سياسة - عنف وارهاب

هيروشيما: قنبلة بحجم عرش!

خمسة وسبعون عاما على كارثة هيروشيما

هناك احداث تبقى بمثابة اسئلة آنية على متن التاريخ، ومع الزمن تتجدد الاجابة عنها من دون ان تنتهي! من بيها خلفية القاء القنبلة الذرية على مدينة هيروشيما وميناء ناكازاكي، اليابانيين، والتي وضعت نهاية للحرب العالمية الثانية، لكنها كانت بداية لظهور اميركا كقوة عظمى، كتبت تاريخا جديدا للعالم.

من خلال قراءتنا لتلك الحقبة المحتدمة، استوقفتنا تفاصيل تستحق التأمل .. مؤتمر يالطا بالقرم مطلع العام 1945 الذي جمع ستالين وروزفلت وتشرشل، لم يعقد فقط لوضع خطة لدحر النازية، وانما ايضا لتقاسم النفوذ بين الكبار المنتصرين .. اندحرت المانيا وسقطت برلين بعد معركة استمرت من اواخر نيسان حتى اوائل مايس العام 1945 وهي آخر معارك تلك الحرب في اوربا، لكن اليابان القطب الثاني للمحور ظلت تقاوم ... عقد الزعماء المنتصرون مؤتمرا في (بوتسدام) قرب برلين المحتلة، استمر من 17 تموز الى 2 آب، وكانوا هذه المرة، ستالين عن الاتحاد السوفيتي، وترومان عن اميركا الذي خلف روزفلت، بعد وفاة الاخير في نيسان من ذلك العام، وتشرشل عن بريطانيا والذي لم يكمل المؤتمر، بعد خسارته الانتخابات لصالح العمالي كيمنت اتلي الذي حضر بديلا عنه.

اثناء المؤتمر، وصل سرا من اميركا، خبر خطير، لم يطلع عليه سوى ترومان وحده ... لقد نجح اختبار القنبلة الذرية!!

ثأر الاميركان من اليابانيين، بسبب هجوم (بيرل هاربر) الشهير حضر مع اطماعهم. والروس (السوفييت) تهيأوا لتصفية حسابات قديمة، ربما سبقت حرب عامي 1904 - 1905 التي انتهت بهزيمتهم وخسارتهم جزر الكوريل لصالح اليابانيين وتوقيع اتفاق سلام معهم في بورتسموث، بعد وساطة اميركية .. الهزيمة تلك تسببت باحتجاجات شعبية روسية واسعة في حينه، قمعت بقسوة فيما عرف ب(مجزرة قصر الشتاء) فأرهصت لثورة اكتوبر ... ظل الصراع مع اليابان مستمرا في اكثر من ميدان لغاية العام 1939، لاسيما على منشوريا وكوريا، اللتين باتتا اخيرا في قبضة اليابانيين، ولغاية انعقاد مؤتمر (بوتسدام)، الذي سيطلق منه الزعماء الثلاثة، انذارهم الى اليابان بضرورة الاستسلام، لكنها رفضت مع يقينها بان الامور باتت تسير في غير صالحها، وظلت تتصدى للغارات الجوية والبحرية الاميركية البريطانية.

ستالين يريد إستعادة ماخسرته روسيا من قبل، لكنه يضمر الانتقام من النظام الياباني الذي وصفه المؤتمر السابع للشيوعية الدولية (الكومنترون) بالفاشي! ما يعكس رغبة دفينة في اسقاطه واستبداله بشيوعي، لكن الحزب الشيوعي الياباني الذي كان احد الاحزاب المشاركة في مؤتمر الاممية الثالثة العام 1919 التي انبثقت عنها الاحزاب الشيوعية، ظل (اشتراكيا ديمقراطيا)، مراعيا واقع بلاده الثقافي، المتمثل بتقديس الامبراطور، ورافضا الصيغة الثورية التي وصلت بها الاحزاب الشيوعية الاخرى الى السلطة.

الاميركان يدركون هذا، لكنهم وضعوا ستالين امام واقع فرضته اولويات حاسمة، فالحلفاء وفقا لخطة الهجوم المشتركة على اليابان، اعطوا السوفييت مهمة (تحرير) شمالي كوريا وجزر الكوريل وسخالين ومنشوريا الصينية، المحاددة لروسيا من اليابانيين، في المقابل تعهد الأميركان ب (تحرير) جنوبي كوريا وجزر اوكيانو وامامي وممتلكات اليابان في مايكرونيزيا، مع ان قصفهم الجوي والبحري على اليابان مستمر منذ تموز 1944 لكن اجتياح الاراضي اليابانية بدا في شباط 1945 وبلغ ذروته في تموز، وقد اصبح وضع اليابان حرجا للغاية بعد دخول الاتحاد السوفيتي الحرب ضدها، موفيا بتعهد قطعه ستالين في العام 1943 في مؤتمر طهران الذي جمعه بروزفلت وتشرشل، على ان يكون هذا بعد الانتصار على النازية.

وهكذا اعلن ستالين الحرب رسميا على اليابان في العام 1945 منهيا بذلك اتفاق الحياد مع اليابان الذي وقع بين البلدين في العام 1941 بعد انتهاء حرب الحدود التي اندلعت في العام 1939 ولانشغاله بالتصدي للخطر النازي، الامر الذي سهّل مهمة الاميركان في اجتياح اليابان، الموقف من النظام الياباني لم يحسم في مؤتمر بوتسدام، وفيما اذا كان الامبراطور سيحاكم كمجرم حرب على غرار النازيين ام لا، وهنا يكمن سر كبير ستكشفه الوقائع.

في 8 آب من العام 1945 شن السوفييت هجومهم على منشوريا وانتزعوها وسلموها لحليفهم الصيني (حزب الشعب) الشيوعي، فكانت بداية لانتصاره على الحزب القومي (الكومنتاج) بقيادة تشانغ كاي تشيك. ودخلوا شمالي كوريا ومعهم حليفهم كيم ايل سنغ، واستعادوا جزر الكوريل وسخالين .. سبقهم الاميركان والبريطانيون بقصفهم العنيف وزحفهم على الاراضي اليابانية. وفي 6 آب من ذلك العام، القت الطائرات الاميركية بالقنبلة الذرية على هيروشيما اعقبتها قنبلة اخرى على ناكازاكي، لتستسلم اليابان، بمعنى ان السوفييت بدأوا الهجوم قبل ساعات من القاء القنبلة الذرية الثانية على ناكازاكي (يوم 9 آب) وعلى الرغم من المقاومة الشرسة للقوات اليابانية، لكنها باتت بلا عمق ستراتيجي .. لقد سقطت الدولة!

ويبرز السؤال الكبير؛ لماذا لم يشرك الاميركان حلفاءهم السوفييت في حفل توقيع وثيقة الاستسلام ليقرروا معا مستقبل اليابان، وانفردوا وحدهم بالمهمة؟! .. لقد غضب ستالين لهذا، ولكنه ايقن ان استسلام اليابان للاميركان كان بحساب ستراتيجي، لم يخل من صفقة تاريخية .. الاميركان لم يقبلوا بمحاكمة الامبراطور وخلعه او حتى تغييره كما طلبت الاسرة الحاكمة، خشية حصول اضطرابات في البلاد!

هذا ماقاله الجنرال ماك آرثر الذي وقع معه وثيقة الاستسلام، ولكن الحقيقة هي ان اليابانيين الذين ايقنوا من الهزيمة، فضلوا التعامل مع الاميركان على السوفييت الشيوعيين فاستعجلوا اعلان الاستسلام لهم، قبل ان تسقط جميع الاراضي اليابانية في ايدي الحلفاء في الجبهات الاخرى، وهو ماحصل ووقعت وثيقة الاستسلام في 2 ايلول، بعد ان انتهاء الحرب تماما .. وكان على الاميركان ان يقابلوا هذا بابقاء الامبراطور على عرشه، اي الابقاء على النظام واستيعابه داخل المنظومة الراسمالية، وابعاد اي تاثير للشيوعيين عليه ..اذن، الرسالة الذرية لم تكن موجهة فقط لليابانيين، بل للسوفييت ايضا، فاليابان باتت اميركية!

هل كانت هناك ضرورة عسكرية لالقاء القنبلة الذرية على المدنيين؟ الجواب الاكيد، كلا، لان اليابان تهاوت عسكريا قبلها، فضلا على كون ذلك عملا غير اخلاقي بالمطلق، لكنها رسالة رعب وصلت لكل العالم، باننا اصبحنا القوة العظمى وان عصرنا قد بدا! وهنا نضيف اجابة نسبية للاجابات السابقة!

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5