عمل التكفيريون والإرهابيون في أكثر من منطقة عربية، على إخراج كل الغرائز الدينية والمذهبية والأثنية من قمقمها.. وذلك عبر استهداف متواصل إلى الوجودات الاجتماعية التي تنتمي إلى أقليات دينية أو مذهبية أو قومية في العالم العربي..

فآلة القتل والتفجير والتدمير، أدمت الجميع، ولا يلوح في الأفق أن هذه الجماعات الإرهابية ستتوقف عن استهداف هؤلاء الأبرياء، لأنها من الأهداف والغايات التي أعلن عنها أكثر من زعيم تكفيري وإرهابي في المنطقة العربية.. ولا ريب أن توجيه الإرهاب والعنف إلى هذه الفئات والوجودات، فاقم من أزمات المنطقة، وأبان عن هشاشة سياسية وثقافية واجتماعية تجتاح العديد من دول ومجتمعات العالم العربي..

فالنزف الدموي الذي يجري في بعض دولنا العربية، لاعتبارات دينية ومذهبية، يحملنا جميعا مسؤولية التفكير في مآلات الأمور، إذا استمر هذا النزف، وتواصلت عمليات القتل والتهجير على الهوية.. هل نخضع للأجندة الإرهابية التي تسعى إلى تصحير العالم العربي وإفراغه من مضمونه الحضاري والإنساني عبر استهداف الوجودات الاجتماعية والثقافية المعبرة عن حقيقة التعدد والتنوع الذي يزخر به العالم العربي على أكثر من صعيد ومستوى..

هل نصمت أمام هذه الجرائم المتمادية، حتى تتسع دائرة الدمار في محيطنا العربي.. هل نكتفي باتهام غيرنا في نشوء هذه الآفة التدميرية، التي تسعى بشكل حثيث إلى إدخال العرب جميعا في أتون الصراعات الدينية والمذهبية والقومية.. أم إننا بحاجة أن نقف وقفة مسئولة أمام هذه الظاهرة..

إن ما حدث أمام كنيسة القديسين في الإسكندرية من تفجير إرهابي راح ضحيته أكثر من (21) قتيل و(80) جريحا، وقبله ما حدث في كنيسة سيدة النجاة في بغداد، وتأزم العلاقات السنية – الشيعية في أكثر من منطقة عربية.. إن هذه السياقات الصراعية التي تزداد ضراوة وعمقا، تحملنا جميعا مسؤولية العمل على حماية حقيقة التعددية في العالم العربي..

فالوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه، يعيش حالة التعدد والتنوع بشكل أفقي وعمودي، وإن هذه الحالة ذات بعد تاريخي واجتماعي حقيقي لا يمكن تجاوزه..

وإن العديد من التجارب السياسية التي سادت في المناطق العربية، أثبتت بشكل جلي لا لبس فيه أن ممارسة القهر والعسف والقتل لإنهاء هذه الحقيقة، لم يؤد إلا إلى المزيد من تشبث الناس بخصوصياتهم الدينية أو المذهبية أو القومية..

فالنزعات القومية الشوفينية، لم تستطع بكل صولتها وعنفها المتجه صوب الداخل العربي من إنهاء هذه الحقيقة.. مع العام إنها استخدمت في سبيل ذلك وسائل وممارسات قهرية – فتاكة.. فبقيت كل القوميات غير العربية التي يحتضنها العالم العربي شامخة، ولم تتمكن آلة العنف من إنهاء وجودها في العالم العربي..

كما أن النزعات الدينية والمذهبية المتطرفة والمتشددة، والتي استخدمت وسائل القتل والتدمير والتهجير بحق الوجودات المخالفة لها دينيا ومذهبيا، لم تتمكن من هذه الوجودات.. بل ازداد تمسك أهل هذه الوجودات بخصائصهم الدينية والمذهبية..

فالعنف الذي استخدم لإنهاء ظاهرة التعددية في العالم العربي، لم ينهي هذه الظاهرة، بل ازدادت وضوحا في الجسم العربي..

لهذا ومن منطلق حرصنا على الاستقرار العربي والأمن القومي العربي، والوحدة الوطنية في كل بلد عربي، نقول إننا في العالم العربي بحاجة ماسة إلى مقاربة جديدة وإستراتيجية متكاملة في التعامل مع حقيقة التعددية في العالم العربي..

وقوام هذه المقاربة والإستراتيجية، ليس نبذ هذه التعدديات أو محاصرتها أو تغييبها، وإنما استيعابها وفسح المجال القانوني لها للتعبير عن ذاتها اجتماعيا وثقافيا بعيدا عن نزعات القهر والعسف..

فإننا في العالم لن نتحول في عمقنا ومضموننا إلى مجتمعات حديثة، بدون حماية تعددياتنا وصيانة حقوقهم المادية والمعنوية.. فمهما بنينا من ناطحات سحاب أو قمنا باستيراد كل سلع الحضارة الحديثة، فإننا لن نتمكن من الدخول بشكل حقيقي في العصر الحديث، إذا لم نتمكن من الاندفاع المؤسسي صوب قيم الديمقراطية والمواطنة والقبول بالتعددية..

ومن الضروري في هذا السياق أن نعترف إن ما تتعرض إليه حقيقة التعددية في العالم العربي من افتئات على حقوقها، ليس وليد مؤامرات ومخططات خارجية، بل هو بفعل الخيارات العربية سواء على المستوى السياسي أو المستوى الثقافي في طريقة التعامل مع هذه الحقيقة.. فهو تعامل لا يسمح لهذه الحقائق التاريخية والاجتماعية من ممارسة حريتها على المستوى الديني والثقافي، كما يتم التعامل معهم وكأنهم جاليات أجنبية في هذا البلد أو ذاك.. وهي ممارسات ومواقف تنبذ هذه الحقائق، وتمارس أنواع عديدة من الضغوط عليها..

والتفسير الديني الذي تستند إليه الجماعات الإرهابية والتكفيرية، وهي تمارس القتل بحق هذه الوجودات، تزيد من أزمات الواقع، كما هي في ذات الوقت تكشفه على حقيقته.. لأننا وبصراحة تامة كعرب ومسلمين فشلنا في التعامل مع حقيقة التعددية والتنوع الموجود في فضائنا العربي.. فخطابنا الأخلاقي والنظري متميز في بيان حقوق هذه الفئات، وكيف أن الدين الإسلامي في كل أنظمته وتشريعاته ضمن حقوق الجميع.. ولكن واقعنا السياسي والثقافي والاجتماعي مناقض في الكثير من صوره للخطاب الأخلاقي.. فنحن جميعا ( إلا من رحم ربك ) نحتقر المختلف، ونبطن له غير ما نعلن، ونسعى عبر وسائل عديدة لتغيير قناعاته وتبديل موقعه الأيدلوجي.. كما إننا نمتلك ثنائية خطابية حادة تجاه هذه الظاهرة.. فلدينا خطاباتنا الخاصة التي نبوح بموقفنا الحقيقي التي تساوي بيننا وبين الحق والحقيقة، وبين خطابنا العام الذي يتجلبب بجلباب الاعتدال والتسامح والقبول بالآخر المختلف والمغاير..

هذه المفارقة الخطيرة والتي لها شواهد عديدة في مختلف جوانب حياتنا، هي الحقيقة المرة التي تجعلنا جميعا نعيش الفشل والإخفاق في طريقة التعامل مع حقيقة التعددية في العالم العربي..

لهذا فإن حماية التعددية في العالم العربي، ليس إدعاءا يدعيه هذا الطرف السياسي أو ذاك، وإنما هي ممارسة مستديمة وفق المعايير التالية:

1- فسح المجال القانوني لكل التعدديات الموجودة في عالمنا العربي، لممارسة شعائرها الدينية بدون ضغوطات تحول دون الحرية في هذه الممارسة. فلا يكفي أن يكون خطابنا الأخلاقي على هذا الصعيد يصدح بضمان الحقوق الدينية لجميع فئات المجتمع، وإنما نحن بحاجة إلى إجراءات قانونية تسمح لجميع التعدديات من ممارسة حقوقها الدينية والثقافية بحرية تامة..

2- أن تكون الدولة العربية في كل الأوطان والأقطار العربية محايدة تجاه عقائد مواطنيها. بحيث تكون الصلة القانونية الوحيدة بين الدولة والمجتمع هي صلة المواطنة..

بصرف النظر عن دين هذا المواطن أو مذهب ذاك من المواطنين.. فالمطلوب من جميع المواطنين الالتزام بأنظمة وقوانين أوطانهم بصرف النظر عن أديان ومذاهب وقوميات المواطنين..

فالانتماء الديني أو المذهبي أو القومي هو محل احترام وتقدير من قبل مؤسسات الدولة.. ولكن تبقى المواطنة هي القاعدة القانونية والدستورية لكل الحقوق والواجبات..

3- إن التعايش السلمي والتفاعلي بين جميع المواطنين بصرف النظر عن أديانهم ومذاهبهم وقومياتهم، لن يتأتى إلا في ظل منظومة قيمية متكاملة، ينبغي أن تكون هي المسيرة للعملية التربوية والتعليمية كما للمؤسسات الإعلامية والإدارية.

ومن أهم عناصر هذه المنظومة القيمية ضمان المساواة التامة في الحقوق والواجبات لجميع المواطنين، واحترام الخيارات الثقافية لهم عبر ضمان حرية المعتقد ونبذ العنف بكل أشكاله ومستوياته..

إن شجرة التعايش لا تنمو إلا في ظل هذه التربة الخصبة.. ودون ذلك تبقى مقولة التعايش مقولة ساكنة وبعيدة عن حقيقتها الاجتماعية وجوهرها الإنساني..

بهذه المعايير نتمكن في العالم العربي من حماية ثروتنا الإنسانية، وصيانة تعددياتنا الدينية والمذهبية والقومية، التي تزيد العرب بهاءا وحضورا وفرادة..

ولا سبيل حقيقي وفعال لحماية التعدديات في العالم العربي، إلا ببلورة مشروع للاندماج الوطني في كل بلد عربي، يستند هذا المشروع على مفهوم زيادة وتيرة المشاركة في الشؤون المختلفة كوسيلة لإنجاز مفهوم الاندماج وحماية التعدديات في العالم العربي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1