل إلى 50 شخصا، بما في ذلك نساء وأطفال ــ وفي كثير من الحالات قُـطِـعَـت رؤوسهم ــ على يد مقاتلين مرتبطين بتنظيم الدولة الإسلامية في هذا الشهر وحده.

تُـلقي مثل هذه الوحشية بظلال كئيبة ــ خاصة وأن الجناة كثيرا ما ينشرون صور أفعالهم. منذ قطع رأس صحافي جريدة وال ستريت جورنال دانييل بيرل في باكستان عام 2002، تعودت المنظمات الإرهابية على نشر مقاطع فيديو لقطع الرؤوس على شبكة الإنترنت. بعد قتل باتي، نشر الجاني تغريدة تحمل صورة على موقع تويتر للرأس المقطوع.

من منظور الإسلامويين، يُـعَـد قطع الرؤوس سلاحا قويا في حرب غير متكافئة. يُـلـهِـم هذا المشهد المروع المتعاطفين مع الجهاديين في مختلف أنحاء العالم، في حين يبث الخوف في المجتمعات المحلية، إلى الحد الذي يجعل الإسلامويين قادرين غالبا على فرض إرادتهم ــ بما في ذلك قواعد السلوك التي ترجع إلى العصور الوسطى ــ على المجتمعات التي يمارسون فيها أفعالهم.

يمثل الجهاديون أقلية ضئيلة من مسلمي العالم. لكنهم من خلال توضيح استعدادهم للتصرف بشكل غير إنساني، ضمنوا أن قِـلة من الناس يجرؤون على تحديهم. في هذا الشهر فقط، أُجـبِـر أحد نجوم لعبة الكريكيت من بنجلاديش، تحت تهديد الانتقام من قِـبَـل الإسلامويين، على الاعتذار علنا لحضوره لفترة وجيزة أحد الاحتفالات الهندوسية في الهند. من خلال هذه التكتيكات، يسحق الإسلامويون تدريجيا التقاليد الإسلامية الأكثر تحررا وتنوعا في البلدان غير العربية.

برغم أن قطع الرؤوس له تأثير عميق بشكل خاص، فإنه ليس على الإطلاق الطريقة الوحيدة التي يؤجج بها الجهاديون الخوف. في وقت سابق من هذا الشهر، اقتحم مسلحون مرتبطون بداعش جامعة كابول في أفغانستان، فقتلوا 35 شخصا على الأقل ــ معظمهم من الطلاب ــ وأصابوا عشرات آخرين بجراح. وفي فيينا، قَـتَـلَ إسلامي آخر، سُـجِـنَ في وقت سابق لمحاولته الانضمام إلى داعش، أربعة أشخاص وأصاب 22 آخرين بجراح في هجوم نفذه في نوبة اهتياج أطلق فيها النار عشوائيا.

الواقع أن وباء عنف الإسلامويين المستمر يعطي إشارة واضحة مفادها أن "الحرب العالمية على الإرهاب"، التي شُـنَّـت بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 في الولايات المتحدة، تداعت وسقطت. وحتى في البلدان الغربية، أُحـبِـطَـت الجهود الحكومية الجادة ضد التطرف الإسلاموي غالبا بسبب المخاوف بشأن التمييز. ولكن بعيدا تماما عن حماية المسلمين، فإن أولئك الذين يصرخون منددين بما يسمى "إسلاموفوبيا" (الخوف من الإسلام) يتسببون غالبا في جعل المجتمعات الإسلامية أقل أمانا، من خلال السماح للتطرف بالنمو دون رادع.

الحقيقة أن دولة واحدة فقط في العالم تمارس القمع حقا ضد الإسلام، وليس الإسلام المتطرف: وهي الصين. ففي السنوات القليلة الأخيرة، سجنت الصين أكثر من مليون من أقلية الأويغور وأفراد أقليات مسلمة أخرى في إقليم شينجيانج الغربي. وبحجة محاربة الإرهاب، تنفذ السلطات الصينية عملية منهجية واسعة النطاق لمحو الهويات الإسلامية.

ومع ذلك، ظل المجتمع الدولي ــ بما في ذلك الدول الإسلامية ــ ملتزما الصمت إلى حد كبير بشأن تصرفات الصين. في العام الفائت، قام رئيس الوزراء الماليزي آنذاك مهاتير بن محمد بتوضيح السبب: "الصين دولة قوية للغاية".

على النقيض من هذا، بعد هجوم نيس، غَـرَد مهاتير قائلا: "يحق للمسلمين أن يغضبوا ويقتلوا الملايين من الفرنسيين بسبب مذابح الماضي". منذ ذلك الحين، أزيلت هذه التغريدة المهيجة المثيرة للفتنة بسبب "تمجيدها للعنف"، وإن كان حساب مهاتير على موقع تويتر لم يُـعَـلَّق ــ وهي فرصة ضائعة لمقاومة التحريض على العنف.

من جانبه، دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مقاطعة البضائع الفرنسية، لأن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تعهد بعد مقتل باتي بالدفاع عن العلمانية ضد الإسلام المتطرف. من الواضح أن مهاجمة الديمقراطية أسهل من التصدي للأنظمة الدكتاتورية التي لا تعرف شفقة أو رحمة.

لكن لا شيء من هذا قد يحمي المجتمعات المسلمة، ناهيك عن إنهاء الإرهاب الإسلاموي. لهذا السبب، يتعين على الحكومات أن تتبنى نهجا جديدا يقوم على فهم أفضل للعدو الذي تقاتله.

إن التطرف الإسلاموي ليس منظمة أو جيشا؛ بل هو يمثل حركة إيديولوجية. وكما تُـظـهِـر الهجمات الأخيرة، فإن وجود عقيدة واضحة للعنف يُـغني عن الحاجة إلى تنسيق العمل. لهذا السبب، لا يفعل القضاء على شخصيات رفيعة المستوى في داعش أو القاعدة أي شيء يُـذكَـر لوقف إراقة الدماء، وهو ذات السبب الذي يجعل العمل العسكري وحده قاصرا دوما عن تحقيق أي تقدم.

بدلا من ذلك، يجب أن تستهدف جهود مكافحة الإرهاب منبع الإرهاب الجهادي: الفكر الديني الوهابي العسكري المولع بالقتال، والذي يبرر ويأمر باستخدام العنف ضد "الكفار". وهذا يعني أولا وقبل كل شيء تكذيب وفضح زيف هذه "الإيديولوجية الشريرة"، على حد تعبير رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي، من خلال مهاجمة عقائدها الأساسية، بدءا بالادعاء (الذي لا يؤيده القرآن) بأن 72 حورية عذراء تنتظر كل شهيد في الجنة.

كما يعني ترويض رجال الدين وغيرهم من دعاة الجهاد العنيف. فكما شرح الزعيم السنغافوري الراحل لي كوان يو، يتعين علينا أن نستهدف "ملكات النحل" (دعاة العنف) الذي يلهمون "النحلات الشغالة" (منفذي الهجمات الانتحارية)، وليس النحلات الشغالة ذاتها. وإلا فإن الحرب على الإرهاب ستظل مستعرة، وسوف تصبح الإسلاموية العنيفة أشد ترسخا في المجتمعات.

* براهما تشيلاني، أستاذ الدراسات الاستراتيجية في مركز مقره نيودلهي لأبحاث السياسات، وهو مؤلف من الطاغوت الآسيوي، المياه: آسيا جديد ساحة القتال
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5