التطرّف والتكفير ظاهرتان تكادان تشغلان الناس في مجتمعاتنا وفي مجتمعات أخرى، بما فيها متقدّمة، لأنهما أصبحا لا يهدّدان السلم المجتمعي والحياة العامة والعلاقات بين الناس فحسب، بل السلم والأمن الدوليين، خصوصاً إذا ما تحوّلا من الفكر والتنظير إلى الفعل والتنفيذ.

وقد شهد العالم ما بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) العام 2001 الإرهابية التي حصلت في الولايات المتحدة، سلسلة من الأحداث الخطيرة أثّرت في ميدان العلاقات الدولية، خصوصاً لجهة علاقتها بالتطرّف والتكفير وارتباطها بالإسلام والإرهاب الدولي، وبالنبرة المرتفعة بخصوص استخدام القوة أو التهديد بها لحلّ النزاعات الدولية أو الداخلية، والسعي لإملاء الإرادة وفرض الهيمنة والتسيّد.

وانعكست تلك الأجواء العدائية على المجتمعات والبلدان في جانبها السياسي والفكري، وعلى المستويين الجماعي والفردي، وبأبعادها المختلفة، القانونية والحقوقية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية والنفسية وغيرها. ومن أهم تجلّيات تلك التطورات الدراماتيكية وقوع بلدين مسلمين (أفغانستان العام 2011 والعراق العام 2003 تحت الاحتلال) وتعرّض بلد ثالث للعدوان (لبنان) 2006، وصعود التيارات المتطرّفة والتكفيرية في عدد من البلدان.

وكان من نتائج ردود الفعل تلك انتشار ظاهرة الإرهاب Terrorism والعنف Violence في المنطقة، بدءًا من العراق حيث نشطت تنظيمات القاعدة وفروعها لاحقاً ومنها تنظيم الدولة الإسلامية " داعش"، ولاسيّما بعد احتلال محافظة الموصل شمال العراق العام 2014، والتمدّد نحو محافظات أخرى في غرب العراق، إضافة إلى احتلال محافظة الرقة في سوريا واختيارها عاصمة لتنظيم داعش، وهو لا زال اليوم يهيمن على ثلث الأراضي السورية، إضافة إلى نحو ثلث الأراضي العراقية، على الرغم من تراجعه وهزائمه في الفترة الأخيرة.

وترافقت الحملة الدولية لمكافحة الإرهاب، ولاسيّما مؤخراً باستفحال ظاهرة العنف لدرجة مريعة، خصوصاً بعد موجة الربيع العربي التي ابتدأت في مطلع العام 2011، التي كان من أعراضها تفشي الفوضى وانفلات العنف وتشظّي الدولة الوطنية ، بل تآكلها، كما هو في ليبيا واليمن، إضافة إلى محاولات التفتيت والتقسيم، كما هو في العراق وسوريا، وارتفع منسوب العنف والإرهاب ليشمل خريطة واسعة وتضاريس مختلفة وأنظمة متباينة.

وباتت قضية الإرهاب الدولي مطروحة على طاولة التشريح والبحث في الأمم المتحدة التي أصدرت قرارات عديدة، بخصوص الإرهاب الدولي، وعلى الرغم من وجود نحو 12 اتفاقية وتصريح دولي حول الإرهاب، قبل أحداث 11 أيلول (سبتمبر) العام 2001 وعدّة قرارات دولية بعده، وكذلك عدّة قرارات قبل احتلال داعش للموصل وبعدها، لكن تعريف الإرهاب الدولي لا يزال غير متفق عليه. لقد طالت نيران الإرهاب الدولي بلداناً مختلفة وعواصم أوروبية عديدة، كان آخرها الهجوم الذي حصل في العاصمة الفرنسية باريس في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، وقبله قتل صحفيين يعملون في صحيفة شارلي إيبدو، وهجوم آخر في كاليفورنيا.

إن المساحة التي يغطيها الإرهاب تشمل قارات وبلدان متنوعة من الباكستان والهند وأفغانستان وتركيا إلى العراق وسوريا ولبنان والأردن والمملكة العربية السعودية والكويت وصولاً إلى السودان ومصر والمغرب وليبيا وتونس والجزائر وموريتانيا ومالي ونيجيريا، وحتى الشيشان وروسيا واليونان وأوكرانيا وأندونيسيا وإسبانيا وألمانيا وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وغيرها، وعلى الرغم من ارتفاع هاجس الأمن وعلى حساب الكرامة أحياناً، واختلال معادلة الحقوق والأمن ، فإن الإرهاب لم ينحسر، بل أخذ بالتصاعد بحكم انتشار الأفكار المتطرّفة والتكفيرية، ويستوي في ذلك البلدان المتقدمة والبلدان المتأخرة، لأن العولمة جعلت الإرهاب معوّلماً.

للتطرّف أسبابه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والقانونية والتربوية والدينية والطائفية والنفسية وغيرها، ولكن هذه جميعها ناجمة عن التعصّب Fanaticism وكلّ متعصّب هو متطرف في حبّه أو كرهه، لاسيّما إزاء النظر للآخر،وعدم تقبّله للاختلاف، فكل اختلاف حسب وجهة نظر المتعصّب يضع الآخر في خانة الارتياب، وسيكون غريباً، وكل غريب أجنبي، وبالتالي مريب، بمعنى هو غير ما يكون عليه المتطرّف.

التطرّف يمكن أن يكون دينياً أو طائفياً أو اجتماعياً أو ثقافياً أو سياسياً، والتطرّف الديني يمكن أن يكون إسلامياً أو مسيحياً أو يهودياً أو هندوسياً، كما يمكن للتطرّف أن يكون علمانياً، حداثياً، أو سلفياً، فلا فرق في ذلك سوى بالمبرّرات التي يتعكّز عليها لإلغاء الآخر، باعتباره مخالفاً للدين أو خارجاً عليه أو منحرفاً عن العقيدة السياسية أو غير ذلك.

الإرهاب يتجاوز التطرّف، أي إنه ينتقل من الفكر إلى الفعل، وكل إرهاب هو عنف جسدي أو نفسي، مادي أو معنوي، ولكن ليس كل عنف هو إرهاب، خصوصاً إذا ما كان دفاعاً عن النفس واضطراراً من أجل الحق ومقاومة العدوان.

وكلّ إرهاب تطرّف، ولا يصبح الشخص إرهابياً إذا لم يكن متطرّفاً، ولكن ليس كلّ متطرّف إرهابي، فالفعل تتم معالجته قانونياً وقضائياً وأمنياً، لأن ثمة عمل إجرامي تعاقب عليه القوانين، أما التطرفّ ولاسيّما في الفكر، فله معالجات أخرى مختلفة، وهنا يمكن قرع الحجة بالحجة ومحاججة الفكرة بالفكرة، والرأي بالرأي، وإنْ كانت قضايا التطرّف عويصة ومتشعّبة وعميقة، وخصوصاً في المجتمعات المتخلّفة.

وإذا كان البشر يستندون إلى مرجعيات مختلفة دينية وسياسية وفكرية، فمن الطبيعي أن يختلفوا فيما بينهم، وتلك إحدى سمات الحياة، لأن الاختلاف من طبيعة الأشياء. والتطرّف يؤدي إلى الانغلاق والمغالاة والتشدّد، وقد يذهب أبعد من ذلك حين يمارس الفعل فيؤدي إلى الإرهاب، سواء على أساس عنصري استعلائي (النازية الألمانية)، والعنصرية الجنوب أفريقية للأقلية البيضاء ضد السود، والعنصرية الصهيونية ضد الفلسطينيين والعرب والآخرين، أو ديني أو مذهبي (ضد الأديان الأخرى ) بزعم التفوّق والأغلبيات وامتلاك الحقيقة.

وعكس ذلك الاعتدال والوسطية والمشترك الإنساني بين الشعوب والأمم والأديان واللغات والسلالات المتنوعة، وذلك من طبيعة البشر والإنسان على مرّ العصور، حيث التنوّع والتعدّدية، والاختلاف، وهذه كلّها ينبغي الإقرار بها والتعامل معها كحقوق إنسانية، وهي النقيض لفكر التطرّف والتكفير.

التطرّف يعني في ما يعنيه إدعاء الأفضليات، فالأنا أفضل من الأنت، والنحن أفضل من الأنتم، وديني أفضل من الأديان الأخرى، وقومي فوق الأمم والقوميات الأخرى لدرجة الزعم بامتلاك الحقيقة، وهكذا.

ولعلّ جميع الحركات الشمولية قامت على التطرّف، لإلغاء الآخر والادعاء باحتكار الحقيقة، سواء كانت شيوعية أو قومية أو إسلامية أو يهودية أو مسيحية، كما أن جميع المنظمات الإرهابية في العالم كانت تقوم على التعصّب، من الناحية الفكرية، ومن الناحية العملية، ممارسة الإرهاب والعنف وسيلة لتحقيق أهدافها. ولا تقتصر الحركات المتطرفة وأفعالها الإرهابية على الإسلاميين وحدهم، فهناك حركات "علمانية" أو غير دينية، مارست أعمالاً إرهابية تحت عناوين مختلفة.

لا يمكن القضاء على فكر التطرّف والتكفير وجذورهما، ما لم يتم القضاء على التعصّب والتطرّف وأسبابهما، ذلك إن الفكر المتطرّف والتكفيري لا يتم القضاء عليه بالعمل العسكري أو المسلح أو مواجهة العنف بالعنف والقوة بالقوة، وعنفان لا يولدان سلاماً، كما إن رذيلتين لا تنجبان فضيلة، وظلمين لا ينتجان عدالة.

الأمر يحتاج إلى منظومة مختلفة، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وقانونياً وتربوياً، بهدف الاجتثاث من الجذور وتجفيف المنابع الفكرية والسياسية والثقافية، وخصوصاً بإغلاق منافذ التمويل، وهذا يتطلّب تأكيد حكم القانون ومبادئ المساواة والشراكة وعدم التمييز والعدالة، ولاسيّما العدالة الاجتماعية، إضافة إلى الحرّيات بمنظومتها التي تتعلّق بحرّية التعبير وحق التنظيم الحزبي والنقابي والمهني وحق الاعتقاد والحق في المشاركة في تولي المناصب العليا دون تمييز.

الإرهاب يضرب أحياناً، بل في غالب الأحيان عشوائياً، لكي يهدّد المجتمع ويرعب الناس ويضعف الثقة بالجهة الرسمية ويعلي من شأن الجماعة الإرهابية. إنه لا ينشغل بالضحية، بل هو يرتكب عمله تحت المبررات الإلغائية، في محاولة لفرض نمط "مختلف"، وسلوك "منفرد" وحياة "مناقضة" لما هو سائد، وذلك بواسطة القوة والعنف، كما هو تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) مثلاً.

إن معظم الجرائم التي تقوم بها القوى الإرهابية تتم ضد مجهول وفي قطاعات شعبية لا علاقة لها بالصراع وبما يحدث، في حين أن العنف يستهدف الضحايا بالتحديد، أي إنه يختارهم اختياراً، لغرض محدّد. الإرهاب والعنف جريمتان تستهدفان ضحايا، لكن الجريمة الأولى هدفها يختلف عن الجريمة الثانية، فجريمة العنف تندرج تحت لواء القانون الجنائي ضد أفراد أو جهات محدّدة، في حين إن جرائم الإرهاب تحتسب على الجرائم ضد الإنسانية،وهي جرائم جماعية وجرائم إبادة وتحكمها قواعد القانون الدولي الإنساني، إضافة إلى القوانين الوطنية.

التطرّف والتكفير يمثلان فكراً، وهذا الفكر لا يمكن قتله أو مقاومته بالقوة أو بالعنف، ولا بدّ من العمل على تفكيكه وفضح معانيه وكشف أهدافه ووسائله، والوسيلة جزء من الغاية، بل إنهما مترابطان ولا غاية شريفة بدون وسيلة شريفة، وعلى حد تعبير المهاتما غاندي، الوسيلة والغاية مثل البذرة من الشجرة.

الأمر يحتاج إلى تقديم فكر نقيض، يعترف بالآخر ويقرّ بالتعددية والتنوّع، ويرتكز على منظومة قيم حقوقية وإنسانية تناهض التمييز وتنبذ ادعاء الأفضليات، وتؤمن بالشراكة والعدالة والمساواة وعدم التمييز بغض النظر عن الدين أو اللون أو الجنس أو اللغة أو القومية أو الأصل الاجتماعي.

إن الفكر المتطرّف والتكفيري يعتبر كل خلاف معه محرّم وعليه إقصاءه وإلغاءه واستئصاله، في حين إن نقيض ذلك هو مبادئ التسامح والاعتراف بالآخر والحوار واللاّعنف. والإرهابي لا يؤمن بالحوار ويبسط سلطانه على محيطه بالقوة، وبدلاً من الإقناع يلتجئ إلى التفجير والمفخخات خارج أي اعتبار إنساني، طالما تتلبسه فكرة امتلاك الحق والسعي للوصول إليه وإلى للحقيقة بكل الوسائل، المشروعة وغير المشروعة أحياناً، وقد تكون هذه الأخيرة بنظره مشروعة، طالما يحاول "أدلجة" سلوكه وإعطاء نفسه مبرّرات قمع الآخر أو تصفيته، سواء كان ذلك بزعم الدخول إلى الجنّة أو إبادة الخصم الكافر أو القضاء على المروق والإلحاد، أو مصلحة الحزب والثورة أو تحرير فلسطين أو مصالح الكادحين، أو غير ذلك من محاولات إخضاع الآخر.

لا يمكن للتطرّف الذي يصبح عنفاً إرهابياً وفعلاً ارتكابياً ضد الإنسان، إلاّ إذا تمكّن من التوغّل إلى العقول، وهذه غالباً ما تتم بعملية غسل أدمغة بحيث تعمى البصيرة وتعطّل العقول والمشاعر الإنسانية، ليقوم المرتكب بفعلته سواء بتفجير نفسه أو تفجير عدوّه أو خصمه،أو السعي لإذلاله والقضاء عليه.

ولكن ما السبيل لقطع دابر الإرهاب؟ هل بالعنف أو بالقوة وحدهما؟ وإن كان آخر العلاج الكي كما يقال ؟ ولكن التجارب أكّدت إن المعالجة الأمنية غير كافية، لأنه الإرهاب سيتناسل ويتوالد إذا ما استمرّت الظروف على ما عليه، ولا يمكن القضاء على الإرهاب وقطع نسله، إلاّ بالفكر المعاكس والمضاد، وبالمزيد من احترام الحقوق والحرّيات واعتماد مبادئ المواطنة المتساوية وتحقيق القدر الكافي من العدالة وتحسين ظروف العيش.

الظاهرة لا تتعلّق بالعالم العربي والإسلامي فحسب، ولا حتى بالعالم الثالث بشكل عام، فالتطرّف ظاهرة كونية منتشرة تجد أحياناً الظروف المناسبة لتفقيس بيضها، حتى في مجتمعات متقدّمة وديمقراطية، ذلك إن العنصرية ظلّت مستمرة ولا تزال ذيولها حتى الآن في الولايات المتحدة، ومثلما ذهب المهاتما غاندي ضحية التعصّب والتطرّف في الهند بعد استقلالها مباشرة العام 1948، كان مصرع مارتن لوثر كنغ في الولايات المتحدة العام 1968 على يد أعداء الحقوق المدنية والمساواة بين السود والبيض.

وليس غريباً اليوم أن تجد حركات فاشية في ألمانيا وسفاحين مثل بن لادن والزرقاوي، لدرجة يعتبرون الإسلام والمسلمين جميعاً إرهابيين، على الرغم من إن عدد المسلمين يزيد عددهم على مليار ونصف المليار، لأن دينهم يحضّ على الإرهاب كما يبرّر بعض المتطرّفين ضد الإسلام والمسلمين، بل هم مستعدّون للقيام بأعمال إرهابية ضدهم، لذات المزاعم والمبرّرات.

لقد سمّم الإرهاب القائم على التطرّف والتكفير علاقات المجتمعات مع بعضها البعض، وأضرّ بعلاقات فئاتها وأديانها ومذاهبها وحتى أفرادها، مثلما أشبع المجتمعات الدولية بهواء ثقيل ورائحة كريهة، ولكن الخطر الأكبر هو السيطرة على عقول الشباب أفراداً وجماعات والعبث بها، خصوصاً بزراعة الكراهية وتبرير العدوان وإيجاد الذرائع لإقصاء الآخر واستسهال عمليات القتل والتفجير.

وإذا كانت يد الإرهاب طويلة وضاربة، فليس ذلك بفعل الإمكانات المادية والاقتصادية فحسب، فمثلها بعشرات ومئات الأضعاف يوجد في العالم، لكن التطرّف والتكفير قوي بقدرته على اختراق عقول الشباب العاطل، الممسوس بكرامته والشاعر بشحّ فرص العيش الكريم وانعدام العدالة وعدم المساواة وحالات الإحباط واليأس التي يصاب بها.

الثقافة هي الوعاء الذي يستند إليه المتطرفون والتكفيريون وهو ما يجب مقاومتهم بها، فهي المجال الأكثر تأثيراً، فما بالك حين تكون الثقافة غير متسامحة وتستند على "أصولية" رثة عفا عليها الزمن، سواءً كانت دينية أو سياسية، بل إن بعضها قائم على أوهام لا يجمعها جامع مع العلم والتطوّر، ولابدّ من كشف من يرعى الإرهاب ومن يموّله ومن يوظّفه ومن يغذّيه، وغير ذلك، عبر منظومة مختلفة وذات أبعاد إنسانية وعصرية وحداثية وعقلانية: فكرية وسياسية وثقافية من جهة، وقانونية وحقوقية وقضائية من جهة أخرى، واقتصادية ومالية ودعائية من جهة ثالثة، وتربوية وتعليمية وعائلية من جهة رابعة، ومجتمعية مدنية، من جهة خامسة، وتلك من مستلزمات مواجهة التحدّيات لفكر التطرّف والتكفير، فضلاً عن العنف والإرهاب.

الإسلام والدين بشكل عام يكاد يكونان مختطفين في الكثير من الأحيان من جانب الإرهابيين الذين يقدّموا قراءات متخلّفة للنص الديني بشكل عام والإسلامي بشكل خاص، فتلاحظ غياب المبادئ الإنسانية الجامعة، لاسيّما الكرامة الإنسانية والمشترك الإنساني، في حين تتقدّم الفكرة الإلغائية بتفسيرات وتأويلات مشوّهة للنص الإسلامي، القرآني والسنّة النبوية.

الدين حقيقة باهرة على مرّ التاريخ الإنساني والفكر الديني نتاج هذه الحقيقة، والمطلوب لا إصلاح الخطاب الديني، بقدر ما هو مطلوب إصلاح الفكر الديني وسدّ النواقص والثغرات التي يحاول المتطرفون التسلّل منها. وإذا كان الدين كظاهرة تستحق الدراسة بهدف جعلها في خدمة الإنسان وتخليصها مما قد يشوبها من تفسيرات وتأويلات على يد بعض رجال الدين والمشعوذين باسمه، فإن هذه الظاهرة قديمة قدم الإنسان الذي يبحث عن أجوبة لأسئلة مستعصية لا يجد حلولاً لها في الواقع الذي يعيشه، لاسيّما تلك التي تتعلّق بالأزل والطبيعة والكون والحياة والموت وغيرها.

إذا أردنا البحث عن التطرّف، فعلينا أن نفحص ما عندنا من منظومات فالتطرّف لم يأتِ إلينا من السماء كما يُقال، بل هو جزء من الواقع بسبب تعقيداته وإشكالياته التي تتعلّق بالاستغلال والاستلاب والقهر وغياب العدالة واستفحال التمييز وشحّ الحقوق والحرّيات وانعدام تكافؤ الفرص.

ولكي نبحث في نواقصنا وعيوبنا، فعلينا إعادة قراءة تاريخنا وتراثنا، ليس بمنظور ماضوي فيه رضا عن النفس، بل عبر منظور عصري، نقدي بما له وما عليه من إيجابيات وهي كثيرة ومن سلبيات وهي ليست قليلة، بحيث يمكن الاستفادة منه بما يرفد الفكرة الكونية لحقوق الإنسان، لأنها تمثل مقياساً يكاد يكون جامعاً لأية ثقافة أو حضارة أو أمة أو شعب أو دولة أو مجموعة بشرية أو مؤسسة أو فرد ، يقاس بها تقدّم أو تأخّر من يتساوق معها أو يفترق عنها.

ولا يمكن تحت أية ذريعة أو حجة مهما كانت عظيمة التملّص من المعايير المشتركة لبني البشر بحجة الخصوصية، كما لا يمكن بحجة الشمولية والعالمية، فرض الهيمنة والاستتباع من جانب القوى المتسيّدة بزعم معايير حقوق الإنسان الدولية.

الخصوصية والهوّية الخاصة والتميّز، لا تعني التحلّل من المعايير الدولية، بل هي تُسهم في رفدها وليس معاكستها أو التشاكل معها، كما تقتضي المعايير الدولية، تعميق خصوصيتنا باتجاه احترامها، وتأكيد حقنا في هويتنا الفرعية، لكنها كجزء من هوية إنسانية عامة.

وهنا لا بدّ من تكوين أسس لثقافة بديلة عن ثقافة التعصّب والتطرّف والتكفير، وذلك بهدف جعل المواجهة مع الإرهابيين فكرية وشاملة في جميع الميادين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية والقانونية والتربوية على الصعيدين الوطني والدولي.

إذا كان الربيع العربي حلماً راود العاملين من أجل التغيير، لكن ما أعقبه من فوضى وتفكك الدولة الوطنية، جعلت كثيراً منهم يصاب بالخيبة والقنوط. لقد انهارت شرعيات كانت قائمة لعقود من السنين بغض النظر عن الانتقادات والملاحظات السلبية والدعوات للتغيير والإصلاح والديمقراطية، لكن تلك الانهيارات لم تجلب معها الاستقرار والرفاه المنشود، لأن هذا الأخيرمسار طويل ومعقّد ومتعرّج، خصوصاً وأن عوامل كبح داخلية وخارجية دخلت عليه بهدف حرفه، بل وثنيه عن مواصلة مشواره.

الشرعية الجديدة لم تولد بعد، وثمة تعثّرات واستعصاءات كثيرة أمامها وفي طريقها، بسبب موجة التطرّف والتكفير واستفحال ظاهرة الإرهاب والعنف، الأمر الذي جعل العالم العربي من أكثر المناطق غلياناً واضطراباً ومعاناة في العالم، وكأنه قائم على الحافة، حتى إن هناك من أخذ يطلق على الربيع العربي تسمية "الخريف العربي"، في لحظة تشاؤم أو إحباط، وفي نظرة ظرفية لمسألة التغيير، الذي هو كما جرت الإشارة إليه مسار طويل، ولا يمكن المضي فيه إلى الأمام، إلاّ بمواجهة التحدّيات الخارجية والداخلية، ولاسيّما مواجهة مشروع تفكيك أو انحلال الدولة الوطنية، وتحويلها إلى كيانيّات ومناطقيات ودوقيات وكانتونات، وحسب هنري كيسنجر تجزئة العالم العربي بحيث يقف خلف كل بئر نفط حارس.

..........................................................................................................

* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0