تقوم السعادة الحقيقية على الحياة الطيبة التي تجمع الإيمان والعمل الصالح وطمأنينة القلب، لا على المال والسلطة والشهرة. ويؤكد البحث أن الشقاء يتسع عبر الطلاق والانتحار والكآبة، وأن طريق السعادة يبدأ من تذوق النعم الصغيرة، وعدم تضخيم المشكلات، والكف عن مقارنة النفس بمن يملك أكثر، مع ترسيخ الشكر والقناعة...

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة على سيدنا محمد وأهل بيته الطاهرين، ولا سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

قال الله العظيم في كتابه الكريم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[1].

المقدمة

موضوع السعادة والشقاء يُعدّ من أهم القضايا التي أرّقت البشرية على مر التاريخ، فلماذا يسعد بعض الناس ويشقى بعضهم؟ وهذا البحث يتناول ظاهرة الشقاء باعتبارها ظاهرة خطيرة في توسّع مستمر، مستعرضًا نماذج ارتفاع نسبة الطلاق، والانتحار، والكآبة كشواهد، منوّهًا إلى أن المفهوم القرآني «الحياة الطيبة» يتفوق على مفهوم «الحياة السعيدة» بجهات عديدة، ليصل إلى استعراض عدد من أهم بواعث السعادة، وهي:

1- السعادة في متناول يديك إذا التفتَّ إلى المئات من الأشياء الصغيرة التي تحيط بك دومًا.

2- السعادة تكمن في أن لا تعطي المشاكل والمصاعب أكبر من حجمها الطبيعي، وأن تتعايش مع ما لا بدّ منه منها.

3- وتكمن في أن تكون كما أنت، وأن تقدّر نفسك وتحبّها كما خلقها الله تعالى، وأن لا تقارن نفسك بالآخرين فيما زادوا عليك فيه من النعم غير المقدورة لك أصلًا.

ما سر السعادة والشقاء؟

ما سرّ السعادة وما سبب الشقاء؟ هذا هو السؤال المصيري الذي يبحث الناس في أنحاء العالم عن إجابة مرضية شافية عنه، خاصة أننّا نجد أن الكثير جدًا من الأغنياء يستشعرون الشقاء والتعاسة، رغم امتلاكهم القصور الفارهة والثروات الطائلة، كما نجد الكثير من ذوي السلطة والنفوذ، أو المشاهير، أو الوجهاء، يعيشون حياة كئيبة، مليئة بالقلق والضيق والتشاؤم، ولا يستشعرون السعادة أبدًا. وفي المقابل، نجد الكثير ممن يعيش حياة سعيدة، رغم أنه يسكن في كوخ بسيط، أو يعمل موظفًا براتب متواضع، أو نحو ذلك، فما السبب الكامن وراء هذا وذاك؟

أخطر ظاهرة تهدد العالم: ظاهرة الشقاء والتعاسة

والسؤال السابق يترابط جوهريًا مع ظاهرة أصبحت من أخطر الظواهر في هذا العصر، ظاهرة التعاسة والشقاء، التي أصبحت ظاهرة عامة، بل صارت ظاهرة متمددة، متوسعة، متطورة بسرعة كبيرة، وأصبحت السعادة، في الاتجاه المقابل، كأنها عملة نادرة، أو كطائر العنقاء الذي لا تجد له أثرًا إلا في قصص الخيال العلمي، حتى إنك لا تجد عادة أحدًا، إلا النادر، إلا وهو يعيش القلق، أو الإحباط، أو اليأس، أو التشاؤم.

ثم إن هناك الكثير جدًا من الناس ممن يبحث عن السعادة بشتى الطرق، لكنه لا يجدها أبدًا.

والمؤشرات على تمدد هذه الظاهرة كثيرة.

مؤشرات التعاسة العامة

نشير إلى ثلاثة منها فقط، وهي: ارتفاع نسبة الطلاق، والانتحار، والابتلاء بمرض الكآبة.

ارتفاع نسبة الطلاق

أما الطلاق، فإن نسبته ترتفع بمعدل سريع في جميع دول العالم، حتى الدول المتطورة التي يفترض بعض الناس أن مجتمعاتها لا بدّ أن تكون سعيدة؛ لما فيها من ديمقراطية، وحريات، واقتصاد مزدهر، وصناعة متطورة، وتكنولوجيا مبهرة، وأراضٍ خضراء، وطرق واسعة، وعمارات شاهقة، ورفاهية شديدة، وغير ذلك من مظاهر الحياة المزدهرة. لكن الغريب أن نسبة السعادة لديهم في انخفاض مستمر، والطلاق مؤشر، حيث بلغت نسبته في أمريكا 53%، وفي فرنسا 55%، وفي بلجيكا 71%. والطلاق يعني انهيار اللبنة الأولى في حياة المجتمع السعيد، إذ إن الرجل والمرأة عندما يتفقان على الزواج، ثم يتزوجان، فذلك يعني أنهما يريان السعادة والاستقرار في هذه الزيجة، ولكن أكثر من نسبة 50% منها تؤول أحيانًا، بعد أيام أو أسابيع، إلى الفشل الذريع المصحوب، في كثير من الحالات، بصراع ونزاع بين الزوجين، وربما العوائل والأقرباء من الطرفين.

... والانتحار

وأما الانتحار، فقد بلغت حالات الانتحار العام الماضي أكثر من 720 ألف حالة، والانتحار لا يُقدم عليه شخص ما إلا وقد وصل إلى أسوأ حضيض درجات الإحباط واليأس والشقاء، حتى إنه يرجّح الموت على الحياة.

بل يقول العلماء إن حالات الانتحار التي لا تتم هي أكثر من التي تتم بكثير، مما يعني أن الذين وصلوا إلى حافة اليأس كثيرون جدًا، حتى إنه يحاول الانتحار فلا يمكنه ذلك لسبب أو آخر. وقد كشفت منظمة الصحة العالمية عن إحصاءات مقلقة بشأن معدلات الانتحار على مستوى العالم، مؤكدة أن أكثر من 720 ألف شخص يفقدون حياتهم سنويًا نتيجة الانتحار، فيما يُعد ثالث سبب رئيس للوفاة بين فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عامًا. ولفتت المنظمة إلى أن كل حالة انتحار تقابلها العديد من المحاولات غير المكتملة، مؤكدة أن وجود محاولة سابقة يُعد من أبرز عوامل الخطر التي تزيد من احتمالية تكرار السلوك. وفيما يتعلق بالفئات الأكثر عرضة للخطر، أوضحت المنظمة وجود ارتباط وثيق بين الانتحار وبعض الاضطرابات النفسية، مثل الاكتئاب واضطرابات تعاطي الكحول، خاصة في الدول مرتفعة الدخل.

... والكآبة

وأما الكآبة، فإن نسبتها أيضًا في ارتفاع مستمر:

* تشير التقديرات إلى أن 5.7% من البالغين في العالم يعانون من الاكتئاب.

* تصاب النساء بالاكتئاب أكثر من الرجال.

* يمكن أن يؤدي الاكتئاب إلى الانتحار. والاضطراب الاكتئابي، المعروف أيضًا باسم الاكتئاب، هو اضطراب نفسي شائع، وينطوي على تكدّر المزاج أو فقدان الاستمتاع أو الاهتمام بالأنشطة لفترات طويلة من الزمن.

ويختلف الاكتئاب عن التقلبات المزاجية المعتادة والانفعالات العابرة إزاء تحديات الحياة اليومية. ويمكن أن يؤثر على جميع جوانب الحياة، بما في ذلك العلاقات مع أفراد الأسرة والأصدقاء والمجتمع. ويمكن أن ينتج عن مشكلات في المدرسة وفي العمل، أو أن يؤدي إليها.

ويعاني ما يقدّر بنحو 4% من السكان من الاكتئاب، بما في ذلك 5.7% من البالغين: 4.6% من الرجال، و6.9% من النساء، و5.9% من البالغين من العمر 70 عامًا فما فوق. ويعاني نحو 332 مليون شخص في العالم من الاكتئاب[2].

«الحياة الطيبة» تتفوق على «الحياة السعيدة»

والآية الكريمة تزيدنا على مفهوم السعادة مفهوم الحياة الطيبة، فإن الحياة الطيبة تتفوق على الحياة السعيدة بكثير، إذ قد يكون المرء سعيدًا، لكنه لا يعيش حياة طيبة أبدًا، بل يعيش حياة خبيثة تمامًا، ولنضرب لذلك أمثلة: مثالًا من عالم الحيوان، ومثالين من عالم الإنسان:

أ- الجُعَل، المعروف بخنفساء الروث، وهو المعروف بأنه يقوم بدحرجة البَعْرة، أو الروث، أو العَذِرة، وقد يربّي عليها أطفاله، بل قد يأكل منها أيضًا، فإن حياته، فيما ندرك، حياة خبيثة، وإن كان يستشعر السعادة من ذلك!

ب- الذي يبني حياته على الرشوة، أو على سفك الدماء، فإنه قد يحسّ بالسعادة في تلك اللحظة، لكن حياته حياة خبيثة، كما يدركه العقلاء كافة.

ج- الذي يرتكب فاحشة الزنا، أو اللواط، لا سمح الله، فإنه قد يتصور نفسه سعيدًا، لكن حياته في الواقع حياة خبيثة واقعًا، وكثيرًا ما ينكشف له لاحقًا ذلك. وقد أثبت العلم الحديث أن اللواط، الذي يسمونه الجماع الشرجي، هو العامل الأول وراء مرض الإيدز الخطير، ثم الزنا، حيث إن الإيدز ينتشر عبر المقاربة الجنسية، وهنالك عشرات الملايين من الناس حول العالم أصيبوا بهذا الداء الخطير لأحد هذين العاملين، أو للاشتراك في الحقن في المدمنين، إذ الدم يُعدّ ناقلًا لهذا المرض، أو لنحو ذلك. والشاهد أن الذي يزني بامرأة مبتلاة بالإيدز، أو العكس، إنما يقوم بعمل خبيث في واقعه وآثاره، وإن استشعر السعادة اللحظية.

والحياة الطيبة أخصّ مطلقًا من الحياة السعيدة، إذ إنها تعني: طمأنينة القلب، والرضا الباطني، وتوازن النفس، واستقامة السلوك. تعني الحياة المفعمة بصفاء الباطن، وحُسن الظاهر. تعني حياة يملأ أرجاءها العمل الصالح، ويكمن في العمق خلفها الإيمان بالله تعالى.

فهي، بعبارة أخرى، تحتوي على جناحي النجاح والفلاح. والنجاح ينصرف إلى الدنيوي، والفلاح ينصرف إلى الأخروي، والسعيد في الدنيا قد لا يكون مفلحًا في الآخرة. أما الذي يحيى حياة طيبة، فإنه يحظى بالسعادة مع الإيمان والعمل الصالح، كما أن سعادته سعادة حقيقية، مستقرة، راسخة، أبدية، خالدة. وهي، أي الحياة الطيبة، ترضي الرب، وتجلب أنواع البركات، عكس السعادة المجردة من الحياة الطيبة، التي قد تسخط الرب، وتسحق حقوق الناس، وتجلب الشؤم والعار والشنار، ومن ورائها النار.

والحياة الخبيثة لمن يعيش حياة الظلم والجور والعدوان، أو ألوان المعاصي الأخرى، مما يمكن أن يراها على واقعها أولياء الله، عبر ما يسمى بالعين البرزخية، كما أن معادلة تجسّم الأعمال في الآخرة مما تفيد ذلك أيضًا وتدلّ عليه، بل يمكن أن نجد لها سندًا من معادلة تبدّل الطاقة إلى مادة، وتبدّل المادة إلى طاقة، كما فصّلناه في بحث آخر.

عوامل السعادة ومقومات الحياة الطيبة

إن الطريق إلى السعادة ليس صعبًا أبدًا، وليس طويلًا أبدًا، إنما من يجهل الطريق الأقصر، ولا يوفّر الآلات والوسائل، فإنه الذي يصعب عليه طيّ الطريق، أو تطول عليه المسافة والمدة، أو قد لا يصل أبدًا.

وسنستعرض في هذا البحث الموجز عددًا من الوسائل التي تكفل الوصول إلى درجة، أو درجات، من السعادة بطرق سهلة، فعالة، وعملية تمامًا:

1- تذوق السعادة في المئات من الأشياء الصغيرة المحيطة بك دومًا

أولًا: يمكنك أن تجد السعادة، بل وأن تتذوقها وتستشعرها بشراشر وجودك، في الأشياء الصغيرة المنتشرة حواليك، بل التي تحيط بك أينما ذهبت، وفي كل وقت وآن وزمان.

إن كثيرًا من الناس يخطئ عندما يتصور أن السعادة يمكن أن تُشترى، أو أن يحصل عليها المرء دفعة واحدة إذا حصل، مثلًا، فجأة على مليون دولار، أو مليار دولار! مع أن الاستقراء يشهد بأن أكثر الأغنياء غير سعداء بالمرة.

ومن اللطيف أن عددًا من العلماء قاموا بدراسة حالة عشرة أشخاص حصلوا على مبالغ ضخمة في اليانصيب في أمريكا، مبالغ تتراوح بين ثلاثمئة مليون دولار، وأقل، وأكثر، وهو رقم ضخم حقًا، إذ إن أكثر الناس يتصور أنه إذا حصل على مثل هذا المبلغ، بل حتى وأقل منه بكثير، فإنه سيكون سعيدًا حقًا. لكن استقراء حالة هؤلاء العشرة أثبت العكس تمامًا، إذ وجدوا خلال سنة أن بعضهم انتحر، وبعضهم قُتل، إذ حاول اللصوص السطو عليه، فلما قاوم قُتل، وبعضهم أفلس، إذ لم يعرف كيف يدير محفظته المالية، وهكذا.

ولعل النادر منهم لم يُبتلَ بكل ذلك، لكن هل نال السعادة؟ أم أنه دخل في مرحلة جديدة من الصعوبات والتحديات، ومن القلق على إدارة الأموال ومخاطرها، وكيفية التعامل مع المنافسين أو مواجهتهم، وغير ذلك؟

إن الله تعالى قدّر لنا أن نتذوق السعادة على طول الخط، في الأشياء التي تبدو صغيرة حقًا. وعلى سبيل المثال، فإن كل شيء في مناظر الطبيعة ومشاهدها يمنحك جرعة سعادة إذا أدركت قيمة ذلك؛ فالنظر إلى القمر المنير يوفر جرعة سعادة، وكذلك رؤية السحب وهي تتحرك في السماء بأشكالها المتنوعة أمر مبهج حقًا، وكذلك حفيف الأشجار وزقزقة العصافير، وكذلك عندما تقوم صباحًا، فتهيّئ لنفسك إفطارًا، أو تجد والدتك أو زوجتك قد أعدّته، فإن ذلك مشهد من أروع مشاهد السعادة وعواملها.

المشكلة أن تكرار النعم أفقدنا الإحساس ببهجتها

لكن المشكلة تكمن في أن تكرارها دومًا أفقدنا بهجة الاستمتاع بها والتلذذ واستشعار قيمتها، ومن ثم شكر الله عليها، وإنما يعرف قيمتها وروعتها وجمالها من فقدها. فمثلًا، إنّا نشرب الماء كل يوم عدة مرات، ولعله بشكل ميكانيكي، لكن الإنسان إذا ضاع في الصحراء القاحلة وفقد الماء ليوم أو يومين، فإنه إذا حصل على كأس ماء، فإنه سيعدّه أعظم نعمة، بل لعله إذا خاف الهلاك عطشًا يستعد لأن يدفع كل ثروته وقصوره مقابل إناء ماء واحد فقط.

لكن المشكلة، وكما سبق، في التكرار، ثم التكرار. والحل، لكي تستشعر الرضا والسعادة والهناء، يكمن في أن تنظر لكل المكررات: قمر، شمس، رياح، غداء، عشاء، سيارة، معلّم... بنظرة المتأمل الشاكر الحكيم، وأن تذكّر نفسك دومًا بمدى جمال وروعة هذه الأشياء المتكررة: الصغيرة منها والكبيرة.

فعندما تنظر إلى وجهك في المرآة، فلا ترى تشوهًا، ولا كسورًا، ولا بثورًا، فاشكر الله فورًا، واستمتع بهذه النعمة، ولا تمرّ عليها مرّ البرق، بل تذوّقها بوجودك، وحينئذ سترى بواعث السعادة تحيط بك من كل حدب وصوب: في إخوتك، أطفالك، مدرستك، معلّمك، تلاميذك، في الزقاق الذي تسلكه كل يوم، وكان من الممكن أن يكون مليئًا بالعقارب والأفاعي الخطرة، أو مليئًا بفخاخ الإرهابيين، أو غير ذلك. لكن الله تعالى وفّر لك الأمن من حيث لا تحتسب، وأنت، مع ذلك، تبحث عن السعادة فيما ليس عندك!

صفوة القول: استكشف السعادة فيمن حولك عبر انتهاج هذا المنهج، وهو استثمار الأشياء الصغيرة الكثيرة جدًا المنتشرة حواليك، والتي تملكها بالفعل، في إسعاد الآخرين وإدخال السرور في قلوبهم وفي قلبك كذلك.

فمثلًا: الابتسامة، فإنها سهلة جدًا وفي متناول يدك دومًا. فعليك، كما يقول أحدهم، أن توزّع ابتسامات! فإذا دخلت البيت، ابتسمت ابتسامة حلوة للزوجة والأولاد، وإذا دخلت المدرسة، سلّمت على التلامذة بابتسامة صافية، وإذا شاهدت زملاءك أو الموظفين، فكلّمهم بوجه طلق وابتسامة طيبة، وسرعان ما تجد السعادة تملأ قلبك وقلوبهم، وفي الرواية: «تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ»[3].

قصة: ما أروع القمر في السجن!

والتجربتان الآتيتان تكشفان بوضوح عن أهمية النعم المتناثرة حولنا وروعتها وجمالها، لكننا نغفل عنها عادة، فلا نستشعر جمالها، ولا ندرك قيمتها، ولا نتلذذ بها.

أ- فقبل عقود، سُجنت في زنزانة ضيقة، لأكثر من سنة كاملة، لم أرَ فيها شمسًا ولا قمرًا، ولم أميّز ليلًا من نهار، ثم إنهم عندما أخرجوني، بعد سنة، من الزنزانة، وكان الوقت ليلًا، فوقع بصري على القمر، استشعرت سعادة لا توصف برؤيتي لهذه الظاهرة الكونية المتاحة لنا جميعًا طوال ليالي السنة، لكننا لا نلتفت لها أصلًا؛ إذ المحروم يدرك قيمة ما حُرم منه، لا المتخم الشبعان!

وما أخطر الصمت المطلق في السجن!

ب- ونُقل عن بن بلّا قوله إنه إبان مقاومة الشعب الجزائري للاحتلال الفرنسي، اعتقلوه وجماعات كثيرة من الأحرار، وإن طرق تعذيبهم كانت متنوعة، وقد تضمنت أن يحرموا السجناء المحبوسين في زنزانات مغلقة دومًا من سماع أي صوت. ذلك أن الأصوات تحيط بنا من كل مكان: صوت الرياح، صوت الباب وهو يُغلق، صوت الأطفال، صوت السيارات، صوت الموقد، صوت دقات الساعة، صوت أنبوب الماء، وهكذا. وبالاستماع إلى هذه الأصوات لا نستشعر الوحدة والوحشة. لكن الإنسان إذا حُرم من الأصوات كلها جميعًا، فإنه قد يشعر بالهدوء ساعة أو ساعات، لكنه إذا استمر الصمت المطلق أيامًا، فإنه سيشعر بوحشة تزداد يومًا بعد يوم. بل وكما يقول بن بلّا، فإن بعض السجناء أُصيب بالجنون جراء حرمانه لأسابيع من الصوت، مع اقتران ذلك بضغوط أخرى طبيعيًا. ويقول: إن السجانين اكتشفوا أننا نُسرّ كثيرًا بسماع الصوت الوحيد المتاح لنا، وهو صوت أحذيتهم عندما كانوا يمشون بين صفوف الزنزانات! ولذلك، وكي يزيدوا الضغط، غيّروا أحذيتهم ولبسوا أحذية مطاطية خفيفة، أبو الأصبع مثلًا، كي لا نسمع حتى هذا الصوت!

ويمكنك إسعاد الآخرين بالأشياء الصغيرة المتوفرة دومًا

وكما يمكنك أن تحظى بالسعادة عبر التطلع بروح شكورة إلى المئات من النعم المتناثرة حولك، يمكنك أيضًا توفير السعادة للآخرين عبر معادلة الأشياء الصغيرة كذلك. والابتسامة المشرقة التي تمنحها لكل من تلتقي به وتحييه نموذج واضح كما سبق، وهناك نماذج كثيرة جدًا ومتنوعة، بإمكان كل شخص أن يختار ما يناسبه منها.

وقد نقلت لي إحدى الشخصيات، ممن تزوج زواجًا ناجحًا، وكان محبًا لزوجته كثيرًا، إذ وجدته حتى بعد سنين طويلة من الزواج يكنّ لها أكبر الاحترام، قال لي: إنها زوجة ذكية تستثمر حتى الأشياء الصغيرة لإسعادي، فمثلًا وجدتها، منذ أول يوم وحتى الآن، تضع باقة زهور، متنوعة، كل عدة أيام، في غرفة النوم، والمطبخ، والصالة، وحتى في المرافق! إنها ونظائرها لفتات صغيرة، لكنها مؤثرة ومعبّرة.

ويمكن لك أن تحتفي بابنك الصغير بإلصاق الرسمة التي رسمها على الجدار، أو على خزانته، أو بإهداء أهلك لوحة جميلة، أو ورودًا، أو كتابًا مميزًا، أو عطرًا، أو حلوى معينة، بين يوم وآخر، أو أسبوع وآخر. وستجد أنك تسعد بذلك، وأنك تُسعد بذلك أيضًا.

سبب الجلطة في المخ والقلب

وفي المقابل، يقول العلماء إن الجلطة في القلب أو المخ تحدث بأحد عاملين:

الأول: التعرض لضربة نفسية قوية جدًا مفاجئة، من حزن شديد، أو غضب شديد، أو شبه ذلك.

الثاني: التعرض لمجموعة كبيرة من الجزئيات الممتدة عبر سنين من الزمن، من أحزان صغيرة متتالية وبواعث غضب مستمرة، فإنها باجتماع عشرة آلاف منها وتراكمها، مثلًا، تؤدي إلى الجلطة.

وبالعكس، فإن الأفراح المتتالية وجرعات السعادة المتراكمة توفر حصانة للإنسان مقابل أمراض الكآبة، وضغط الدم، والسكري، والجلطات، بقدرها، وعلى حسب درجاتها وتكرارها وتراكمها ونسبتها مع الأحزان المتراكمة.

2- لا تعطِ المشكلة أكبر من حجمها أبدًا

ثانيًا: لا تعطِ المشكلة أكبر من حجمها أبدًا، فإن ذلك من أهم عوامل التعاسة والشقاء والحياة الخبيثة، وقد ورد في الحديث: «مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِكِبَارِهَا»[4].

ذلك أن بعض الناس إذا أُصيب بزكام حاد، أو ألم في الركبتين أو الظهر، أو شتمه أحدهم، أو ضايقه زميله، أو خسر في صفقة، أو شبه ذلك، فإنه يقيم الدنيا ولا يقعدها عويلًا وبكاء، وحزنًا وتفجعًا، أو حسرة أو غضبًا، وقد يتخذ موقفًا شديدًا جدًا، وكأن مصيبته أعظم مصيبة في الكون! بينما ذلك هو الطريق الأكيد نحو الشقاء؛ فإنه، إضافة إلى العامل الغيبي، إذ يحرم لطف الله لكونه كفورًا، فيؤدي ذلك به إلى ابتلائه بالأكبر منها، فإن القوانين الطبيعية تقود إلى ذلك طبيعيًا؛ لأن من يواجه مختلف المصاعب والمتاعب والمصائب بصبر وأناة وروح رياضية، يمكنه هضمها ببساطة، وسرعان ما تراه يتجاوز الأزمة ويخرج منها أقوى من ذي قبل.

أما الذي يتفاعل معها بشدة وبأكبر من حجمها، ويضخمها، ويلعن القدر الذي ابتلاه بها، فإنه من الطبيعي أن يُصاب بالسكري، والضغط، والكآبة، أو حتى بالجلطة، وهي كلها أكبر من المصائب التي ابتُلي بها؛ أي إن جزعه يقوده إلى أمراض أخطر وأكبر.

بل إن الجزوع يفقد أصدقاءه، ويفقد الكثير من الفرص التي كان من الممكن أن تعوضه بالأفضل مما فقده، لكنه بجزعه، وتحوّله إلى كتلة من الغضب أو مستودع للأحزان، كان السبب في أن تتدهور مكانته في المجتمع؛ إذ إنه طبيعيًا يفقد أريحيته، ويتحوّل إلى محطة لبث الشحنات السلبية، وإذ يفعل كل ذلك، وإذ يسوء خلقه، فإن الكثير من الناس يبتعدون عنه، فيزداد تعاسة على تعاسة، وخسارة على خسارة.

3- كفّ عن مقارنة نفسك بغيرك

ثالثًا: كُفَّ عن المقارنة، ذلك أن واحدًا من أهم عوامل استشعار السعادة أن لا تقارن نفسك بالآخرين أبدًا، وبالعكس، فإن واحدًا من أهم عوامل الشقاء أن تقارن نفسك بغيرك دومًا. فإذا قارن المرء نفسه بمن هو أكثر مالًا منه، أو قارنها بمن هو أكثر شهرة، أو رياسة، أو مكانة اجتماعية، أو غير ذلك، فإن من الطبيعي أن يستشعر الحزن، بل وأن يثير ذلك فيه الحسد والغضب والإحباط واليأس.

لكنك إذا قصرت نظرك على نفسك، وتدبرت في مختلف نعم الله تعالى عليك، فإنك ستحس بالرضا، وسيملأ السرور قلبك.

وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾[5]، وأزواجًا تعني، في تفسير، أشكالًا، أي أنواعًا من الناس، وزهرة يعني زينة الحياة الدنيا.

وقد قال الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير الآية الكريمة: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾[6]، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): مَنْ لَمْ يَتَعَزَّ بِعَزَاءِ اللَّهِ، تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ عَلَى الدُّنْيَا حَسَرَاتٍ، وَمَنْ رَمَى بِنَظَرِهِ إِلَى مَا فِي يَدِ غَيْرِهِ كَثُرَ هَمُّهُ وَلَمْ يُشْفَ غَيْظُهُ»[7].

وهما مصيبتان: أ- يكثر همّه وغمّه وحزنه، ب- ولا يمكنه أن يشفي غيظه أبدًا. ولعل السبب في ذلك أن المرء، مهما ترقّى وصعد، ومهما امتلك وامتلك، فإنه لا يزال يوجد من هو فوقه. فإذا امتلك مليون دولار، فإن كان دأبه أن يلاحظ غيره، وأن يتحسر على أنه ليس كمثله، فإنه يحزن إذا شاهد غيره يملك خمسة ملايين، فإذا امتلك خمسة، وشاهد من يمتلك عشرة، استمر في حزنه، وهكذا. حتى إذا امتلك مليار دولار، وهو رقم خيالي، ثم مئة مليار، فإنه لا يزال يوجد من هو فوقه، وهكذا تجده أبدًا يطارد المزيد من الأموال والثروات أو الرياسة أو الشهرة، لكنه كلما وصل إلى درجة، يبقى حزينًا، محبطًا، حسودًا، غاضبًا؛ لأن منافسه الآخر سبقه بمراحل.

بل قارن نفسك بالأدنى والأضعف منك

ويعطينا الإمام الصادق (عليه السلام) مقياسًا أوسع ثنائي الطرفين: انظر إلى من هو دونك دومًا، فتشعر بالسعادة وتشكر الله تعالى حينئذ، ولا تنظر إلى من هو فوقك، فتحزن وتجحد نعمه.

قال (عليه السلام) لحمران بن أعين: «يَا حُمْرَانُ، انْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَكَ فِي الْمَقْدُرَةِ، وَلَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكَ فِي الْمَقْدُرَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَقْنَعُ لَكَ بِمَا قُسِمَ لَكَ، وَأَحْرَى أَنْ تَسْتَوْجِبَ الزِّيَادَةَ مِنْ رَبِّكَ»[8].

وواضح أن من نظر إلى من دونه في الجمال، أو المال، أو السلطة، أو الشهرة، نال مرتبة الرضا والقناعة بنفس الدرجة، كما أنه أحرى وأجدر بأن يزيده الرب الجليل من فضله؛ فإنه بذلك يكون شكورًا قلبًا، وفي لسانه: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، عكس من يكون دأبه التطلع دومًا إلى من هو أكثر منه مالًا، أو جمالًا، أو أولادًا، فإنه كثيرًا ما يكون كفورًا: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾[9].

قصة الكأس الفضي، والذهبي، والماسي

ويمثل علماء النفس لذلك بمثال طريف، وهو مثال مجسّد للملايين من الحالات المشابهة، وهو ثلاثة أشخاص: نال أحدهم الكأس الفضي، الأدنى، ونال الآخر الكأس الذهبي، الأوسط، ونال الآخر الكأس الماسي، الأعلى. فإن الذي حصل على الكأس الفضي قد يشعر بالسعادة البالغة جدًا، إذ يقارن نفسه بسائر المتسابقين الذين لم يحصلوا على شيء أبدًا، بينما تجد الذي نال الكأس الذهبي، وهو أعلى بكثير، حزينًا جدًا، إذ قارن نفسه بمن نال الكأس الماسي. وتلك من طبيعة الإنسان في كافة شؤون الحياة.

والحاصل: لا تقارن نفسك بمن هو فوقك، فإنه يثير الغيرة والحسد، ويستوجب قلة الشكر، كما يورث الإحباط والغضب. وإذا أردت أن تكون سعيدًا، فكفّ عن مقارنة ما لديك بمن لديه الأكثر، بل قارن نفسك بمن لديه الأقل. وقد ورد أنك إذا نظرت إلى شخص مبتلى، فقل: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَلَوْ شَاءَ لَفَعَلَ بِي ذَلِك»[10].

الخاتمة

بدأ البحث بالآية الكريمة: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ باعتبارها المعادل الموضوعي الأعلى والأسمى من «الحياة السعيدة»، مشيرًا إلى السؤال الأبدي: لماذا يسعد قوم رغم فقرهم، ويشقى آخرون رغم غناهم؟ وإن العصر الراهن تميز بتوسع ظاهرة الشقاء بمظاهرها المختلفة، لينتقل إلى أن الحياة الطيبة والسعادة والنجاح والفلاح جميعًا يمكن أن تُنال عبر آليات متنوعة، من أهمها:

1- استثمار المئات من الفرص الصغيرة، منوّهًا إلى أننا نحرم أنفسنا من استشعار السعادة عبر تعوّد النظرة الرتيبة إلى النعم المحيطة بنا من كل حدب وصوب، مستعرضًا قصتين عن نعمة القمر ونعمة الأصوات! وإن الشكر مدعاة لزيادة النعم، ولكنك تكون شكورًا إذا تطلعت بشكل آخر إلى النعم المحيطة بك، مشيرًا إلى أن ثمة عادات بسيطة من شأنها أن تدخل السعادة في قلبك وقلوب الآخرين: توزيع الابتسامات مثالًا، والهدايا الصغيرة المتنوعة اللطيفة وغير المكلفة مثالًا آخر، مشيرًا إلى أن تراكم الضغوط هو سبب الجلطة، وأن تراكم جرعات السعادة يملك مفعولًا سحريًا معاكسًا.

2- إعطاء كل مشكلة حجمها الطبيعي، لا أكثر، ثم التعايش مع ما لا بد منه من مصاعب الحياة.

3- الكفّ عن مقارنة النفس بمن يمتلك الأكثر منك، والسعي لمقارنتها مع من يمتلك الأقل منك، مستعرضًا روايتين من أروع الروايات، إضافة إلى آية كريمة مفتاحية في السعادة الإنسانية.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

* سلسلة محاضرات في تفسير القرآن الكريم

http://m-alshirazi.com

.................................................

الهوامش

[1] سورة النحل: 97.

[2]  2021 Global Burden of Disease (GBD) [online database]. Seattle: Institute for Health Metrics and Evaluation; 2024 (https://vizhub.healthdata.org/gbd-results/, accessed 13 August 2025)

[3] نهج الفصاحة (الكلمات القصار للنبي صلى الله عليه وآله): ص378.

[4] نهج البلاغة: الحكمة 448.

[5] سورة طه: 131.

[6] سورة الحجر: 88.

[7] علي بن إبراهيم القمي، تفسير القمي، دار الكتاب ـ قم: ج1 ص381.

[8] الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج8 ص244.

[9] سورة إبراهيم: 7.

[10] الشيخ الصدوق، الأمالي، كتابجي ـ طهران: ص267.

اضف تعليق