جوزيف ستيغليتز

 

نيويورك ــ بعد طول انتظار، بدأت الولايات المتحدة تُظهِر علامات التعافي من الأزمة التي اندلعت مع نهاية إدارة الرئيس جورج دبليو بوش عندما تسبب شبه انهيار نظامها المالي في إرسال موجات صدمة إلى مختلف أنحاء العالم. ولكن هذا التعافي ليس قوياً بالقدر الكافي؛ فعلى أفضل تقدير توقفت الفجوة بين المكان الذي كان ليبلغه الاقتصاد والمكان الذي بلغه اليوم بالفعل عن الاتساع. وإذا كانت الفجوة تتجه نحو الانحسار فإن هذا يحدث ببطء شديد؛ ويبدو أن الضرر الذي أحدثته الأزمة طويل الأمد.

ولكن من ناحية أخرى، قد يكون الأمر أشد سوءا. فعبر المحيط الأطلسي، هناك القليل من العلامات التي قد تشير إلى التعافي كما حدث في أميركا ولو بشكل أكثر تواضعا. فالفجوة بين مكان أوروبا اليوم والمكان الذي كانت لتبلغه لولا الأزمة آخذة في الاتساع. وفي أغلب بلدان الاتحاد الأوروبي، أصبح نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي أقل مما كان عليه قبل الأزمة. وبسرعة، يقترب نصف العقد الضائع من التحول إلى عقد كامل ضائع. وخلف الإحصاءات الجامدة، يلحق الدمار بحياة الناس، وتتبدد الأحلام، وتتهاوى الأسر (أو لا تتكون) مع استمرار الركود ــ والكساد في بعض الأماكن ــ عاماً تلو الآخر.

إن الاتحاد الأوروبي موطن لعدد كبير من أصحاب المواهب والتعليم العالي. وتتمتع بلدانه الأعضاء بأطر قانونية قوية ومجتمعات تقوم بوظيفتها بشكل طيب. وقبل اندلاع الأزمة، كانت اقتصادات الاتحاد الأوروبي أيضاً تعمل على خير ما يرام. ففي بعض الأماكن كانت الإنتاجية عن كل ساعة ــ أو معدل النمو ــ من بين أعلى المعدلات في العالم.

ولكن أوروبا ليست ضحية. صحيح أن أميركا أساءت إدارة اقتصادها؛ ولكن الولايات المتحدة لم تتمكن بطريقة ما من فرض وطأة التداعيات العالمية على أوروبا. فالوعكة التي يمر بها الاتحاد الأوروبي كانت نتيجة لممارساته، وهي ترجع في المقام الأول إلى سلسلة غير مسبوقة من القرارات الاقتصادية السيئة، بدءاً بإنشاء عملة اليورو. ورغم أن المقصود من اليورو كان توحيد أوروبا، فإنه في نهاية المطاف كان سبباً في تقسيمها؛ وفي غياب الإرادة السياسية لإنشاء المؤسسات الكفيلة بتمكين العملة الموحدة من العمل بنجاح، فسوف يظل الضرر قائما.

وترجع الفوضى الحالية جزئياً إلى التمسك باعتقاد فَقَد مصداقيته منذ فترة طويلة في قدرة الأسواق على العمل كما ينبغي لها من دون نقائص تعيب المعلومات والمنافسة. كما لعبت الغطرسة دوراً مهما. وإلا فكيف نفسر حقيقة أن توقعات المسؤولين الأوروبيين لنتائج السياسات التي انتهجوها كانت خاطئة على نحو ثابت لا يتغير من عام إلى الذي يليه؟

ولم تكن هذه التوقعات خاطئة لأن الاتحاد الأوروبي فشل في تنفيذ السياسات المقررة، بل لأن النماذج التي اعتمدت عليها هذه السياسات كانت معيبة إلى حد خطير. ففي اليونان على سبيل المثال، تسببت التدابير الرامية إلى خفض العجز في تحميل البلاد أعباء أشد من تلك التي كانت تتحملها في عام 2010: فقد ارتفعت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، نظراً للتأثير المدمر الذي خلفه التقشف المالي على الناتج. وعلى الأقل، اعترف صندوق النقد الدولي بهذه الإخفاقات الفكرية والسياسية.

ويظل زعماء الاتحاد الأوروبي على اقتناع بأن الإصلاح البنيوي لابد أن يكون على رأس أولوياتهم. ولكن المشاكل التي يشيرون إليها كانت واضحة في السنوات التي سبقت الأزمة، ولم تكن السبب وراء توقف النمو آنذاك. إن ما تحتاج إليه أوروبا أكثر من الإصلاح البنيوي داخل البلدان الأعضاء هو إصلاح بنية منطقة اليورو ذاتها، والتراجع عن سياسات التقشف، التي فشلت مرة تلو الأخرى في إعادة تنشيط النمو الاقتصادي.

وعلى نحو متكرر، تبين أن هؤلاء الذين تصوروا أن اليورو غير قادر على البقاء كانوا مخطئين. ولكن المنتقدين كانوا محقين بشأن أمر واحد: فما لم يتم إصلاح بنية منطقة اليورو، وعكس اتجاه التقشف، فإن أوروبا لن تتعافى من أزمتها.

الواقع أن الدراما في أوروبا لم تقترب من نهايتها بعد. صحيح أن حيوية الديمقراطيات في الاتحاد الأوروبي تشكل أحد مواطن القوة التي يتمتع بها الاتحاد الأوروبي. ولكن اليورو جَرَّد الناس ــ وخاصة في البلدان المبتلاة بالأزمة ــ من أي قدرة على المشاركة في تحديد مصير اقتصاداتهم. وعلى نحو متكرر، عمل الناخبون غير الراضين عن اتجاه الاقتصاد على إسقاط الحكومات القائمة ــ فقط لكي تستمر الحكومات الجديدة على نفس المسار الذي تمليه بروكسل وفرانكفورت وبرلين.

ولكن إلى متى قد يتسمر هذا؟ وكيف قد تكون ردود أفعال الناخبين؟ لقد شهدنا في مختلف أنحاء أوروبا كيف تنامت على نحو ينذر بالخطر الأحزاب القومية المتطرفة التي تتناقض أفكارها مع قيم التنوير التي كانت وراء النجاح الكبير الذي حققته أوروبا. وفي بعض الأماكن، تشهد حركات انفصالية كبيرة ارتفاعاً متزايدا.

والآن تفرض اليونان على أوروبا اختباراً عصيباً مرة أخرى. إن انحدار الناتج المحلي الإجمالي اليوناني منذ عام 2010 أسوأ كثيراً من ذلك الانحدار الذي شهدته أميركا خلال فترة الكساد الأعظم في ثلاثينيات القرن العشرين. فقد تجاوزت البطالة بين الشباب 50%. وفشلت حكومة رئيس الوزراء أنطونيس ساماراس. والآن سوف يتم عقد انتخابات عامة مبكرة في الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني كنتيجة لعجز البرلمان عن اختيار رئيس جديد لليونان.

ويتقدم استطلاعات الرأي الآن حزب سيريزا اليساري المعارض، الذي أعلن التزامه بإعادة التفاوض على شروط إنقاذ الاتحاد الأوروبي لليونان. وإذا فاز حزب سيريزا ولكنه لم يتسلم السلطة، فإن السبب الرئيسي وراء ذلك سوف يكون الخوف من الكيفية التي قد يستجيب بها الاتحاد الأوروبي. والخوف ليس أنبل العواطف، ولن يؤدي إلى نشوء ذلك النوع من الإجماع الوطني الذي تحتاج إليه اليونان حتى يتسنى لها أن تمضي قدما.

والقضية هنا ليست اليونان، بل أوروبا. فإذا لم تغير أوروبا أساليبها ــ أي إذا لم تعمل على إصلاح منطقة اليورو وإلغاء تدابير التقشف ــ فسوف تكون ردود الأفعال الشعبية العنيفة حتمية. وقد تستمر اليونان على المسار الصحيح إلى النهاية هذه المرة، ولكن هذا الجنون الاقتصادي من غير الممكن أن يستمر إلى الأبد. فلن تسمح به الديمقراطية. ولكن إلى أي مدى قد تضطر أوروبا إلى تحمل الآلام قبل أن يعود الجميع إلى تحكيم العقل؟

* حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، وأستاذ بجامعة كولومبيا

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0