الارهاب لا دين له، هذا ما اثبتته مجزرة المسجدين في نيوزيلاندا. مضى زمن شهد اقتران الارهاب بالاسلام. ويعود الفضل في ذلك الى الفهم المتشدد والمتطرف بل المنحرف للاسلام على يد طالبان والقاعدة وداعش وبوكو حرام وغيرهم من عناوين الحركات "الاسلامية" التي جسدت ابشع ما في النفس البشرية من قساوة وحقد ووحشية ودموية ورغبة بالانتقام. واصر كثيرون من الغربيين الشعبويين وعلى راسهم الرئيس الاميركي ترامب على وسم الاسلام بالارهاب ووصف الارهاب بالاسلامي. وكانت الاسلاموفوبيا التعبير الاكثر ظهورا لهذه النزعة.

لكن مجزرة المسجدين اثبتت ان الارهاب ليس اسلاميا فقط انما هو غربي مسيحي ايضا. ان الذي ارتكب المجزرة ليس معتوها ولا مجنونا انما هو في كامل اهليته العقلية ووعيه التاريخي. فقد خطط لعمليته الاجرامية بمهارة وحصل على سلاحه بطريقة قانونية وتوجه الى المسجدين وهو يستخدم جهاز الملاحة على انغام الموسيقى الصليبية الحماسية. وفوق هذا دوّن على بندقيته التواريخ ذات الدلالة في الصدامات الاسلامية-المسيحية التي حصلت في عصور مضت مثل حصار فيينا من قبل قوات الدولة العثمانية الاسلامية.

هذه ظاهرة متنامية في الغرب، وهي تنامي الشعور الشعبوي لدى الغربيين، والانكفاء نحو الهويات التي تمقت الاخر وتفضل الانعزال عنه، وقد مثل فوز ترامب، وقضية بريكست، والوضع في هنغاريا مظاهر لهذه الظاهرة المتعصبة.

ولا يمكن القول ان هذه الظاهرة جاءت ردا على داعش، وان كان لا يمكن انكار داعش في اذكاء هذه الروح العنصرية المتطرفة، لكنها ظاهرة ذات جذور تاريخية ودينية قديمة، وكامنة في لا شعور المتطرفين الغربيين.

الا ان هذه الظاهرة ليست وحيدة في المجتمعات الغربية، بل توجد ظواهر ايجابية ايضا يمثلها زعماء ومواطنون غربيون مثل زعيم حزب العمال البريطاني جيمي كوربون وذلك المواطن الانكليزي الذي وقف عند باب احد المساجد وهو يحمل لوحة تخاطب المسلمين وتقول لهم: انك اخي ساقف هنا لاحميك ما دمت تؤدي الصلاة.

يضاف الى ذلك الموقف الدولي الذي سارع الى شجب واستنكار الجريمة داعيا الى التصدي للارهاب بكافة اشكاله، فضلا عن بيان مجلس الامن بهذه الصدد. واعرب البابا فرنسيس "تضامنه الخالص" مع كل النيوزيلنديين والمسلمين منهم بشكل خاص". وقال وزير خارجية الفاتكيان بيترو بارولين إن البابا "يشعر بحزن عميق لعلمه بالإصابات والخسارة في الأرواح الناجمة عن أعمال العنف العبثية".

التطرف والتشدد الديني بمختلف مسمياته، الاسلامي والمسيحي والهندوسي والبوذي الخ، يمثل مشكلة حضارية تواجه البشرية الان وهي لا تختص بدين دون اخر ولا بقوم دون اخرين. والبشرية تحتاج الان الى عمل وموقف جماعيين ضد التطرف والتشدد اللذين يغذيان الارهاب في العالم. ولا يكتمل هذا الموقف الا باشاعة ثقافة التعايش والتسامح وقبول الاخر ومغادرة المساحات الساخنة في التاريخ البشري الطويل الذي شهد في الماضي صدامات دموية بسبب الدين او العرق او الطائفة او الارض الخ. ان الاتجاه العام للبشرية يسير نحو الوحدة والتكامل والمودة والمصالح المشتركة والمتبادلة. لكن نزعات التطرف والتشدد والارهاب المنبثق منهما تمثل عقبات في هذا الطريق وامراضا سرطانية تعيق المسار التقدمي والحضاري للبشرية.

تتحمل القيادات الدينية في العالم، المسيحية والاسلامية وغيرها، مسؤولية مباشرة في التصدي للتطرف والقضاء على بذوره واقتلاعه من جذوره، اضافة الى صناع الراي والثقافة الاخرين في المجتمعات البشرية.

وتلعب المدرسة دورا تأسيسيا كبيرا في بناء العقلية المرنة والمنفتحة والمسامحة وبناء مجتمعات بشرية مسالمة على اسس حضارية وانسانية تنبذ العنف والتطرف والعصبية والغاء الاخر، وذلك باعتماد نظام تربوي حضاري حديث.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق
الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
أحبائي
العالم الآن خلع عباءة النفاق وكشف وجهه القبيح
كلمات الإدانة خرجت من الأفواه منخفضة لتضيع في مهب الريح
أما نظرات الشماتة والكراهية فقد ارتسمت على وجه ولسان البعض بشكل صريح
مخابرات جهنم التي صنعت جماعات ارهابية باسم الإسلام ستظل تبث في البعض هذا الفحيح
نحن نعيش في عالم وضع الإسلام والمسلمين كهدف أمام فوهة مدافعه وتخطى مرحلةكراهية التلميح
أحبائي
دعوة محبة
أدعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه....واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الأرض
جمال بركات....مركز ثقافة الألفية الثالثة2019-03-18

مواضيع ذات صلة

0