يُعزز هذا التفاوت السياسي نفسه ذاتيًا، مما يؤدي إلى ظهور سياسات تعمل على زيادة ترسيخ عدم المساواة الاقتصادية. تُفضل السياسات الضريبية الأغنياء، بينما يفضل نظام التعليم أنظمة مكافحة الاحتكار التي تتسم بالامتيازات بالفعل والتي لم تصمم وتنفذ بالقدر الكافي، والتي تميل إلى إعطاء الشركات في حشد واستغلال قوة السوق...

بقلم: جوزيف ستيغليتز

نيويورك - لقد أثار تراجع الديمقراطية وصعود الأنظمة الاستبدادية جدلاً في السنوات الأخيرة - وذلك لسبب وجيه. بدءًا من رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان إلى الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو والرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، لدينا قائمة متزايدة من السلطويين والحكام المستبدين المحتملين الذين يوجهون شكلاً غريبًا من أشكال الشعبوية اليمينية. وفي حين يَعِدون بحماية المواطنين العاديين والحفاظ على القيم الوطنية القديمة، فإنهم يتبعون السياسات الكفيلة بحماية الأقوياء وتقويض المعايير القديمة - ويتركون بقيتنا نحاول تفسير السبب وراء اكتسابهم مثل هذه الجاذبية.

وعلى الرغم من وجود العديد من التفسيرات، إلا أن أحد الأسباب البارزة يتمثل في اتساع فجوة التفاوت، وهي مشكلة تفرضها الرأسمالية النيوليبرالية الحديثة وترتبط في نواح كثيرة بتآكل الديمقراطية. إن التفاوت الاقتصادي يؤدي حتمًا إلى التفاوت السياسي، وإن كان بدرجات متفاوتة بين البلدان. وفي دولة مثل الولايات المتحدة، حيث لا توجد أي قيود تقريباً على المشاركة في الحملات الانتخابية، تحولت عبارة "الشخص الواحد والصوت الواحد" إلى "الدولار الواحد والصوت الواحد".

في الواقع، يمكن أن يُعزز هذا التفاوت السياسي نفسه ذاتيًا، مما يؤدي إلى ظهور سياسات تعمل على زيادة ترسيخ عدم المساواة الاقتصادية. تُفضل السياسات الضريبية الأغنياء، بينما يفضل نظام التعليم أنظمة مكافحة الاحتكار التي تتسم بالامتيازات بالفعل والتي لم تصمم وتنفذ بالقدر الكافي، والتي تميل إلى إعطاء الشركات حرية التصرف في حشد واستغلال قوة السوق. علاوة على ذلك، نظرًا لخضوع وسائل الإعلام لهيمنة شركات خاصة يملكها حكام أثرياء مثل روبرت مردوخ، فإن قسما كبيرا من الخطاب السائد يميل إلى تعزيز نفس الاتجاهات.

وبذلك، لطالما قيل لمستهلكي الأخبار إن فرض الضرائب على الأغنياء يضر بالنمو الاقتصادي، وأن ضرائب الإرث هي ضرائب على الموت، وما إلى ذلك. وفي الآونة الأخيرة، انضمت وسائل الإعلام التقليدية التي يسيطر عليها الأثرياء إلى شركات وسائل التواصل الاجتماعي التي يسيطر عليها الأثرياء، باستثناء أن هذه الأخيرة أقل تقييدًا في نشر المعلومات المُضللة. وبفضل المادة 230 من قانون آداب الاتصالات لعام 1996، فإن الشركات التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها غير مسؤولة عن محتوى الطرف الثالث المستضاف على منصاتها - أو عن أغلب الأضرار الاجتماعية الأخرى التي تسببها (وليس أقلها للفتيات المراهقات).

وفي هذا السياق الذي تحكمه الرأسمالية دون مساءلة، هل ينبغي لنا أن نندهش إزاء نظرة العديد من الناس إلى التركيز المتزايد للثروة بعين الريبة، أو اعتقادهم بأنه تم التلاعب بالنظام؟ إن التصورات السائدة على نطاق واسع بأن الديمقراطية قد حققت نتائج غير عادلة أدت إلى تقويض الثقة في الديمقراطية ودفعت البعض إلى استنتاج مفاده أن الأنظمة البديلة قد تُحقق نتائج أفضل. هذا نقاش قديم.

حتى قبل خمسة وسبعين عامًا، كان كثير من الناس يُشككون في قدرة الديمقراطيات على التطور بنفس سرعة تطور الأنظمة الاستبدادية. واليوم يطرح العديد من الناس نفس السؤال حول أي نظام "يوفر" قدراً أعظم من العدالة. ومع ذلك، تجري هذه المناقشة في عالم يتمتع فيه الأثرياء بالأدوات اللازمة لتشكيل التفكير الوطني والعالمي، وأحيانا بأكاذيب صريحة ("لقد تمت سرقة الانتخابات!"، "وقد تم التلاعب بآلات التصويت!" - وهي كذبة كلفت قناة فوكس نيوز 787 مليون دولار).

وكانت إحدى النتائج تتمثل في الاستقطاب المتزايد، الذي يعيق عمل الديمقراطية - وخاصة في دول مثل الولايات المتحدة، وذلك من خلال الانتخابات حيث يحظى فيها الفائز بكل شيء. بحلول الوقت الذي تم فيه انتخاب ترامب في عام 2016 بأقلية من الأصوات الشعبية، أصبحت السياسة الأمريكية، التي كانت تُفضل ذات يوم حل المشاكل من خلال التسوية، صراعًا حزبيًا واضحًا على السلطة، وهي جولة مصارعة يعتقد فيها أحد الطرفين على الأقل أنه لا ينبغي أن تكون هناك قواعد.

وعندما يُصبح الاستقطاب مفرطًا إلى هذا الحد، فسوف يبدو الأمر غالبًا وكأن المخاطر أعلى من أن يسمح لنا بالتنازل عن أي شيء. وبدلاً من البحث عن أرضية مشتركة، سوف يستخدم القائمون على السلطة الوسائل المتاحة لهم لترسيخ مواقفهم ــ كما فعل الجمهوريون علناً من خلال تقسيم الدوائر الانتخابية واتخاذ التدابير اللازمة لقمع تصويت الناخبين. تعمل الديمقراطيات على أفضل وجه عندما لا تكون المخاطر المُحتملة أقل مما ينبغي أو أعلى مما ينبغي (إذا كانت المخاطر منخفضة للغاية، فلن يشعر الناس بالحاجة إلى المشاركة في العملية الديمقراطية على الإطلاق).

هناك خيارات تصميم يمكن للديمقراطيات اتخاذها لتحسين فرص التوصل إلى حل وسط. تُشجع الأنظمة البرلمانية، على سبيل المثال، على بناء التحالفات وغالباً ما تُمنح السلطة للوسطيين، بدلاً من المتطرفين. وقد تبين أيضًا أن التصويت الإلزامي والتصويت الاختياري يساعدان في هذا الصدد، وكذلك وجود خدمة مدنية ملتزمة ومحمية. لطالما اعتبرت الولايات المتحدة نفسها منارة للديمقراطية. وعلى الرغم من النفاق الذي كان قائمًا باستمرار - من تقرب رونالد ريغان إلى أوغستو بينوشيه، إلى فشل جو بايدن في إبعاد نفسه عن المملكة العربية السعودية أو إدانة التعصب المناهض للمسلمين الذي تمارسه حكومة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ــ فقد جسدت أميركا على الأقل مجموعة مشتركة من القيم السياسية. ومع ذلك، أصبحت فجوة عدم المساواة الاقتصادية والسياسية أكثر اتساعًا في الوقت الراهن، حيث أصبح العديد من الناس يرفضون الديمقراطية.

تُعد هذه أرضًا خصبة للأنظمة الاستبدادية، وخاصة لهذا النوع من الشعبوية اليمينية التي يمثلها ترامب وبولسونارو وآخرون. ومع ذلك، أظهر مثل هؤلاء القادة أنهم لا يملكون أياً من الإجابات التي يسعى إليها الناخبون الساخطون. بل على العكس من ذلك، فإن السياسات التي يعتمدونها عندما يحصلون على السلطة تزيد الأمور سوءًا. وبدلا من البحث عن بدائل في مكان آخر، يتعين علينا النظر إلى الداخل، إلى نظامنا الخاص. ومن خلال الاستعانة بالإصلاحات اللازمة، يمكن للديمقراطيات أن تصبح أكثر شمولا، وأكثر استجابة للمواطنين، وأقل استجابة للشركات والأثرياء الذين يتولون حاليًا زمام الأمور.

ومع ذلك، سيتطلب إنقاذ سياستنا أيضاً إجراء إصلاحات اقتصادية جذرية بنفس القدر. ولن يتسنى لنا أن نبدأ في تعزيز رفاهية كل المواطنين بشكل عادل - وتقويض نفوذ الشعبويين - إلا عندما نتخلى عن الرأسمالية النيوليبرالية ونقوم بعمل أفضل بكثير في خلق الرخاء المشترك الذي نشيد به.

* جوزيف ستيغليتز، حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، وأستاذ بجامعة كولومبيا وكبير خبراء الاقتصاد في معهد روزفلت. من كتبه: خيبات العولمة، وكتاب الناس والسلطة والأرباح: الرأسمالية التقدمية لعصر الاستياء
https://www.project-syndicate.org

اضف تعليق