كارل بيلدت

 

بروكسل- إن الحوار السياسي الذي جرى مؤخرا على جانبي المحيط الأطلسي قد أثار سؤالا مزعجا والذي أصبح من الصعب على نحو متزايد تجاهله : هل إنقلبت الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا على سياسات الإنفتاح والتي أدت تاريخيا لنجاحها الإقتصادي ؟

في الولايات المتحدة الأمريكية يشن دونالد ترامب المرشح الجمهوري المفترض للرئاسة حربا شفهية على كل إتفاقية تجارية تقريبا أبرمتها بلاده ولقد هدد بتمزيق إتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية الناجحة جدا وتعهد بمنع أية محاولة لإحراز تقدم فيما يتعلق بإتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي والتي تم الإنتهاء منها مؤخرا.

لو أصبحت آراء ترامب جزءا من برنامج الحزب الجمهوري فإن التحول سيعيد رسم المشهد السياسي فيما يتعلق بالتجارة الحرة فالجمهوريون كانوا تقليدا حملة لواء التجارة الحرة في الولايات المتحدة الأمريكية وذلك على النقيض من الحزب الديمقراطي الذي كان يتوجب عليه التعامل مع الأصوات المشككة في نقابات العمال والتي تشكل جزءا من ناخبي الحزب الديمقراطي.

وفي الوقت نفسه يبدو أن الخصم المحتمل لترامب في الإنتخابات العامة هيلاري كلنتون قد طوت العلم وتبنت على أقل تقدير جزءا من الخطب المعادية للتجارة لترامب وخصمها في الإنتخابات التمهيدية من الجناح اليساري بيرني ساندرز وفجأة إنقلبت هيلاري كلينتون على إتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي على الرغم من دعمها لها سابقا وهي تعارض خطة الرئيس الأمريكي باراك أوباما غير المؤكدة للمصادقة عليها من قبل الكونجرس مباشرة بعد إنتخابات نوفمبر.

إن هذا التصرف لم يسبق له مثيل فلم يحدث من قبل أن يثير المرشحان الرئيسيان للرئاسة الأمريكية مثل تلك المخاوف بإن التجارة الحرة ستقوض الإزدهار الأمريكي وبغض النظر من هو المرشح الذي سيفوز في نوفمبر فإن من المرجح أن تكون العواقب وخيمة.

أما في أوروبا فإن الوضع أفضل بقليل فقط فلقد كان كامل الطيف السياسي في النمسا ضد إتفاقية الشراكة عبر الأطلسي للتجارة والإستثمار بين الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي كما يبدو أن الرأي العام يمر بتحول مماثل في ألمانيا وهي بلد تدين بإزدهارها لنجاجها في الأسواق العالمية وحتى في هولندا والتي كانت التجارة الحرة جزءا من حمضها النووي ( ويصعب عليها العيش بدونها ) فلقد ارتفعت أصوات النشطاء الذين هددوا بعقد إستفتاء على رفض أية صفقة تجارية عبر الأطلسي.

نظرا لتاريخ الغرب فإن هذه تطورات معقدة ومربكة فلقد بدأ الصعود الأوروبي عندما بدأت السفن الأوروبية بإستكشاف العالم بحثا عن أسواق وفرص جديدة ولقد عكس ذلك ليس فقط الثروة المتصاعدة ولكن أيضا الإبتكار علما إن فتح الأسواق يعني بالضرورة إنفتاح العقول.

وبطريقة مماثلة فلقد كان أمن الغرب خلال العقود التي مرت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية مبنيا أولا وقبل كل شيء على النجاح الإقتصادي للولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الغربية واليابان وهو نجاح تحقق بفضل التكامل والتجارة والإبتكار وطبقا لكل مؤشر تقريبا فإن النمو المذهل في التجارة خلال الربع القرن الأخير قد أعطى البشرية بعضا من أفضل العقود التي شهدتها على الإطلاق.

ولهذا السبب من المستحيل تخيل تحقيق أهداف تنمية عالمية طموحة بدون وضع التجارة الحرة والعولمة في قلب الإستراتيجية. لو إنقلب الغرب بعد فقدانه ثقته بنفسه على الممارسات التي جعلته ناجحا فإذن ماذا سيحلب الدول الفقيرة والنامية؟

لحسن الحظ، لم نخسر كل شيء بعد ولكن إنقاذ أجندة التجارة الغربية سيتطلب قيادة إستثنائية ومثابرة. ستكون هذه سنة حاسمة فإتفاقيات التجارة التي تضم الولايات المتحدة الأمريكية وآسيا وأوروبا تعتبر مهمة ليس فقط فيما يتعلق بالبضائع التقليدية ولكن أيضا بالنسبة للتدفق الحر للبيانات وبينما التجارة في السلع المادية تظهر دلائل على الركود فلقد زاد تدفق البيانات بمعامل 45 خلال العقد الماضي.

لو تمكن أوباما من المصادقة على إتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي والتوصل لنتائج في المفاوضات المتعلقة بإتفاقية الشراكة عبر الأطلسي للتجارة والإستثمار فإنه يكون بذلك قد وضع الأسس لإحراز تقدم مستقبلي ولو فشل في أي من المهمتين- أو كلاهما على نحو كارثي- فإن العالم سيواجه مستقبلا أكثر غموضا.

إن القادة السياسيين الذين لا يزالون يؤمنون بالغرب يجب أن ينذروا أنفسهم للدفاع عن التجارة الحرة وبناء عالم أكثر إنفتاحا ويجب أن يفعلوا ما بوسعهم من أجل منع تطبيق الإجراءات الحمائية وإقامة الحواجز في وجه العولمة.

* وزير الخارجية السويدي من 2006 إلى اكتوبر 2014، ورئيس الوزراء 1991-1994

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0